لا يوجد مكان آمن بالعراق حتى حضانات الأطفال.. النيران تقتل أكثر من الانفجارات والأميركيون يتحملون المسؤولية

تم النشر: تم التحديث:

لو أن هناك مكاناً وحيداً آمناً بالعراق فلابد أنه حضانة المستشفى التي يتم إغلاقها أثناء الليل وبداخلها عشرات الأطفال.

ومع ذلك تعد تلك حقيقة غير مسلّم بها هنا. فحينما نشب حريق في وقت متأخر من ليلة الثلاثاء 9 أغسطس/آب 2016 بجناح الولادة في أحد مستشفيات بغداد الرئيسية، سرعان ما حاصرت النيران غرفة الأطفال.

ولم تنجح عمليات الإنقاذ، ما أدى لوقوع مأساة جديدة بالعراق ضمن سلسلة المآسي التي لا يمكن تجنبها، كما ذكر تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الأربعاء 10 أغسطس/آب 2016.


أين المفاتيح؟


سارع عمال المستشفى لإنقاذ الرضع ولكن لم يجد أحد المفاتيح لفتح غرفة الحضانات. ويبدو أنه لم تكن هناك أي ممرضات بالداخل. ولم تكن أي من أجهزة إطفاء الحريق تعمل. واستغرق الأمر نحو ساعة ونصف الساعة لحين وصول رجال الإطفاء.

وظن البعض أن السبب الرئيسي يرجع إلى انفجار صهريج الأوكسجين الذي أدى إلى نشوب الحريق. وفي صباح الأربعاء، لم يكن هناك سوى أمر واحد مؤكد، وهو وفاة 13 رضيعاً على الأقل ومعهم جزء ضئيل من مستقبل العراق.

وكان بينهم يامن معاذ الرضيع الذي وُلد جراء جراحة قيصرية تمت يوم الثلاثاء ولقي حتفه بعدها بساعات قليلة، وجعفر قحطان الذي كان يتلقى العلاج بسبب صعوبات في التنفس. وكانت هناك أيضاً زهرة حسين التي وُلدت يوم الاثنين وكان جدها يبحث عنها وهو في حالة انهيار.

ولم يتم العثور على أطفال كثيرين آخرين، بينما كان يتلقى 25 شخصاً ومعظمهم من الرضع علاجاً طبياً للحروق التي لحقت بهم.


تشكيل لجنة


ولم يفعل جميع المسؤولين العراقيين سوى ما اعتادوا أن يفعلوه في مواجهة أية مأساة وهو تشكيل لجنة.

وذكر المتحدث باسم وزارة الصحة دكتور أحمد الحضري خلال مؤتمر صحفي انعقد الأربعاء 10 أغسطس/آب 2016: "تم تشكيل لجنة للتحقيق في الحادث ولا نعرف حتى وقتنا هذا السبب وراء نشوب الحريق. وننتظر نتائج التحقيقات".

وبعد سنوات من المآسي التي لم تجد طريقها إلى الحل والمطالبات التي لم تتحقق لإجراء تحسينات، لم يعد أحد يصدق وعود المسؤولين.

وذكر عدنان حسين، القائم بأعمال رئيس تحرير صحيفة "المدى" اليومية: "أصبحت مثل تلك المآسي أمراً عادياً ومعتاداً لدى المسؤولين، وسيتم إغلاق هذه القضية مثلما حدث مع القضايا السابقة".

تجمّعت عائلات الأطفال الذين لقوا مصرعهم بمستشفى اليرموك صباح الأربعاء وسط دموعهم وأحزانهم وألقى البعض اتهامات بكونه حريقاً متعمداً، رغم عدم وجود أي أدلة تدعم تلك المزاعم.

وذكرت مريم ثيجيل، والدة يامن، وهي تصف المشهد بالمستشفى في وقت مبكر من صباح الأربعاء: "كان هناك صراخ. انقطعت الكهرباء وانغلقت الأبواب علينا ولم يكن هناك أحد بوحدة حديثي الولادة ولم نستطع إنقاذ الأطفال".

ووصفت مشهد الذعر والفوضى وذكرت أن الناس بالمستشفى قد حاولوا العثور على من بحوزته المفاتيح الخاصة بذلك الجناح المشتعل. وأضافت: "طلبنا مساعدة إحدى العاملات ولكنها قالت: لا أستطيع مساعدتك بأي وسيلة لأنه حريق".

وذكرت زينب علي والدة جعفر: "جئت اليوم لأراه وعلمت أن هناك حريقاً قد نشب بوحدة حديثي الولادة وأن طفلي قد لقي حتفه". وقالت إنها سمعت أن أجهزة الإطفاء لم تكن تعمل.

وجاءت شيماء حسين إلى المستشفى تبحث عن رضيعها حيدر محمد عزيز الذي لم يتم العثور عليه. وأثناء غضبها الشديد وبكائها، شبهت إداريي المستشفى الحكومية بمتطرفي تنظيم الدولة الإسلامية داعش، وقالت إن السياسيين والإرهابيين مسؤولون عن المآسي اللانهائية بالعراق.


أين ذهبت مليارات الإعمار؟


تنتشر الآثار المؤلمة لتدهور دولة العراق في كل مكان. وقد انفقت الولايات المتحدة عشرات المليارات من الدولارات على إعادة التعمير بالعراق لبناء المستشفيات والمدارس وتحسين الكهرباء. ومع ذلك، تنقطع الكهرباء لفترات طويلة يومياً من الشبكة العامة.

وتوفر المولدات لمن يستطيع شراءها الطاقة بقية ساعات اليوم. وتواجه المستشفيات تدهوراً لم تشهده منذ العقوبات الاقتصادية خلال التسعينيات؛ ويرجع ذلك بصفة جزئية إلى أن تراجع أسعار النفط قد أدى إلى عجز الحكومة عن الإنفاق وسط حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

وذكر أحمد سعداوي، الكاتب البارز الذي أرّخ لمآسي بغداد في روايته الحائزة على جائزة نوبل بعنوان [فرانكشتاين في بغداد]: "تم بناء هيكل نظام الدولة بصورة خاطئة، ولكن ليس هناك جدية في بناء مؤسسات الدولة".

ويذكر العديد من العراقيين أن ضعف الدولة ناتج عن النظام السياسي الذي سعى الأميركيون إلى تأسيسه والذي يعتمد على الحصص الطائفية، إذ يحصل الناس على وظائف بالوزارات وفقاً للمحسوبية، وليس الكفاءة، بينما يتفشى الفساد في كافة مناحي الحياة.

لدينا كفاءات


ثم تحدث أمور كارثية، مثل اندلاع حريق بمستشفى للولادة وقيام إرهابيين بقيادة سيارات محملة بالقنابل عبر نقاط تفتيش ينتشر بها رجال شرطة يحملون أجهزة زائفة للكشف عن القنابل.

وأضاف سعداوي: "لدينا كفاءة طبية عالية وأطباء أكفاء، ولكن هناك مشكلات وعيوب بإدارة الدولة. فعادة ما يتم تعيين الأشخاص غير المناسبين بالمواقع الهامة".

وكانت آخر الأنباء في العراق حول القنبلة المدمرة التي انفجرت شهر يوليو/تموز 2017 في بغداد وأودت بحياة ما يقرب من 300 شخص، بما يعد أسوأ اعتداء إرهابي بالعاصمة منذ الغزو الأميركي عام 2003.

فقد أحدث التفجير جحيماً طوّق مركزاً تجارياً كان الأسر والشباب يحتفلون بداخله بإحدى الليالي الأخيرة من شهر رمضان – ويتناولون الطعام مع الأصدقاء ويبتاعون ويشاهدون مباراة كرة قدم بالتلفزيون.


النيران


وخلال ذلك الاعتداء كان عدد هؤلاء الذين لقوا حتفهم جراء النيران أكثر من عدد المتوفين بسبب الانفجار؛ وألقى المسؤولون اللوم على سوء إجراءات السلامة وعدم وجود مخارج للفرار من الحرائق.

وعلى غرار التفجير، ربما كان الحريق بالمستشفى سيصبح أقل وطأة وتأثيراً لو كانت الحكومة قد اتخذت تدابير السلامة الملائمة أو استجابت بشكل أسرع.

وذكر محمد الربيعي، عضو اللجنة الأمنية بالمجلس الإقليمي ببغداد: "ذهبت إلى موقع الحادث وشهدت الكارثة بنفسي. هناك إهمال واضح من إدارة المستشفى وليس هناك تدابير أمان".

لم تحدث أي احتجاجات ببغداد يوم الأربعاء كما حدث في أعقاب الاعتداء الإرهابي الشهر الماضي؛ ولم يكن هناك سوى غضب صامت وشعور مأساوي مألوف.

وكتب محمد سمير على صفحته بفيسبوك: "جريمة تلو الأخرى ووفاة تلو الأخرى وتظل الحكومة تلتزم بالصمت".

وأضاف: "يا إلهي، يالها من جريمة كبرى اليوم".

كان هناك نفس العنف الروتيني المعتاد خلال يومي الثلاثاء والأربعاء بالمدينة. فقد ذكرت وزارة الداخلية أن تفجيراً انتحارياً بإحدى نقاط التفتيش بضاحية دورا أودى بحياة 4 جنود وإصابة 11 شخصاً. فقد أدى التفجير إلى مصرع 4 أشخاص بأحد الأسواق العامة بمقاطعة النهروان، بينما قتل انتحاري 4 جنود بإقليم رشيد.

وعلى حد تعبير عدنان حسين رئيس تحرير الصحيفة: "لا يوجد مكان آمن في العراق مطلقاً".

- ­هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.