الفقراء ليسوا أولوية على أجندة ترامب وكلينتون.. 47 مليون أميركي يتوقون للطبقة المتوسطة

تم النشر: تم التحديث:
THE POOR IN AMERICA
Carlos Garcia Rawlins / Reuters

تعد الولايات المتحدة أغنى الدول على وجه الأرض، والتي تتضمن أيضاً أعمق حالات الفقر في أي دولة متقدمة، ولكنك لن تعرفها من خلال الاستماع لهيلاري كلينتون أو دونالد ترامب، المرشحين الرئاسيين الأبرز.

تحدثت كلينتون عن خططها الاقتصادية، أمس الخميس، بالقرب من ديترويت بولاية ميتشغان، لتقدم أوراق اعتمادها كمدافعة عن عائلات الطبقة الوسطى والذين تراجعت ثرواتهم، في حين لم تتحدث عن مساعدة 47 مليون أميركي يتوقون للوصول لتلك الطبقة المتوسطة من الأساس.

في المقابل، تحدث ترامب، منافسها الجمهوري، في ديترويت عن رؤيته الاقتصادية منذ 4 أيام، وبينما تختلف برامجهم بشكل كبير من حيث التفاصيل ونقاط التركيز، إلا أن لديهما شيئاً مشتركاً، وهو أنهم تعهّدوا بمساعدة الأميركيين لإيجاد الوظائف، بينما لم يتحدثا عن دعمهم في الوقت الذي لا يعملون فيه.

يقول ماتيو ديزموند، أستاذ علم الاجتماع بجامعة هارفارد: "ليس لدينا إدانة واضحة بصوت مرتفع لمستوى الفقر في الولايات المتحدة اليوم. لا يوجد ضمن المناظرة الرئاسية حالياً محادثة جادة حول حقيقة أننا أغنى ديمقراطية عالمياً تمتلك أكبر قدر من الفقر. يجب أن يكون ذلك على رأس جدول أعمالنا".

ولا يبدو أن صُناع السياسة في واشنطن قد نسوا الفقراء بشكل كامل، إذ يؤيد الرئيس الأميركي باراك أوباما ورئيس مجلس النواب بول ريان توسيع الإعفاء الضريبي على الدخل المكتسب للرجال الذين لم ينجبوا أطفالا،ً ومعالجة نظام العدالة الجنائية الذي أثقل أصحاب الجنح الصغيرة بحياة شاقة اقتصادياً.

سياسات كلينتون أيضاً، على الرغم من خطابها الموجّه للطبقة المتوسطة، من المحتمل أن يكون لها تأثير أوسع. أمس الخميس، في مدينة وارن بميتشغان، تعهدت كلينتون مجدداً باقتصاد يخدم الجميع، وليس "من هم على القمة فقط". ودعت أيضاً إلى رفع الحد الأدنى للأجور الفيدرالية إلى 12 دولاراً في الساعة بدلاً من 7.25 دولار، وهو ما ستنتفع منع العائلات ذات الدخل المنخفض بشكل مباشر أيضاً. اقترحت كلينتون أيضاً توسيع الدعم الفيدرالي للرعاية الصحية، ورعاية الطفل، والتعليم، وتقديم مساعدات أفضل للعمال.

"هل تريدون أكثر من ذلك؟"، هكذا قالت هيثر بوشي، الخبيرة الاقتصادية والمديرة التنفيذية لمركز واشنطن للنمو العادل، رداً على من يطالبون كلينتون بأن تتبنى أجندة صريحة لمكافحة الفقر. وأضافت: "هذا رائع، مثل تلك التصريحات الجريئة. هم يريدون كل شيء، وأنا معهم، ولكن يجب أن نعرف أن هيلاري كلينتون تقدم البرنامج الأكثر تقدمية".

وتعمل بوشي مستشارةً اقتصادية لحملة كلينتون، إلا أنها لم تكن تتحدث باسم الحملة، كما لم تجب الحملة نفسها عن طلب للتعليق على الأمر.

يوم الإثنين الماضي، قال ترامب إنه يسعى لتحفيز النمو الاقتصادي من خلال خفض الضرائب، وإعادة التفاوض مرة أخرى على الاتفاقيات التجارية لإعادة التصنيع من جديد إلى الولايات المتحدة. تحدث ترامب أيضاً عن خطة لمساعدة بعض الأسر على تعويض نفقات رعاية الطفل.

وكان ترامب قد صرح في يوليو/تموز الماضي بأنه يفضل الحد الأدنى من الأجور إلى 10 دولارات في الساعة، إلا أنه أبدى تعليقات متناقضة في مناسبات أخرى، كما أن ذلك المقترح لم يظهر في البرنامج الذي أصدرته حملته، ولم يذكره بعد ذلك خلال حديثه في ديترويت.

وقال كل من ترامب وكلينتون إنهما يركزان بالأساس على خلق عدد أكبر وأفضل من الوظائف الجديدة.

وقالت كلينتون في خطاب قبول ترشيح الحزب الديمقراطي في فيلاديلفيا الشهر الماضي: "ستكون مهمتي الأساسية خلق المزيد من الفرص والمزيد من الوظائف الجيدة مع رفع الأجور هنا في الولايات المتحدة".


المنازل المستأجرة


ولكن ديزموند (أستاذ علم النفس بجامعة هارفارد)، قال إن ذلك الأمر لا يكفي لأن الفقراء يواجهون كمّاً كبيراً من العقبات لتحقيق الاستقرار الاقتصادي. وتركز عمل ديزموند بالأساس على النقص المتزايد للمنازل التي يمكن استئجارها بأسعار معقولة. وفي كتابه بعنوان "المطرودون"، أوضح ديزموند أن الطرد من المنازل المستأجرة هو سمة عادية من سمات الأحياء الأقل دخلاً، وأنها ليست نتيجة للفقر فحسب، بل نتيجة لعدم الاستقرار والذي يسبب الفقر.

وكانت زيادة عدد المنازل ذات الأسعار المعقولة بمثابة تعهّد لحملتي كلينتون وترامب حتى وقت قريب. وكان الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون قد أطلق ما يعرف بـ"الاستراتيجية الوطنية لملكية المنازل"، في حين أعلن خلفه جورج بوش في ولايته الأولى عن استهدافه خلق 5.5 مليون من أصحاب المنازل الجدد بحلول عام 2010، بالإضافة إلى تدابير لتشجيع بناء المساكن التي يتم تأجيرها.

ولكن كلينتون لم تقدم سوى إشارة واحدة فقط في حديثها، أمس الخميس، عن الإسكان الميسور، وقضت الكثير من الوقت في الحديث عن ريادة الأعمال والشركات الصغيرة، وتعزيز تقنيات الاتصالات وإحياء الصناعات التحويلية. وأشار موقع حملة كلينتون إلى 37 قضية رئيسية تركز عليها، ليس بينها قضية الإسكان، على الرغم من أن الحملة قدمت بعض المقترحات لحل المشكلة في فبراير/شباط الماضي.

وفي حديث لترامب الخميس الماضي في ميامي أمام الرابطة الوطنية للبنائين، أعرب عن أسفه لتراجع تملك المنازل منذ أزمة الإسكان والأزمة المالية في 2008، إلا أنه لم يحصل لحد وضع خطوط عريضة لسياسة الإسكان.

يقول ديزموند: "كان من الصادم ألا نسمع كلمة الإسكان تًلفظ بوضوح على المنصة الرئيسية لكلا الحزبين خلال الشهر الماضي".

ويعد الصمت حول هذه الأزمة أمراً لافتاً؛ لأن المشكلة متزايدة بالأساس، فلا توجد دولة يمكن لعامل فيها يعمل بدوام كامل ويحصل على الحد الأدنى من الدخل أن يستأجر شقة بغرفة نوم واحدة مقابل 30% من دخله، بحسب الائتلاف الوطني الأميركي لإسكان الدخل المنخفض، كما أن أكثر من 11 مليون أسرة تنفق أكثر من نصف دخلها على الإيجار فقط.


الإعفاء الضريبي


تقول كاثرين إيدين، أستاذة الصحة العامة بجامعة جونز هوبكينز الأميركية، إنه كان من المهم التركيز على محنة الأسر التي تعيش دون دخل منتظم. المزايا الفيدرالية للعمال، لاسيما الإعفاء الضريبي على الدخل، توسعت بشكل مطرد في العقود الأخيرة، وهو ما أدى إلى تحسين حياة أولئك الذي يملكون وظائف ثابتة.

وقدم بول ريان خطة لمواجهة الفقر في يونيو/حزيران الماضي اقترح فيها تمديداً جديداً للإعفاء الضريبي، وهي الفكرة التي يؤمن بها الكثير من الديمقراطيين.

ولكن إيدين قالت إن اتفاقية عام 1996 بين إدارة بيل كلينتون والجمهوريين في الكونغرس لتقليص الإعانات النقدية للأسر المحتاجة تركت من هم بلا وظائف في مأزق حقيقي.


فاتورة المرافق


وتساءلت إيدين قائلة: "عندما لا تقدر على دفع فاتورة المرافق، وعندما تكون غير قادر على دفع الإيجار، ولا تكون قادراً على شراء مستلزمات أطفالك، ما الذي ستضيفه لك بطاقة للخدمات الطبية؟"، وكانت إيدين قد كتبت عن معاناة تلك الأسر في كتابها الصادر في 2015 بعنوان "دولاران في اليوم: أن تعيش على لا شيء في الولايات المتحدة". كما قالت إنها تأمل في أن تكون الذكرى العشرين لقانون فرص العمل الصادر عام 1996 ربما تشعل نقاشات متجددة حول ما ينبغي فعله لمساعدة الأسر، إلا أنها أصيب بالإحباط هذا العام.

وأعربت إيدين وغيرها عن إحباطها من أن مرشحي الرئاسة يميلون للتركيز على التصنيع، وهو القطاع الذي يمثل العاملون فيه أقل من 10% من القوى العاملة في الولايات المتحدة.

واختارت كلينتون أن تلقي كلمتها أمس الخميس من شركة Futuramic Tool & Engineering، وهي شركة في وارن بولاية ميتشغان شمال ديترويت، وهي شركة تصنع قطع السيارات والطائرات ومن بينها مقاتلة إف 35 المتطورة. بينما تعهد ترامب بشكل متكرر بخلق وظائف جديدة لعمال المناجم وعمال الصلب.

ولم يقضِ كلا المرشحين الكثير من الوقت في الحديث عن الوظائف الخدمية التي يعمل بها غالبية العمال منخفضي الأجور، إذ إن أعداد عمال المناجم لم تتجاوز 64 ألف عامل العام الماضي، مقابل 820 ألفاً من مساعدي الصحة المنزلية.

يقول جاريد بيرنشتين، الخبير الاقتصادي بإحدى مجموعات الأبحاث ذات الاتجاه اليساري: "أغلب ما أسمعه هو نقاش حول من سيساعد الطبقة العاملة في ألا تتأثر بسبب العولمة، في حين أن أكثر من يعانون هم عمال التجزئة وعمال المطاعم والذين يتقاضون رواتب متدنية. علينا أن نضع في اعتبارنا الأعمال التي اتجه لها من النازحين من العمل في التصنيع، وهي أعمال في قطاع الخدمات ذات أجر منخفض".

وبينما تبدو سياسات ترامب في ظاهرها موجهة للطبقة المتوسطة، فهي ستفيد الأغنياء في حقيقة الأمر، فدعوته هذا الأسبوع لإزالة الضرائب العقارية لن تفيد سوى الأثرياء الذي تركوا لورثتهم قرابة 11 مليون دولار عند وفاتهم، إذ إن العقارات التي تقل قيمتها عن ذلك هي معفاة بالأساس من الضرائب.

وحتى دعوته للتوسع في الضرائب المخفضة لتشمل نفقات الرعاية الصحية للأطفال لن تفيد سوى الأسر التي وضعت جدولاً مفصلاً لضرائبها، وأغلبهم يحصلون على دخل يتجاوز 75 ألف دولار سنوياً.

وأضاف بيرنشتاين أن ما طرحته كلينتون من الممكن أن يفيد هؤلاء العمال، حتى ولو لم تكن تركز على ذلك في حملتها الانتخابية، إذ قال: "إنه ليس أمراً اعتيادياً ألا يتحدث مرشحو الرئاسة عن الفقر. ولكني أرى أن بعضاً مما قدمته كلينتون ربما يساعد الفقراء، على الرغم من أنها لا تربط حديثها بالفقر أو العمال ذوي الدخل المنخفض".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.