هل أصبحت جرائم الحرب في سوريا أمراً طبيعياً؟.. هجمات متكررة بالأسلحة الكيماوية قد تجعلها كذلك

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

قُتل طفلان وامرأة وأصيب عشرات الجرحى في هجوم بحلب زُعم أنه بغاز الكلور، وحذر الأطباء والخبراء من أن الاستخدام المتكرر للأسلحة الكيماوية في سوريا يحمل خطر تحوّل جرائم الحرب لأمر "طبيعي" وغير مُستَنكَر.

كما أخبر الحقوقيون والأطباء على الأرض عن وقوع عشرات الهجمات بغاز الكلور منذ وافقت سوريا رسمياً على التخلي عن مخزونها من الأسلحة في أعقاب هجوم غاز السارين عام 2013 في إحدى ضواحي دمشق.

تقرير نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، الخميس 11 أغسطس/آب 2016، قال إن ثمة تقارير أشارت إلى عرض روسيا بوقف القتال لمدة 3 ساعات يومياً للسماح بوصول المساعدات إلى الأجزاء المحاصرة من المدينة، غير أن الأمم المتحدة أبدت اعتراضها وقالت إنها تحتاج ما لا يقل بحال عن 48 ساعة في الأسبوع لإيصال قوافلها عبر الطرق الملغومة التي تعرضت للقصف الكثيف شرق حلب.

وقال مبعوث الأمم المتحدة لسوريا، ستيفان دي ميستورا، إن هناك حوالي 300 ألف مدني عُرضة للخطر البالغ في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة بسبب نقص المياه والأمراض كلما زادت حدة القتال في المدينة، التي لا يزال يسكنها حوالي 1.5 مليون شخص، وقد كانت المدينة الأكبر في سوريا قبل الحرب الأهلية، أما الآن فهي في قلب معركة ضارية لأجل مستقبلها.

وقال رداً على سؤال عن هجوم كيماوي على حي الزبدية بحلب، إن هناك الكثير من الأدلة على وقوعه، ما يُمثل جريمة حرب خاصة إن تم استخدام غاز الكلور، لكنه أضاف أن التحقق من وقوع الهجوم ليس من اختصاصه، وتابع: "إن وقع الهجوم بالفعل فهو جريمة حرب تتطلب أن يتحدث الجميع بشأنها وتتم معالجتها على الفور".

وقال أطباء في محافظة إدلب المجاورة الأسبوع الماضي إنهم عالجوا أكثر من 20 مريضاً في أعقاب هجوم يشتبه في استخدامه لغاز الكلور في بلدة سراقب.

ويمثل التحقق من استخدام الأسلحة الكيماوية في منطقة حرب - وبخاصة غاز الكلور الذي يتناثر بسرعة ولا يترك أثراً كيميائياً فريداً عند استعماله كسلاح - تحدياً يُعيق الجهود المبذولة لتتبع آثار استخدامها.


احتمالية سقوط قنابل


ومع ذلك، تقول وكالة الأمم المتحدة لمراقبة الأسلحة الكيماوية إنها واثقة من استخدام غاز الكلور كسلاح، وإنها لا تخص جهة بعينها بالمسؤولية واللوم، لكنها تشير إلى احتمالية سقوط القنابل من طائرات هليكوبتر تستخدمها القوات الموالية لبشار الأسد، فيما تنفي الحكومة السورية ذلك، ولا يتجاوز موقف القادة الغربيين مجرد الإدانة العلنية خاصة بعد تراجع الرئيس الأميركي باراك أوباما عن فرض "خطه الأحمر" لاستخدام الأسلحة الكيماوية.

يُذكر أن أعداد القتلى والمشوهين من المدنيين والناشطين في تزايد رغم أن الهجمات الأخيرة كانت صغيرة نسبياً، مما يثير قلق الخبراء إزاء تحوّل استخدام الأسلحة الكيماوية لأمر عادي لم يعد صادماً كان قبل بضع سنوات، وقال ريتشارد غوثري، خبير الأسلحة الكيماوية البريطاني الذي أثار المخاوف بشأن الآثار الأوسع للاستخدام المستمر للكيمياويات والسموم كأسلحة في سوريا، إنه "من المؤكد أن هناك خطراً كبيراً من تطبيع استخدام الأسلحة الكيميائية".

وأضاف: "في العقود الأخيرة تم نزع الشرعية بشكل بطيء ومتدرج عن الأسلحة الكيماوية كمصدر للقوة، ولذا تبدو التقارير المتكررة عن استخدام هذه الأسلحة المقيتة مثيرة للقلق، إذ تمثل إسهاماً آخر في تناقص بطيء ومنظم لهذا الحظر والشرعية المنزوعة".

وأشارت منظمة العفو الدولية والأطباء على الأرض إلى أن توقيت الهجمات يُرجّح أن يكون استخدامها كعمليات انتقامية ضد المدنيين في المناطق التي يحصد الثوار المعارضون مكاسب عسكرية فيها، ويقول نيل ساموندز، الباحث المختص بسوريا في منظمة العفو الدولية: "ربما تكون شكلاً من أشكال العقاب أيضاً، ومن المفيد لهم استمرار ترويع السكان وجعل الحياة مؤلمة وصعبة بكل شكل ممكن في المناطق التي لا يسيطرون عليها".

وكان الهجوم الواضح الأخير قد وقع بعد تمكُّن المعارضة من فك الحصار عن شرق حلب، إذ قال الأطباء إنهم في غضون ساعات كانوا يستعدون لهجوم كيماوي، كما رُصِد هجوم آخر بغاز الكلور هذا الشهر بعد إطلاق طائرة هليكوبتر روسية النار للأسفل.

وقال زاهر سحلول، وهو طبيب أميركي من أصل سوري يتطوع بانتظام في حلب وتختص منظمته بتتبع الهجمات الكيميائية الواردة لها: "إن استخدام المواد الكيميائية في حلب أصبح الوضع الجديد الطبيعي في سوريا، وهي سابقة خطيرة جداً يقرّها المجتمع الدولي اليوم"، كما أضاف: "تم تنفيذ أكثر من 70 هجمة بالمواد الكيماوية من قبل النظام السوري منذ قرار مجلس الأمن في الأمم المتحدة بتدمير مخزون الأسلحة الكيميائية في سوريا، لكن هذه المرة احتوت على غاز الكلور".

وقالت الجمعية الطبية الأميركية السورية إن نحو 1500 مدني قُتلوا إثر هجمات الأسلحة الكيماوية في سوريا بين ديسمبر/كانون الأول 2012 وأكتوبر/تشرين الأول 2015، كان أغلبهم في الهجوم على ضاحية الغوطة الشرقية بدمشق.


استخدام غاز الكلور


يُذكر أن معظم الهجمات الأخيرة المنسوبة للحكومة استخدمت غاز الكلور، وربما يعود ذلك لسهولة الحصول عليه كمادة كيميائية مشتركة في عدد من الصناعات وكذا لصعوبة تعقُّب آثاره، كما يرجّح المحللون.

وقال جيري سميث، مدير شركة Rame Head International للاستشارات الأمنية مفتش الأسلحة الكيميائية السابق لدى الأمم المتحدة في سوريا: "على الرغم من كون الكلور غير فعّال بشكل كبير عسكرياً في الحرب، لكنه وسيلة فعّالة للغاية في بث الرعب، كما أنه سلاح مفيد لمن يرغب في التخفي وعدم اقتفاء أثره وكل ما يتركه هو مجموعة تقارير وإفادات للشهود، وبالطبع سيشكك البعض في صحة التحقيق وما إن كان الاعتماد على الشهود وحدهم كافياً لاستكماله".

ويرى سميث، الذي يعتقد في استخدام الغاز عدة مرات في سوريا، أن تحدّي تعقب آثاره بالإضافة إلى الرد الضعيف للمجتمع الدولي من شأنهما أن يجعلاه سلاحاً جذاباً لقوات النظام، ويضيف: "تأثيره مضاعف ذو شقين؛ فهو ليس فقط سلاحاً للإرهاب، لكن الضحايا يعرفون كونه سلاح إرهاب ولا يجوز استخدامه من قبل الأنظمة تبعاً للقانون الدولي، وبالتالي يزيد ذلك من تأثيره إرهابه لهم".

وقال غوثري مُحذّراً في مؤتمر دولي مؤخراً، إن تأثير استخدام الأسلحة الكيماوية في سوريا ربما يسمح لها أن تزدهر وتذهب لأبعد من الحرب الأهلية السورية نفسها فـ"الدرس الذي تستخلصه الديكتاتوريات الأخرى من سوريا هو أن برنامج الأسلحة الكيماوية سيشتري لك مزيد من الوقت في الحرب الأهلية".

وأضاف: "المثبطات الرئيسية لإنتاج ومن ثَم استخدام الأسلحة الكيماوية هي الخوف من العزل بواسطة قوى داخلية أو خارجية، أو القبض عليك وإحالتك للمحاكمة من قبل المجتمع الدولي، وقد نفت الحالة السورية أي من هذه الخيارات".

- هذه المادة مترجمة عن صحيفة The Guardian البريطانية، للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.