لم تعد حدودها مفتوحة.. أسلاك أوروبا الشائكة لمنع اللاجئين تهدد الحياة البرية بالانقراض

تم النشر: تم التحديث:
YY
AP

ارتفعت حصيلة الحيوانات النافقة بسبب الأسلاك الحدودية الشائكة التي صُممت لمنع المهاجرين من العبور إلى أوروبا، وسط تحذيرات من خطر الانقراض المحلي للدببة والذئاب والوشق في حالة إتمام السياج الحدودي وتعزيزه.

ورغم قلة الأعداد النافقة من الأيل الأحمر واليحمور الأوروبي، فإن السكان المحليين يدَّعون أن هذه الأعداد هي أقل من الحقيقة.

بدأت سلوفينيا، الشتاء الماضي، إنشاء السياج بطول حدودها النهرية الممتدة على مسافة 180 كم مع كرواتيا، كإجراء مؤقت لوقف تدفق طالبي اللجوء القادمين من سوريا غالباً، ومن العراق وأفغانستان. خلق هذا السياج، دون قصد، عائقاً ضخماً أمام الحيوانات التي تتجول بحرية عبر الحدود في إحدى جوانب أوروبا ذات الحياة البرية الغنية.

وعلى الرغم من انحسار أزمة المهاجرين بشكل كبير، فإن وزارة الداخلية السلوفينية تسعى لإقرار تغيير قانوني يمنع العوامل البيئية من إبطاء عملية مد السياج الحدودي.

وقال متحدث باسم الحكومة إنه على الرغم من انخفاض عدد اللاجئين، "فهناك ما يزيد على 57 ألفاً في اليونان. والوضع التركي لا يزال غير واضح بعد الانقلاب العسكري. هناك كارثة سياسية في مقدونيا، ويزداد عدد المهاجرين الذين يجتمعون في صربيا التي تفتقر للقدرة الكافية على استقبالهم، كما ازداد عدد الأفراد المسافرين عبر طريق الهجرة لإيطاليا قدوماً من البحر المتوسط مرة أخرى".

ورغم أن السياج كان من المفترض به أن يكون إجراءً مؤقتاً، فقد تصاعدت المخاوف من استمرار أزمة اللاجئين حين أشارت الحكومة، في ديسمبر/كانون الأول إلى نيتها إنشاء سياج حدودي على طول حدودها، التي تمتد لمسافة 670 كم، مع كرواتيا.

وأشار الباحثون بجامعة ليوبليانا إلى أطنان من الأسلاك الشائكة المُخَزَّنَة في العراء في ثكنة عسكرية بالقرب من الحدود الكرواتية، على استعداد لإقامتها في أي وقت.

وقد يُنشأ السياج سريعاً إذا اعتُمد التعديل الذي تُجرى مناقشته حالياً على قانون مراقبة حدود الدولة. ويعفي التعديل المقترح الإنشاءات المتعلقة بالسياج من اتباع "اللوائح المُنَّظمة لحماية البيئة والحفاظ على الطبيعة والمياه"، وفقاً لصحيفة "الغارديان" البريطانية.

وبينما تهدد تركيا بالتراجع عن الاتفاق المبرم مع الاتحاد الأوروبي الذي نقل أزمة اللاجئين إلى داخل حدودها، تنطلق أجراس الإنذار في الكليات الجامعية عبر البلقان.


العزلة الجغرافية


تشير إحدى الأوراق البحثية المنشورة في الدورية العلمية PLOS Biology إلى أن العزلة الجغرافية ستهدد بقاء قطعان الذئاب العشرة في المنطقة، معطلة طرق الهجرة الممتدة التي سلكتها القطعان لقرون من أجل التزاوج.

كما تشير الدراسة إلى أن معاناة آكلي اللحوم الآخرين قد تكون أكثر سوءاً "ربما يغدو السياج الحدودي الشائك هو القشة الأخيرة التي ستودي بالوشق الديناري إلى هاوية الانقراض".

أُعيد القط الجبلي لسلسلة الجبال الدينارية في 1973، بعدما قضى عليه النشاط البشري.

الأيل الأحمر واليحمور الأوروبي هما أكثر الحيوانات تضرراً إلى الآن جراء الأسلاك الشائكة، لكن السياج لم يصل بعد إلى الغابات الرئيسية. كما غطت النباتات بالفعل السياج الممتد بين حدود الدولتين، ويغمره نهر كولبا (البالغ طوله 292 كم) موسمياً.

ويُعتَقد أن العديد من الحيوانات تضل طريقها وصولاً إلى السياج أثناء اعتلافها، وبمجرد اصطدامها به تحاول دفع أنفسها بعيداً عنه في محاولة للهرب لكنها تعلق به، لتموت في النهاية جراء فقدان الدم أو الإرهاق.

وقالت زرينكا دومازيتوفيتش، رئيسة قسم التنوع البيولوجي في وزارة البيئة الكرواتية: "يمكنك رؤية الحيوان حين يعلق في الأسلاك، لكن التداعيات الأخرى الأكثر ضرراً على الحياة البرية لن تكون رؤيتها بذات السهولة".

كما يقول علماء حماية البيئة إن التهديد الأكبر للحياة البرية ينتج عن الاستخدام المتزايد للألواح الجدارية التي يبلغ ارتفاعها مترين والمستخدمة على طول المسار الحدودي لتهدئة المعارضة الشعبية للأسلاك الشائكة.

كما تشير إحدى الدراسات الجديدة التي لم تُنشر بعد، والتي أجراها سلافين ريليك، أحد المشاركين في الورقة البحثية المنشورة في PLOS Biology، إلى أن تقييد عدد الدببة البالغ 1500 دبّ في المنطقة لما يزيد على عقد من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض أعدادها بلا رجعة. مستطرداً: "تبلغ الحصة السنوية لصيد الدببة في كرواتيا 10-15% من تعدادها الإجمالي، كما تبلغ حوالي 20% في سلوفينيا. إذا حُبس كل منهم على حدة، فلن يبقى أي منهم".

ويزداد المشهد قتامة بوجود "جوائز الصيد" نظير قتل الدببة الأضخم، ويحظى ذكور الدببة الأكبر سناً بأعلى الأسعار. وهو ما يؤدي إلى منافسة هدامة بين الدببة الأصغر سناً لأخذ مكانها كما يقول ريليك.

في الوقت ذاته، يشير الأكاديميون المحليون إلى اضطلاع نقابات الصيد في البلدين بدور هام لحماية أعداد الدببة التي يعتمدون عليها، فبالإضافة إلى رصد الحيوانات، يشيد الصيادون بوابات عبر السياج الحدودي الشائك، بل ويجذبون الحيوانات بعيداً عن الأسلاك الشائكة باستخدام الطعام.

وهو عمل حيوي لأن الدببة والذئاب، كما يقول دومازيتوفيتش، "لا تفهم الحدود السياسية". عبر أحد الدببة، الذي يحمل اسم سلافين ريليك، الحدود 3 مرات في العام الماضي خلال فترة 6 أشهر.


"إنه أمرٌ مريع"


كما يزداد العداء للسياج في وادي كولبا العليا. ووصفت زدينكا ستوسن، إحدى القاضيات من ليوبليانا والتي تمتلك منزلاً ثانياً في بيترينا، السياج قائلة: "إنه أمرٌ مريع".

وتابعت: "يُشعرني بالقلق. انزلقت ابنتي ذات مرة أثناء اتجاهنا للسباحة في النهر، فحاولت الإمساك بما طالته يدها، ولم تجد سوى السلك الشائك الذي جرح يدها لتنزف بغزارة".

لكن السياج الشائك ليس مكتملاً ومن السهل للبشر عبوره، إذ إنه مليء بالفجوات والفراغات، حيث لم يكتمل بناء السياج، أو أزالته المعارضة الشعبية بالفعل.

وقال بوستيان بوكورني، الأستاذ المساعد بمعهد الغابات الوطنية في سلوفينيا: "السياج هو مجرد خدعة نفسية لإيهام شركائنا الكرواتيين بفعل شيء ما".

وترى النظريات المحلية في هذا السياج رداً على نقل كرواتيا للاجئين في 2015 بأعداد ضخمة أو محاولة سلوفينيا خلق حدود جنوبية للاتحاد الأوروبي قبل عامين من انضمام كرواتيا لنادي الشنغن.

كما قال متحدث باسم الحكومة الكرواتية إن السياج كان رد فعل سلوفينياً مذعوراً تسبب "بضرر هائل" للعلاقات السياسية والبيئة المحلية.

وقال في حديثه لصحيفة "الغادريان" البريطانية: "شكل السياج الشائك عائقاً لا يمكن تخطيه أمام الحيوانات البرية التي تسكن هذه المنطقة، وأدى إلى قتل الكثير منهم يومياً"، كما أضاف أيضاً "إن استمر السياج 10 سنوات أو أكثر فستظهر آثاره السلبية طويلة الأمد في تدهور الشفرات الجينية للحيوانات".

لم يتأثر وادي كولبا العليا بتدفق اللاجئين في العام الماضي، ولذا يشعر العديد من الكرواتيين بالتعاطف مع اللاجئين، خاصة بسبب مواجهتهم لمحنة مماثلة حاضرة في ذاكرتهم الحية.

"كانت أزمة اللاجئين مسألة شخصية بالنسبة لي إذ إنني كنت لاجئة أثناء الحرب في كرواتيا"، هكذا قالت ألكساندرا ماييك التي تدير مشورعات حماية الدببة والذئاب بجامعة لوبليانا. تعرضت ألكساندرا للإجلاء إبان حروب البلقان إلى زغرب أولاً ثم إلى كندا.

"كان عليّ أن أتجاهل معتقداتي حول كيفية معاملة الآخرين لأنني أردت أن أبدو محايدة حين نتحدث عن تأثير هذا السياج على الحياة البرية"، وتابعت: "إنه تحدٍّ هائل".

وذكر أحد المؤيدين القلائل للسياج في وادي كولبا العليا قبض الشرطة على مجموعة من المهاجرين السوريين بجوار منطقة أوسيلنيكا في يوم سابق. كما قال بيتر مادرونيك، وهو عامل شاب بالمخيم، إن اللاجئين "مختلفون ثقافياً" عن الكرواتيين بشكل يزيد من صعوبة دمجهم.

وأضاف أن "معظم الناس يعتقدون أن السياج لا طائل منه أو لا معنى له؛ ولكن بعد كثير من التواصل مع الشرطة قالوا لي إن محاولات المهاجرين لعبور الحدود هنا يمكن إحباطها إذا كان لدينا سياجاً"، مفيداً بأنهم "بدونه، لا يستطيعون".

فيما قال مارتن لينيدك - وهو مالك كرواتي آخر لمخيم تحيط أراضيه في رادينسي بحدود السياج - إن بنية السياج كانت من السخف بحيث يمكن تخطيها عن طريق عبور جسر محلي.

وأضاف: "عندما جاءت قوات عسكرية إلى هنا وبدأت في إصلاح السياج، شعرت بأن نوعاً من الاحتلال العسكري قد بدأ"، وأفاد بأن "الناس قاموا بتنظيم أنفسهم لقطع الأسلاك الشائكة خلال مظاهرة ضد السياج".

ومن جانبها أزالت السلطات أقساماً من الأسلاك الشائكة في أعقاب المظاهرة . وأزيلت أجزاء أكثر من السياج بعد شكوى من كرواتي لبروكسل تفيد أن السياج يتعدى على الطيور وتوجهها لمواطنها.

وقال متحدث باسم المفوضية الأوروبية إن أنشطة الحكومة السلوفينية يُجري "مراقبتها عن كثب". كما يمكن أن تعقبها قضية من المحكمة الأوروبية.

فمنذ أيام يوغوسلافيا السابقة، كانت الأرض الجبلية الجميلة مواقع سياحية شهيرة للتجمع، والتجديف، وصيد الأسماك. وقال دراغان أريه، وهو حارس في حديقة (ريسنجاك) الوطنية بكرواتيا، إن تمديد الحاجز حتى غابته سيكون "رهيباً، وفظيعاً، وكارثياً".

وأضاف أن "هجرة الحيوانات ستتوقف وعندما تحدث الفيضانات بـ(كولبا) - كما حدث في العام الماضي – سيغمر النهر الأسلاك وستصبح لدينا مشكلة أخرى للأسماك – وللسياح كذلك".

وقال رئيس هيئة السياحة بـ(فارا) الدكتور ستانكو نيكوليتش - وهو طبيب يبلغ من العمر 85 عاماً من بلغراد كان قد انتقل الى سلوفينيا قبل نصف قرن من الزمان - إن عائدات السياحة الإقليمية انخفضت بنسبة 50٪ منذ بناء السياج.


اتصالات على جانبي النهر


وكان الوادي سابقاً جبهة بلا حدود للكرواتيين الريفيين والسلوفينيين الذين شعروا بالكثير من القواسم المشتركة مع بعضهم بعضاً عن مدن العاصمة.

كما ذكر نيكوليتش أنه "لا يزال هناك الكثير من الاتصالات بين الناس على جانبي النهر وأنهم يريدون إزالة هذا السياج (المؤقت). فإذا أصبح دائماً، أخشى أن حياتنا المشتركة ستنهار إلى جزأين".

وأضاف أن السياج تسبب بالفعل في وفاة "عشرات" من الحيوانات المحلية. إلا أن هذه التقديرات طُعن فيها. فيما ذكر قال راصد معتمد من الحكومة السلوفينية في استطلاع جديد للرأي من قبل رابطة الصيد السلوفينية، أنه ليس هناك سوى حوالي 15 حيواناً لقي حتفه عند السلك حتى الآن، ومعظمها من الأيائل الحمراء.

وقال بوكورني، الذي يرأس أيضاً لجنة إدارة المباريات برابطة الصيد السلوفينية: "لقد اندهشنا جداً لأن العدد كان منخفضاً للغاية". وأضاف أنه "بعد اجتماع رابطة الصيد مع ضباط وزارة الخارجية والشرطة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، جرى عمل العديد من الفتحات في السياج على امتداد مسارات الحيوانات، ونعتقد أنهم سيجدون وسيلة للانتفاع منها".

إلا أن بعض السكان المحليين يقولون إن الأرقام لا تحتسب الحيوانات التي تنفق نتيجة لجروحهم في النهر أو في الغابات. وقال إيجور باربرا، سكرتير الكبائن السكنية الكرواتية الخاصة بالصيد، إن 7 من الأيائل الحمراء لقت مصرعها عند السياج الممتد على طول 10 كم وذلك على الحدود التي تحيط أرضه المخصصة للصيد وحدها. فيما عثر على البعض الآخر بتمزقات من الأسلاك الشائكة، وأخرى تطفو على النهر.

فيما شهد لينديك مقتل 10 أيائل أخرى عند قسم صغير له من السياج. وادعى أيضاً أنه شهد تقهقر العديد من الحيوانات التي صارت تعلق في الأسلاك الشائكة. وأن دباً كان قد لاذ بالفرار بعد أن كان عالقًا بالسياج، على حد قوله.

وأخبر لينديك "الغارديان": "أعتقد أن ما يقرب من 100 حيوان قد لقى حتفه بعد أن علق بالسياج".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.