دعامات قلبية فاسدة.. هل زرع أطباء تونسيون الموت في قلوب مرضاهم؟

تم النشر: تم التحديث:
TWNS
الدعامة القلبية | social media

في شهر مايو/أيار 2016 الماضي، اكتشف فريق مراقبة صحي تونسي، وجود معدات طبية، ممثلة في لوالب قلبية (دعامات قلبية) منتهية الصلاحية، استخدمها أطباء في مستشفيات حكومية وخاصة لمرضى القلب بمحافظات تونسية.

القضية لم تلبث أن تفجرت للرأي العام التونسي، وصارت حديث وسائل الإعلام وسط تبادل الاتهامات بين الإطار الطبي من جهة ووزارة الصحة من جهة أخرى.


مسألة أخلاقية


الدكتور محمد لطفي المرايحي، الأمين العام للاتحاد الشعبي الجمهوري، أوضح لـ"هافينغتون بوست عربي" أن قضية اللوالب منتهية الصلاحية هي بالأساس قضية أخلاقية أكثر منها صحية، أسقطت ورقة التوت عن مافيات الفساد وعصابات التوريد المنظمة في تونس التي لم تستثنِ قطاع حساس كالصحة.

وأضاف "لا بد أولاً أن يفهم الناس أن اللوالب القلبية تنقسم إلى نوعين، لولب عادي أو مجرد، ولولب ميكانيكي (ديناميكي) مجهز بطبقة من الدواء تمنع انسداد الشريان التاجي".

وأوضح أن المشكلة هنا تتعلق بانتهاء مدة صلاحية هذه المادة، وانخفاض نسبة نجاعتها، مما يجعلها تفقد وظيفتها الأساسية المتطورة، وتقوم بوظيفة اللولب المجرد، رغم أن سعره يفوق سعر هذا الأخير بأضعاف، وهنا تكمن عملية التحايل على المريض"، على حد قوله.

وبحسب ذات المصدر، تبلغ كلفة اللولب القلبي الديناميكي الواحد حوالي 1300 دولار -رغم انتهاء صلاحيته، ويذهب أكثر من ثلث المبلغ كرشوة للوسطاء والأطراف المتداخلة. بينما ينخفض سعر اللولب المجرد إلى النصف.

وتساءل المرايحي عن عدم احتكار الصيدلية المركزية التونسية لتزويد المستشفيات والمصحات بهذا النوع من المنتجات الطبية الحساسة، مما فتح الباب لمثل هؤلاء المزودين للسمسرة على حساب صحة وجيب المواطن، على حد وصفه.

المرايحي اعتبر أن المسألة أخلاقية في المقام الأول، بعكس ما أراد البعض الترويج لها، وشيطنة الأطباء التونسيين،"لأن هذه اللوالب منتهية الصلاحية ليست لها أي مضاعفات مباشرة على المريض، بل هي تتحول من لوالب ديناميكية متطورة إلى لوالب عادية ومجردة"، حسب قوله.

لكنه أوضح أن خطورة القضية تأتي كونها تحولت إلى عملية نصب واحتيال على المواطنين والمرضى، وتجارة "تقتات منها لوبيات الفساد، وتتداخل فيها أطراف من وزارة الصحة والمستشفيات وبعض الأطباء"، على حد قوله.


مافيات فساد


كما أشار المرايحي في ذات السياق إلى أن هناك مزودين من تونس ولبنان يتخصصون في توريد هذه اللوالب القلبية، ويتعاملون مع شبكة من المصحات الخاصة وأطباء القلب، لكن بشروط وبمقابل مادي يدفعه أصحاب هذه الشركات عن كل لولب يزرع في قلب مريض، وتتضاعف العمولة في حال كان اللولب منتهي الصلاحية حتى لا يتكبد المزود خسائر بسبب بقاء هذه الكمية من اللوالب مخزنة أو أن يضطر لائتلافها في أسوأ الأحوال.

وشدد على أن دخول وساطات على الخط بين مزودي هذه اللوالب القلبية من جهة، والصندوق الوطني للتأمين على المرض -جهاز حكومي صحي يغطي تكاليف هذا النوع من العمليات بنسبة 100% - من جهة أخرى، ساهم في خلق شبكة فساد منظمة تداخلت فيها أطراف أخرى كالأطباء والمصحات الخاصة، مما ساهم في استمرار هذه العملية لأشهر دون التفطن لها ولم تقتصر على العاصمة، بل امتدت لباقي المصحات في محافظات تونسية أخرى.


المتضررون


107 متضررين من هذه اللوالب القلبية، هو الرقم الذي أعلنه وزير الصحة التونسي، سعيد العايدي، خلال ندوة صحفية، شدد فيها على أن وزارته قامت بإجراءات ضد هذه المصحات التي تورطت في هذه العمليات.

وذكر أن العقوبات تراوحت بين التوبيخ، والغلق المؤقت لقاعات القسطرة لمدة 3 أشهر، وإيقاف مؤقت لمجموعة من أطباء القلب.

كما أكد مستشار وزير الصحة، جوهر كسكاس، لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن الوزارة على علم بالقضية منذ شهر مايو/أيار 2016، وأن الأعوان المكلفين بالتفقد يمارسون حتى اللحظة مهمتهم في جمع المعطيات المتعلقة بهذه القضية.

وأضاف أنه تم الاتصال والتواصل بكل المرضى الذين خضعوا لعمليات زرع لوالب قلبية منتهية الصلاحية بهدف خضوعهم لعمليات مراقبة صحية، كما تم في ذات السياق فتح رقم مجاني بهدف الاستفسار.

كسكاس أوضح أن تونس تحتل المرتبة الخامسة عالمياً على مستوى جودة مراقبة المعدات الصحية، والأولى إفريقيا، مستدركاً "نتعامل مع مجموعة من المزودين في معدات اللوالب القلبية، وتتم المراقبة مع دخول هذه المنتجات للأسواق الطبية، لكن لا يمكن للوزارة أن تتحكم بعد ذلك في مدى صلاحياتها ومدة تخزينها".


عشرات المتضررين رفعوا شكاوى


من جانبه أكد سفيان السليطي الناطق باسم القطب القضائي والمالي والمحكمة الابتدائية في تونس، في تصريح لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن النيابة العمومية على علم بموضوع اللوالب الفاسدة قبل إثارتها للرأي العام، وتحديداً منذ تاريخ 27 يونيو/حزيران 2016، وأن القضية تكفلت بها الفرقة المركزية الثالثة للحرس الوطني بالعوينة.

وأوضح السليطي أن عشرات المتضررين من زراعة هذه اللوالب القلبية الفاسدة سواء في المستشفيات الحكومية أو الخاصة تقدموا شكاوى لدى القطب القضائي الذي أحال ملفاتهم على فرقة الأبحاث بالعوينة، مشدداً في ذات السياق على وصول الأبحاث إلى أشواط متقدمة لمعرفة المسؤولين الحقيقين عن هذه المخالفات.

وقال "القضية ليست بالهينة بالنظر لتداخل العديد من الأطراف فيها، بدءاً من وزارة الصحة والمستشفيات الخاصة والعامة والإطارات الطبية وشبه الطبية والصندوق الوطني لتأمين على المرض ومزودي هذه اللوالب الفاسدة، بالتالي الأمر يستغرق وقتاً".


صدمة على الشبكات الاجتماعية


قضية اللوالب القلبية منتهية الصلاحية التي وصفت في تونس "بالفضيحة"، أثارت جدلاً بين نشطاء الشبكات الاجتماعية في تونس، وتحول النقاش إلى تبادل للاتهامات بين هذا الطرف والآخر.

وبينما رأى البعض أن وزير الصحة سعيد العايدي استخدم الأطباء ككبش فداء للتغطية على فشله في الوزارة، بهدف امتصاص الغضب الشعبي عبر اتخاذ جملة من الإجراءات والعقوبات، لعل أبرزها إقالة رئيسة قسم القلب بمستشفى سهلول بمحافظة سوسة شرق تونس.

آخرون ذهبوا لتحميل الإطار الطبي والمصحات الخاصة المسؤولية، والتي أضحت -حسب تعبيرهم- تتعامل مع المريض كورقة نقدية ومصدر للتربح على حساب صحته.