لماذا اهتمت القاهرة بالرد على المجلة؟.. دبلوماسيون سابقون يصفون الرد المصري على "الإيكونوميست" بأنه "إساءة لا تغتفر"

تم النشر: تم التحديث:
WZARTALKHARJYH
وزارة الخارجية المصرية | social media

المجلة الاقتصادية التي توصف بأنها الأهم في العالم، إيكونوميست، نشرت تقريراً مطولاً بعنوان "تخريب مصر"، يحمل انتقادات للسياسات والأوضاع الاقتصادية الراهنة في مصر، ورأي العديد من الخبراء الاقتصاديين أن التقرير يستند على أسس صحيحة، وأن الأزمة الاقتصادية متفاقمة بالفعل، في ظل تراجع السياحة والاستثمار، إلا أن الخارجية المصرية قابلت التقرير بغضب عارم. وقامت بالرد على المجلة، وهاجمتها بقوة واتهمتها بعدم التزم الموضوعية والمهنية في تقريرها، وآلمها بشدة هجوم المجلة على الرئيس عبدالفتاح السيسي.



تقرير إيكونوميست كانت البداية بنشر مجلة "إيكونوميست" الاقتصادية البريطانية، في عددها الأخير تقريراً تحت عنوان "تدمير مصر" نصحت فيه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بعدم الترشح في انتخابات الرئاسة المزمع إجراؤها عام 2018 بعد إخفاقه في إدارة شؤون البلاد لا سيما الجانب الاقتصادي.

وأضافت "إيكونوميست" أن السيسي "أثبت أنه أشد قمعاً من حسني مبارك الذي أُطيح به في الربيع العربي، ويفتقر للكفاءة مثل محمد مرسي الرئيس المعزول".

ووصفت المجلة نظام السيسي بالمفلس، وأنه يعيش فقط على المنح النقدية السخية من دول الخليج، وبدرجة أقل على المعونات العسكرية من أميركا.

وأشارت المجلة في تقريرها، إلى أنه على الرغم من مليارات الدولارات من الدول النفطية، فإن عجز الميزانية والحساب الجاري للدولة المصرية في اتساع، إذ بلغ قرابة 12% و7% على التوالي من إجمالي الناتج المحلي.

وأوضحت "إيكونوميست" أن معدل البطالة وسط الشباب تجاوز 40%، كما أن القطاع الخاص في ظل اقتصاد "متصلب وبيد الدولة" يظل عاجزاً عن امتصاص"جحافل العمال الجدد الذين يلتحقون بسوق العمل كل عام".

وقالت المجلة، إن ممولي السيسي العرب يبدو أن صبرهم قد نفد، فالمستشارون القادمون من الإمارات عادوا أدراجهم بعد أن ضاقوا ذرعاً من بيروقراطية متحجرة وقيادة غبية تظن أن مصر ليست بحاجة إلى نصائح من دول خليجية مستجدة النعمة تملك أموالاً "مثل الرز"، على حد تعبير المجلة التي استعانت بوصف أطلقه السيسي في تسجيل مسرَّب من قبل.

وأكدت المجلة، أنه ينبغي على الغرب أن يتوقف عن بيع نظام السيسي "أسلحة باهظة التكاليف ليس بحاجة لها ولا يقوى على احتمال نفقاتها"، كما أن أي مساعدة اقتصادية له يجب أن تقدم بشروط صارمة، إذ يتحتم عليه نهاية المطاف أن يسمح بـتعويم العملة المحليه "الجنيه المصري"، وتقليص أعداد العاملين بالخدمة المدنية والتخلص تدريجياً من المشاريع المدعومة الباهظة التكلفة والتي ينخر فيها الفساد.

واختتمت المجلة"، أن نظام السيسي بحاجة لإعادة انفتاح، والفرصة المناسبة لذلك تكمن في أن يعلن السيسي عن نيته عدم الترشح للرئاسة مرة أخرى بانتخابات عام 2018.

وقال الكاتب الصحفي عبدالله السناوي، إن أخطر رسالة من تقرير "إيكونوميست"، إن مصر تفتقد التعاطف الدولى الضرورى في لحظة تلوح فيها مخاطر وجودية تهدد مستقبلها، وذلك يضرب بقسوة في فرص جذب الاستثمارات الأجنبية أو عودة السياحة إلى سابق عهدها.

وتابع الكاتب الصحفي، في مقال له بجريدة الشروق المصرية تحت عنوان "رسائل الإيكونوميست"، أنه رغم إشارات المجلة عن تراجع البنك الدولي وبنك التنمية الإفريقي في ضخ قروض تطلبها مصر فإنه من المستبعد أن تترك لتغرق، فالتبعات الاستراتيجية لا يحتملها أحد في العالم.

وأشار السناوي، إلى أن السيناريو الأرجح أن يمعن صندوق النقد الدولي في فرض اشتراطاته المشددة، بزعم أن الوقت قد تأخر في علاج الاقتصاد العليل أيا كانت الآثار الاجتماعية أو الاضطرابات التي قد تحدث، وبقدر ما يقال هنا إن قرض الصندوق شهادة ثقة دولية لجذب الاستثمارات فإن تقارير "الإيكونوميست" دعوة للتشدد مع المفاوض المصري.



رد الخارجية المصرية وتتبع مصر سياسة التهميش في الكثير من الاتهامات الخارجية، وبالفعل لم ترد الخارجية على كثير من القضايا الكارثية السابقة إلا متأخراً وتغاضت عن أخرى مثل "قضية الشاب الإيطالي ريجيني"، و"حادثة سقوط الطائرة الروسية بسيناء"، التي لم ترد مصر عليها إلا بعد عدة أيام وأحياناً أسابيع بعد ضغوط من تلك الدول لتفسير ما يحدث.

وكذلك العديد من القضايا الداخلية من "عدد المعتقلين في السجون"، و"ارتفاع سعر الدولار بين يوم وليلة"، و"تراجع السياحة والاستثمار"، و"ما فائدة الإنفاقات على افتتاح فرع قناة السويس الجديدة رغم تراجع عوائدها"، وغيرها من القضايا التي تؤثر على الاقتصاد ولم تفسر مصر أسبابها حتى الآن.

ورغم ذلك وبمجرد نشر مجلة "إيكونوميست" تقريرها، ردت الخارجية عبر مدونتها الرسمية، لتقول إن ما ورد بالتقرير ادعاءات وهمية وأن تحليل المجلة ركيك وقراءة سطحية للاقتصاد المصري.
رد الخارجية جاء على لسان المتحدث الرسمي، المستشار أحمد أبو زيد، تحت عنوان "تخريب الإيكونوميست".

"لقد صُدمت وفوجئت لقراءة العدد الأخير من مجلة "الإيكونوميست"، الذي تضمن سلسلة من المقالات حول مصر تحت عنوان "تخريب مصر".
وأضاف: "لقد كان من المنتظر أن تقدم مجلة رائدة في التحليل الاقتصادي والمالي كالإيكونوميست تحليلاً موضوعياً ومستنيراً يركز على تقييم خصائص السياسات الاقتصادية في مصر خلال الأشهر القليلة الماضية، إلا أن المجلة عمدت في المقابل إلى تجنب أي مظهر من مظاهر التحليل الموضوعي، واهتمت بتوجيه إهانات لشخص الرئيس المصري".

وتابع متحدث الخارجية: "أنه لمن المؤسف، بل ومن المشين، أن تلجأ مجلة محترفة إلى أساليب غير موضوعية ومهينة وذات دوافع سياسية لتوصيف السياسات الاقتصادية لمصر، ونسبها إلى شخص واحد هو رئيس الدولة، ناهيك عن التحليل الركيك والقراءة السطحية للاقتصاد المصري وطبيعة التحديات التي تواجهه".

وقال متحدث الخارجية: "أن المجلة تزعم أن الرئيس السيسي جاء إلى السلطة عبر "انقلاب"، وهو زعم يستخف بشكل كامل بإرادة المصريين، سواء الملايين الذين تظاهروا من أجل إزاحة رجل الإخوان المسلمين محمد مرسي، أو الملايين الذين صوتوا بأغلبية كاسحة لانتخاب الرئيس. فالمقال يتهمه بـ"عدم الكفاءة" في إدارة السياسات الاقتصادية في مصر، ويتجاهل أن هذه السياسات تستند إلى مشورة مجموعة من الخبراء الاقتصاديين البارزين ("المجموعة الاقتصادية") ومؤسسات راسخة في الدولة.

وأضاف: "تفترض الإيكونوميست وبسخافة أن الاقتصاد المصري يعتمد على التدفقات النقدية من الخليج والمساعدات العسكرية الأميركية، وهو أمر أبعد ما يكون عن الحقيقة، فالمجلة لم تلحظ انخفاض المساعدات الأميركية خلال السنوات الأخيرة، كما أننا لا نعول على مساعدة من أى طرف، وبالرغم من إدراكنا لحجم الصعوبات الاقتصادية والتحديات الهيكلية التي تواجهها مصر، إلا أن أي تحليل موضوعي وذي مصداقية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الأزمة الحادة التي مرت بها البلاد منذ يناير 2011 وما خلفته ولا تزال من تداعيات مالية.



الاختصار كان أفضل وقال السفير إبراهيم يسري، مساعد وزير الخارجية السابق، إن تقرير إيكونوميست يعرض صورة الأزمة الاقتصادية الحادة في مصر، ولأنها مجلة متخصصة ومحل مصداقية كان من الضروري التشكيك في صحتها ولا مانع في أن تنتقدها وزارة الخارجية، لأن هذا يحدث عندما تواجه الدولة بنقد حاد أو خطير.

وأضاف السفير يسري، لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن دور المجلة لم يتوقف على كونها صحيفة أو مجلة عادية انتقدت مصر في تقريرها، بل من الممكن أن يؤدي ذلك بالتأثير على الاستثمار وتراجع المعاملات الخارجية الاقتصادية، فكان لا بد من رد الخارجية.

وعن لهجة بيان الخارجية، أوضح مساعد الوزير السابق، أنه كان من الممكن أن يكون مختصرًا وأرقى من ذلك، ولكن حرصت مصر على الرد على أبرز ما جاء بالتقرير وهو سبب تدرج البيان لهذه المرحلة.



ليست مهمة المتحدث باسم الوزارة وعلق السفير ناجي الغطريفي، مساعد زير الخارجية السابق، بأن لوزارة الخارجية الحق في التعليق على أي شيء طالما خاص بمصر، مستطرداً: ولكن تقرير "إيكونوميست" اقتصادي فيجب أن يكون الرد عليه من قبل اقتصاديين وخبراء مالية، لأنها ليست مهمة متحدث الخارجية.

وأضاف الغطريفي، لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن الرد كان يجب أن يكون مبينيا على أرقام ودلائل وإحصاءات، وشرح الوضع الاقتصادي المصري لدحض مزاعم الجريدة الاقتصادية، بدلًا من الاكتفاء بعبارات ضعيفة لا تصلح أن تكون باسم خارجية مصر.

وعن كتابة الرد من قبل متحدث الخارجية، المستشار أحمد أبو زيد، على مدونة الوزارة بصفحة التواصل الاجتماعي، دون الإشارة إلى أنه بيان رسمي، قال الغطريفي: "إن متحدث الوزارة لا يكتب شيئاً، أو يتحدث عن موضوع إلا بأمر من الوزارة.

واختتم، الدبلوماسي السابق، لم يكن بيان الخارجية موفقًا في اختيار عباراته، بل كان ضعيفًا وركيكًا، خاصة وأنك ترد على مزاعم جريدة قوية لها احترامها وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، وبالتالي كان يجب اختيار المتخصصين للرد بالإثباتات والبراهين.

وتساءل جميل مطر، الكاتب الصحفي والدبلوماسي السابق عما إذا كانت الخارجية المصرية قد رصدت ردود فعل الدبلوماسيين الأجانب وعلماء العلاقات الدولية وكبار المعلقين العرب على بيان الخارجية الذي يرد على "الإيكونوميست".

وتمنى مطر، في تدوينة عامة على صفحته فيسبوك، أن ترسل نتائج الرصد لرئيس الدولة وغيره من الذين يتدخلون في صنع السياسة الخارجية المصرية دون علمنا ومن وراء ظهورنا وبعيداً عن أعين الراي العام.

واختتم مطر بأن بيان وزارة الخارجية ردًا على مجلة "إيكونوميست" الاقتصادية، إساءة لا تغتفر لسمعة الدبلوماسية المصرية.