عاصر حربين عالميتين.. قرش غرينلاند الحيوان الفقاري الأكبر عمراً فكم تبلغ سنّه؟

تم النشر: تم التحديث:
GREENLAND SHARK
SOCIAL MEDIA

وُلدت في عهد جيمس الأول، وكانت صغيرة حين وضع رينيه ديكارت قواعده الفكرية واندلع حريق لندن الكبير. دخلت طور المراهقة مع صعود جورج الثاني إلى العرش، ووصلت إلى البلوغ في وقتٍ قريب من بداية الثورة الأميركية، وعاشت حربين عالميتين. بعمر يقدّر بحوالي 400 عام، كشف العلماء كسر أنثى قرش غرينلاند الرقم القياسي في طول العمر.

يضع هذا الاكتشاف قرش غرينلاند في المرتبة الأولى، متقدّماً بفارقٍ كبير عن أكبر فيلٍ في حيازتنا، لين وانغ، الذي مات عن عمر 86 عامًا. وأطول بكثيرٍ كذلك من الرقم الرسمي للبشر، الذي حققته الفرنسية جين لويز كالمينت، 122 عامًا، بحسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، الجمعة 12 أغسطس/آب 2016.

وقال يوليوس نيلسن، المؤلف الرئيسي لبحث جامعة كوبنهاغن: "لقد حلّ محل الحوت مقوّس الرأس بصفته أكبر الحيوانات الفقارية عمرًا"، مشيرًا إلى أن الأقواس مقوّسة الرأس عُرف عنها أنها تعيش حتى سن 211 عامًا.


المحار الملزمي الأيسلندي


لكن قرش غرينلاند لم يتغلب على جميع الحيوانات، فلقب الحيوان الأطول عمرًا يحتفظ به مينج، المحار الملزمي الأيسلندي، الذي عاش 507 سنة قبل أن يصطدم به العلماء.
يعد قرش غرينلاند الرمادي الممتلئ، البالغ طوله 5 أمتار هو أحد أكبر آكلي اللحوم في العالم. ولأن معدّل نموه أقل من سنتيمتر واحد في العام، فقد كان العلماء يعرفون مسبقًا أنه يعيش عمرًا مديدًا، لكن كم هذا العمر بالتحديد؟ كان هذا لغزًا!

يقول ستيف كامبانا، خبير القروش من جامعة آيسلندا: "حاول علماء الأحياء السمكية تحديد عمر قروش غرينلاند لأعوام، لكن دون نجاح يذكر. وبالنظر إلى أن هذا القرش على قمة الهرم الغذائي في المياه القطبية، فإنه أمرٌ لا يصدق تقريبًا إنّنا لم نكن نعلم ما إذا كان القرش يعيش 20 عامًا أو ألفاً"، مضيفًا أن هذا البحث الجديد هو أول دليل مادي على طول عمر هذه الكائنات. ويقول نيسلن: "إن هذا يخبرنا كم أن هذا المخلوق مذهل، ويجب أن يُعتبر من ضمن الحيوانات الأكبر عمرًا في العالم".

في مجلة Science، شرح نيلسون وفريقٌ دولي كيف عزموا على تحديد أعمار 28 من إناث قرش غرينلاند، جُمعت أثناء المسوحات العلمية التي جرت بين عامي 2010 و2013.

وبينما يمكن تحديد عمر العديد من الأسماك عن طريق عدّ طبقات كربونات الكالسيوم في الحصوات الموجودة في آذانها، بشكل يشبه عدّ حلقات جذوع الأشجار، لا تملك قروش غرينلاند هذا النوع من الحصوات في آذانها، كما أنها تفتقر إلى الأنسجة الغنية بالكالسيوم المناسبة لهذا النوع من التحليل.
ولجأ الفريق بدلاً من ذلك إلى نهج مختلف وهو "التفحُّص الدقيق لعدسات عيونهم".
وتتكون هذه العدسات من البروتينات المتراكمة مع مرور الوقت، بدءاً من البروتينات الموجودة في قلب العدسة التي بدأت في التكوّن منذ كان القرش جنيناً يتطور في رحم أمه، ويقول العلماء إن تاريخ هذه البروتينات قد يساعد في تقدير عمر القرش، ولمعرفة ذلك يتبع العلماء أسلوب "الكربون المشع"، وهي طريقة تعتمد على تحديد مستويات وجود نوع من الكربون يعرف باسم كربون 14 داخل المادة، الذي يتعرض للاضمحلال الإشعاعي بمرور الوقت.


القنابل الذرية


واستنتج العلماء نطاقاً واسعاً من الأعمار لكل قرش من خلال تطبيق هذه التقنية، ثم قاموا باستخدام الآثار الجانبية لاختبارات القنابل الذرية التي وقعت في خمسينيات القرن الماضي، إذ زادت مستويات الكربون 14 في الجو بعد تفجير القنابل، وانتشرت بشكل كبير في الشبكة الغذائية البحرية في جميع أنحاء المحيط الأطلسي بحلول أوائل الستينيات، ما يقدم خريطة زمنية مفيدة، يقول عنها نيلسين: "عندما أرى آثار القنبلة داخل أسماك القرش أود معرفة ما يعنيه ذلك، هل يعني أن عمرها 50 سنة؟ 10 سنوات؟".

ووجد نيلسن وفريقه أن بروتينات عدسات الأعين الخاصة بأصغر سمكتي قرش ضمن مجموعة قروش غرينلاند الـ28 تحتوي على أعلى مستويات الكربون 14، ما يشير إلى ميلادهما بعد أوائل ستينيات القرن العشرين، أما ثالث أصغر قرش فيحتوي على مستويات للكربون 14 أعلى قليلاً من الموجودة لدى القروش الـ25 الباقية في المجموعة، ويعني ذلك ميلادها في أوائل الستينيات مع بداية انتشار آثار القنبلة في السلسلة الغذائية البحرية، وقال: "يعنى ذلك أنها تتجاوز الخمسين عاماً".
وقام الفريق بعدها بجمع نتائج تأريخ الكربون مع تقديراتهم حول كيفية نمو أسماك قرش غرينلاد، وتصميم نموذج حاسوبي يسمح لهم باستكشاف أعمار القروش الباقية المولودة قبل الستينيات.


قرش غرينلاند


وكشفت النتائج التي توصلوا لها أن عمر أكبر قرش في المجموعة، وهي أنثي تزيد طولها على 5 أمتار قليلاً، هو 392 عاماً على الأرجح، رغم امتداد مدى الأعمار الممكنة من 272 إلى 512 عاماً كما يشير نيلسن، وقال: "قرش غرينلاند هو أفضل مرشح الآن للقب أطول الحيوانات الفقارية عمراً".

وبالإضافة لذلك، وجد العلماء أن إناث قرش غرينلاند لا يمكنها ولادة قرش صغير جديد إلا بعد تجاوز أعمارها 150 عاماً، رغم ما هو معروف من بلوغها مرحلة النضج الجنسي بعد تجاوز طولها 4 أمتار.

لكن لا يبدو أن الجميع مقتنع بإمكانية امتداد أعمار هذه القروش لـ4 قرون، فيقول كلايف ترومان، أستاذ في علم البيئة البحرية بجامعة ساوثهامبتون: "أنا مقتنع بفكرة إمكانية وجود أعمار ممتدة وطويلة لهذا النوع من أسماك القرش، لكني أتعامل مع هذه الأعداد المطلقة ببعض الشك".

greenland shark

يتفق ترومان مع إمكانية التوصل لسجل للحياة المبكرة للفقاريات عبر بروتينات عدسات أعينها، لكن مع ذلك، يرى حقيقة أن بروتينات منتصف عدسة العين والكربون 14 الموجود بها جاءت من المواد الغذائية للأم، تضفي بعض الشكوك حول حسابات الدراسة.

كما يشير كامبانا إلى أنه على الرغم من صحة النهج الذي سلكه الباحثون، إلا أنه لا يزال غير مقتنع بأن أسماك قرش غرينلاند تعيش لما يقرب من 400 سنة، ويضيف: "آمل أن تستطيع الأبحاث المستقبلية تحديد الأعمار بمزيد من الدقة واليقين".

أما نيلسن فيقول إنه يتطلع لإجراء المزيد من الأبحاث، ويأمل أن تؤدي شهرة البحث إلى تعزيز الوعي بالحيوانات وجهود الحفاظ على البيئة ومحاولات الكشف عن الجوانب الأخرى من وظائف الأعضاء لدى هذه الأسماك، "فهناك جوانب أخرى مثيرة للاهتمام بها وتستحق مزيداً من تسليط الضوء".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.