كسر الحصار لا يعني الحسم.. معركة حلب تبدو بلا نهاية كما الصراع في سوريا

تم النشر: تم التحديث:
ALEPPO BATTEL
مقاتل تابع للمعارضة | ASSOCIATED PRESS

اشتعلت معركة حلب –أكبر المدن السورية من حيث عدد السكان قبل الأزمة- مرة أخرى، لتترك مئات الآلاف من المدنيين محاصرين من جديد، كما تسعى الأطراف المتقاتلة لتحقيق تقدم في تلك الحرب الأهلية المستمرة منذ خمس سنوات.

ولكن يبدو أن الأمور تسير في اتجاه احتراق حلب من جديد، في الوقت الذي لا تبدو تلك الحرب قريبةً من حل ما، بينما ستستمر معاناة وموت سكان المدينة، بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الجمعة 12 أغسطس/آب 2016.

يقول عبد القادر حباك، وهو أحد النشطاء في الجزء الشرقي من المدينة والذي تسيطر عليه المعارضة، في لقاء عبر تطبيق سكايب "كل يوم لدينا جرحى، وفي كل يوم لدينا مرضى". وأشار حباك وناشط آخر إلى زيادة الهجمات باستخدام الغاز الكيميائي من قبل قوات النظام، وهو ما يزيد من مأساة المدنيين.

وتبدو الحياة أفضل نسبياً في الجزء الغربي من المدينة، وهو الجزء الذي تسيطر عليه حكومة رئيس النظام بشار الأسد، إذ لا يعاني ذلك الجزء من الغارات الجوية، إلا أن مخزون الطعام قد تراجع، كما تعيش بعض المناطق دون مياه أو كهرباء، ويخشى الكثيرون من أن قدرة قوات الأسد على حمايتهم تنتهي بالفعل.


أرفف خاوية ومشافٍ ممتلئة


يقول أحد التجار في الجزء الغربي من المدينة –يدعى صفوان- والذي رفض الإفصاح عن اسمه كاملاً خوفاً من العقاب بسبب حديثه لوسيلة إعلام أجنبية "اليوم، تجولت لمدة ساعة في المدينة بحثاً عن دجاج إلا أنني لم أجد على الإطلاق". وأضاف أن هناك طوابير طويلة في محطات الوقود، وأن الأرفف في محلات الخضروات والفاكهة خاوية تماماً، بالإضافة إلى أن المستشفيات تكتظ بالجنود المصابين، والمقاتلين، والمدنيين.

وبرزت حلب، التي كانت العاصمة التجارية للبلاد قبل الحرب، كساحة قتال شديدة الخطورة، إذ توجه الأطراف المتقاتلة ما لديها من مقاتلين وموارد إلى المدينة في محاولة لتوجيه ضربة حاسمة لخصومهم.

ولكن من عدة جوانب، تعكس المعركة في حلب الصراع الأكبر في سوريا بعد خمس سنوات من الحرب، وهو ذلك الصراع المستعصي على نحو متزايد والذي يستثمر فيه المقاتلون كل ما لديهم دون أن يقتربوا من هزيمة الخصم أو حتى التوصل إلى حل سياسي.


أحجار الدومينو المتباعدة


وقال رمزي مارديني، المحلل والخبير في شئون الشرق الأوسط بالمجلس الأطلنطي، إن الصراع أصبح مثل صف من الدومينو تتباعد في القطع عن بعضها، وهو ما يعني أن سقوط قطعة ما لن يؤدي لسقوط بقية القطع.

وأضاف "لا يبدو أن انتصاراً واحداً سيؤدي إلى نقطة أخرى بحيث تحدث سلسلة من الانتصارات لأي من الجانبين".

وقُسِمت حلب منذ عام 2012، إذ تسيطر حكومة الأسد على الجزء الغربي من المدينة، بينما تسيطر المعارضة التي تهدف لإسقاط الحكومة على المقاطعات الشرقية وعلى أغلب ريف حلب.

وبدأت المعركة الحالية للسيطرة على المدينة الشهر الماضي حينما حاولت القوات الموالية للأسد، والتي تضم مقاتلين تابعين لحزب الله اللبناني، التقدم تحت الغطاء الجوي من المقاتلات الروسية لتطويق الجانب الشرقي الذي تسيطر عليه المعارضة، وقطع طريق الإمداد الرئيسي إلى الشمال.

وأدى ذلك إلى تحذيرات من منظمات الإغاثة من حصار طويل يعرض حياة 300 ألف شخص للخطر في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة. ولكن خلال الأسبوع الماضي، تمكن مقاتلو المعارضة من شن هجوم للسيطرة على منشآت عسكرية جنوب غربي البلاد، وفتح ممر جديد للمناطق التي تسيطر عليها المعارضة.


حلب عامل حسم


ونجحت المعارضة في تحقيق هدفها بحلول نهاية الأسبوع، على الرغم من أن السيطرة على الطريق لا تزال ضعيفة للغاية ولا تسمح بوصول منتظم للمساعدات. وقتِل 18 شخصاً الجمعة 12 أغسطس في غارات جوية في أنحاء حلب، بحسب ما ذكرته الطواقم الطبية ومراقبون.

وترى قوات الأسد ومقاتلو المعارضة تلك المعركة كعامل حسم في تقدم تلك الحرب، نظراً لأن القتال كشف عن نقاط قوتهم وضعفهم.

"المقاتلون يهاجمون النظام داخل وخارج حلب بشراسة، هم يعلمون أن هذه المعركة كانت مصيرية وبإمكانها رفع الحصار عن الأسر والأطفال"، يقول زكريا ملاحفجي، رئيس المكتب السياسي لأحد مجموعات المعارضة المدعومة من جانب وكالة الاستخبارات الأميركية وحلفائها في الدول الأوروبية والعربية.

لكن كان في مقدمة قوات المعارضة مجموعات إسلامية ومن بينها جبهة فتح الشام، والتي ظلت مرتبطة بتنظيم القاعدة لسنوات قبل أن تغير اسمها حديثاً وتعلن استقلالها عن التنظيم. في المقابل، رفض المسئولون الأميركيون ذلك التغيير الأخير، مؤكدين أن المجموعة لم تغير أيديولوجيتها أو هدفها في تأسيس إمارة إسلامية في سوريا، بينما قال محللون إن المجموعة سمحت للمتشددين بالعمل بالقرب من مجموعات المعارضة الأخرى، وهو ما أدى لعدم وضوح الخط الفاصل بينهم.


انعكاسات المعركة


أدى ذلك إلى تعقيد الأمور بالنسبة للولايات المتحدة، والتي تحاول إبعاد ما تصفهم بـ"المتطرفين" عن مجموعات المعارضة الأخرى، وتستهدف المجموعات المتطرفة بغارات جوية. وأظهر الدور البارز لمن يوصفون بـ"الجهاديين" في معركة حلب أنهم لا غنى عنهم عسكرياً بالنسبة للمعارضة، كما زاد ذلك من شعبيتهم في الوقت الذي ينتقد فيه الكثير من السوريين الولايات المتحدة لعدم بذلها المزيد من الجهد لحماية المدنيين.

بالنسبة لحكومة النظام كشف كسر المعارضة السريع للحصار عن حدود القوات التابعة للحكومة، والتي أصبحت تعتمد بشكل كبير على حلفائها الخارجيين. واستُهلِك جيش النظام السوري وأُنهِك أثناء تلك الحرب نتيجة لمقتل وانشقاق وتفرق الكثير من قواته. وتدخلت روسيا لمساعدة النظام السوري من خلال غارات جوية ضد قوات المعارضة، في حين أرسل حزب الله مقاتلين بارعين كانوا سبباً في تحقيق أكثر من تقدم للنظام. وساعد هذا المزيج حكومة النظام في السيطرة على الأراضي، على الرغم من افتقاره إلى القوى الوطنية اللازمة للحفاظ على تلك الأرض المكتسبة.

ولم تلعب الولايات المتحدة دوراً كبيراً في معركة حلب، وفضلت التركيز على إضعاف المجموعات "الجهادية" وتنظيم "الدولة الإسلامية"، والذي ليس له حضورٌ ملفت في المدينة، إلا أنه يسيطر على مناطق في أقصى شرقها.

ونجحت القوات المدعومة من الولايات المتحدة في إخراج "داعش" من منبج، وهي مدينة بالقرب من الحدود التركية شكلت مركزاً للتنظيم.


المدنيون من يدفع الثمن الأكبر


ودفع المدنيون في حلب الثمن الأكبر لذلك القتال الأخير، إذ أدى حصار الجزء الذي تسيطر عليه المعارضة من المدينة إلى نقص الإمدادات لدى المدنيين، كما استهدفت الغارات الجوية للنظام وللطيران الروسي مناطق للمدنيين بصورة متكررة، ما أدى إلى تدمير المنازل والمرافق الطبية. وفي الأيام الأخيرة، ظهرت تقارير تشير إلى هجمات باستخدام الغاز السام على مناطق المعارضة وهو ما أصاب سكان تلك المناطق بالمرض.

هذا الأسبوع، أرسل 15 طبيباً من الجانب الشرقي لحلب خطاباً مفتوحاً للرئيس الأميركي باراك أوباما، قالوا فيه أنه جرى استهداف 42 منشأة طبية منذ يوليو/تموز الماضي، كما طلبوا منه المساعدة في إيقاف القصف.

"التقاعس المستمر للولايات المتحدة عن حماية المدنيين في سوريا يعني أن المحنة التي يمرون بها يُسكت عنها عمداً من جانب القوى الدولية" بحسب الخطاب، والذي اتهم الولايات المتحدة والقوى العالمية بالوقوف مكتوفي الأيدي.


لا نرى النور في المستقبل


وتواجه المناطق التي تسيطر عليها المعارضة نقصاً أكبر في الإمدادات كما تتعرض لعنف أكبر. يقول زياد قاطرجي، وهو طبيب بأحد المستشفيات شرق حلب، إن المشفى الذي يعمل به تعرض للقصف في أبريل/نيسان الماضي، ما أدى إلى مقتل خمسة من طاقمه الطبي، وتدمير وحدة العناية المركزة وغرفة العمليات.

وأنقذ الموظفون ما بوسعهم وواصلوا العمل، بينما يكافحون الآن من أجل علاج نحو 120 مريض يومياً. وقال قاطرجي أن العمل يشغله للغاية حتى عن التفكير في مصير المدينة، وأضاف "نحن لا نفكر في المستقبل كثيراً، نحن سعداء بأننا ننجو ونواصل الحياة ليوم آخر".

ولكنه قال إنه لا يتوقع أن تغير الحرب من المسار الحالي ما لم تتفق القوى العالمية على إنهائها. ويضيف "نأمل أن تنتهي مأساة المدنيين السوريين، ولكننا لا نرى النور في المستقبل".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.