هكذا هرّبت المافيا تحفاً من مصر قيمتها 143 مليون دولار ..قتلوا الحرّاس واستغلوا الأطفال

تم النشر: تم التحديث:
THE EFFECTS OF SMUGGLING
social media

منذ اندلاع الثورة المصرية عام 2011، أدى انعدام الاستقرار السياسي والتراجع في معدلات السياحة إلى نهبٍ واسع للمواقع الأثرية، وهو ما خلّف عواقب وخيمة.

تُوفي الأطفال المُجبرون على العمل في ظروفٍ خطيرة لنهب المواقع التاريخية. وقُتل حُراس الآثار بالرصاص داخل مقبرة قديمة كانوا يحاولون حمايتها. وتُركت المومياوات في العراء تحت حرارة الشمس كي تتعفن بعد أن سُرقت مقابرها، بحسب تقرير نشره موقع livescience، الثلاثاء 9 أغسطس/آب 2016.

وخلّفت الحُفر التي صنعت من أجل عمليات النهب علاماتٍ على المواقع الأثرية بأعدادٍ مهولة حتى أنه لا توجد كلمات مناسبة لوصف المشهد، وفقاً للتقرير.

وجد تحقيق أجراه Live Science أن الأمر لا يقتصر على تلك الوقائع الفظيعة، بل أن هناك كميات ضخمة من الآثار المصرية المنهوبة وجدت طريقها إلى الولايات المتحدة. تتضمن تلك الآثار أعداداً هائلة من العملات الذهبية.

تكشف الوثائق التي حصلت عليها Live Science من مكتب تعداد الولايات المتحدة أنه منذ عام 2011، تم تصدير قطع أثرية تبلغ قيمتها أكثر من 143 مليون دولار من مصر إلى الولايات المتحدة. استُقدمت القطع الأثرية إلى الولايات المتحدة للاستخدام الشخصي أو التجاري، بدلاً من عرضها بشكل مؤقت في المتاحف، وفقاً لما ورد بالوثائق.

وتُظهر الوثائق كذلك أن الغالبية العظمى من القطع الأثرية شُحنت إلى مدينة نيويورك، حيثُ توجد دور المزادات العلنية وتجّار الآثار ومعارض الأعمال الفنية. ومع ذلك، فإن الكشف عن شُحنة منهوبة من القطع الأثرية وإثبات أنها قد نُهبت يُعد أمراً صعباً للغاية، وفقاً لما أخبر باحثون ومسئولون حكوميون لموقع Live Science.

ولا يبدو أن هناك تراجعاً في تدفق الآثار المصرية إلى الولايات المتحدة. ففي الشهور الخمسة الأولى من عام 2016، تم تصدير ما قيمته حوالي 26 مليون دولار من القطع الأثرية من مصر إلى الولايات المتحدة، وفقاً لما ورد بوثائق مكتب التعداد.
منذ 2011، تم تصدير ما وزنه أكثر من 45 رطلاً (20 كيلوغراماً) من العملات الذهبية الأثرية إلى الولايات المتحدة من مصر – وهو ما يساوي تقريباً ضعف وزن قناع الموت الذهبي المشهور لتوت عنخ آمون. تقول الوثائق أنه بين عام 1998 و2010، تم تصدير 4 أرطال فقط (أقل من 2 كيلوغرام) من العملات الذهبية من مصر إلى الولايات المتحدة.

the effects of smuggling


أطفال مصر يموتون


تكشف الصور التي نشرتها الحملة المجتمعية للرقابة على التراث والآثار، والتي تتعقّب عمليات النهب في مصر، عن أطفالٍ يعملون في قرية أبوصير المالك، والتي تقع في جنوبي القاهرة وتأوي مقبرة قديمة تحتوي على آلاف الجثث المدفونة بها.

في الصور، يمكن رؤية الأطفال وهم يحملون القطع الأثرية وينقّبون في الأرجاء المحيطة داخل الحُفر والأنفاق.
توضّح الصور ما تبلغه الحفر من عمقٍ وضيق، لتخلق ظروف عمل خطِرة أدّت إلى وفيات الأطفال العاملين وفقاً لما توصّل إليه الباحثون. وتُظهر الصور أن تضاريس المواقع التي يعمل بها الأطفال تمتلئ بتلك الحُفر ويتناثر فيها عظام المومياوات القديمة.

"استُخدم الأطفال خصيصاً ليتمكنوا من الوصول إلى أنفاق وحُفر الدفن الصغيرة. ولسوء الحظ، فقد الكثير من الأطفال أرواحهم في تلك العملية"، وفقاً لما كتبته مونيكا حنا، عالمة آثار مصرية تعمل مع الحملة المجتمعية للرقابة على التراث والآثار، في ورقة قامت بنشرها في كتاب "مكافحة الإتجار غير المشروع في السلع الثقافية" (ICOM, 2015).

في الحقيقة، توفي أكثر من 25 طفلاً، قامت عصابات الآثار المحترفة بتوظيفهم، في العام الماضي داخل الأنفاق بقرية أبوصير المالك، وفقاً لما أخبرته حنا لموقع Live Science.

تقول حنا أن القليل من المال الناتج عن بيع القطع الأثرية يذهب إلى عائلات الأطفال. بدلاً من ذلك، ينتهي الحال بأغلب المال في جيوب تجّار الآثار والوسطاء، الذين يهربون تلك القطع خارج مصر وإلى دول أخرى، مثل الولايات المتحدة.
و"يعمل الكثير منهم (الوسطاء) كجزء من جماعات المافيا الدولية التي تُهرب المخدرات والسلاح في المنطقة"، كما تقول حنا، وفقاً للبحث الخاص بها وبزملائها.

وقالت حنا أن مَن يشتري تلك الآثار المصرية ينبغي أن يعلم "أن الشيء الذي اشتراه للتو لا يحمل فقط دماء الأطفال، بل أن عمليات النهب تلك دمّرت بالكامل المواقع الأثرية كذلك مثلما يفعله تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) بالمواقع الأثرية الأخرى في المنطقة".

الأطفال العاملون في الأنفاق ليسوا هم وحدهم مَن يموتون في عمليات النهب تلك. فقد قتلت مجموعة من اللصوص حارسين – مصطفى علي وعمره 36 عاماً، وعصراوي وعمره 56 عاماً – بالرصاص في يوم 20 فبراير/شباط 2016، بينما كانا بداخل مقبرة يبلغ عمرها 4000 سنة بموقع دير البرشا الأثري، وفقاً لفريق من علماء الآثار يعمل في الموقع. (أنشأ فريق علماء الآثار العاملين بموقع دير البرشا صفحة على موقع GoFundMe لمساعدة أسر الحارسين المقتولين.)

لقد قُتلا بوابل من الرصاص. وكتب فريق علماء الآثار في بيانٍ على الموقع: "تركت أكثر من 20 رصاصة أثرها بثقوب في ديكورات جدران الغرفة الخارجية وبقعتي دماء كبيرتين على الأرض لتشير إلى المنطقة (بداخل المقبرة) التي قُتل فيها عصراوي ومصطفى".

the effects of smuggling


صعب اللحاق بهم


أخبرت بعض المصادر موقع Live Science أن مسألة إيجاد القطع الأثرية المنهوبة التي تم تصديرها إلى الولايات المتحدة تكتنفها تحديات بالغة.

"إنه أمر في غاية الصعوبة أن تثبت أن أي قطعة أثرية وصلت إلى الولايات المتحدة قد تم نهبها"، كما تقول إرين تومسون، أستاذة في جرائم الفن بجامعة مدينة نيويورك. "فالوسطاء خبراء في جعل القطع الأثرية المنهوبة والمهربة تبدو كما لو كانت جزءاً من السوق الشرعية عبر تنظيفها وترميمها وتزوير الأوراق التي تجعلها تبدو وكأن السُلطات المصرية قد منحتها الإذن بتصديرها".

وتضيف تومسون: "فجأة، تصبح قطعة الآثار المُقتلعة من الأرض الشهر الماضي غير قابلة للتمييز عن قطعةٍ أخرى توجد ضمن مجموعة ممتلكات خاصة لعقود، والتي يكون من القانوني تماماً تصديرها وبيعها".

علاوة على ذلك، فإن جمارك الولايات المتحدة لا تفحص جميع الشُحنات؛ فقد ذكر المتحدث الرسمي باسم مكتب الجمارك وحماية الحدود بالولايات المتحدة لموقع Live Science أن المكتب يُجري عمليات فحص وتدقيق لشُحنات الآثار، لكنه رفض أن يُخبرنا عدد المرات التي يحدث بها ذلك.

وقال المتحدث الرسمي كذلك أن المسئولية تقع على عاتق الشخص المستورد للشُحنة بأن يُفصح عن قيمتها. وهذا ما يعني أن مبلغ ال143 مليون دولار هو ببساطة قيمة القطع الأثرية المستوردة من مصر كما أعلن عنها مستوردوها؛ أي أن قيمة إعادة بيعها قد تكون أعلى من ذلك.

إضافة إلى ذلك، فالوثائق التي حصلت عليها Live Science تُظهر فقط الشحنات التي نجحت في الوصول إلى الولايات المتحدة، كما يقول المتحدث الرسمي باسم مكتب التعداد. لأن الوثائق لا تشتمل على الشحنات التي أوقفها موظفو الجمارك وصادروها، أي أن حجم القطع الأثرية المصرية التي تصل للولايات المتحدة قد يكون أكبر من ذلك.

كنز ذهبي


أعلن المستوردون ببساطة أن الكثير من تلك القطع الأثرية تُعتبر "تُحفاً فنية" يرجع عمرها لأكثر من 100 عام، رغم أن بعضها على نحوٍ خاص يرجع إلى ما هو أبعد من ذلك.

تُعد العملات الذهبية الأثرية هي الفئة الأكبر من القطع الأثرية التي تم التعرف عليها وتسجيلها في الوثائق. تُظهر البيانات أنه قبل عام 2009، تم استقدام القليل من العملات الذهبية إلى الولايات المتحدة من مصر. زاد العدد في 2009 وارتفع بشدة في السنوات التي أعقبت الثورة المصرية عام 2011.

سُكت تلك العملات في مصر منذ أكثر من 2000 سنة. بعض من أوائل العملات المصرية سكها البطالمة، وهي سلالة حاكمة انحدرت عن بطليموس الأول، أحد جنرالات الإسكندر الأكبر.
غزا الإسكندر مصر في عام 332 قبل الميلاد، وحكم البطالمة البلاد حتى عام 30 قبل الميلاد، عندما ماتت كليوباترا السابعة، آخر الحكام البطالمة، مُنتحرة بعد معركة أكتيوم. بعد موت كليوباترا، اندمجت مصر داخل الإمبراطورية الرومانية.

نتج أحد تفسيرات للزيادة المفاجئة في توريد العملات الذهبية عن بحث بالأقمار الاصطناعية أجراه فريق تقوده سارة باركاك، أستاذة أنثروبولوجيا بجامعة آلاباما في بيرمنغهام.

بعد فحص الصور التي التقطتها الأقمار الاصطناعية لمصر منذ العقدين السابقين، وجد فريقها أن اللصوص يفضلون الأشياء التي يمكن نقلها من المواقع الأثرية التي يرجع عمرها لفترات ما بعد اختراع العملات المسكوكة. "في المجمل، يرجع تاريخ 55% من المواقع الأثرية المنهوبة إلى عصور متأخرة (الممالك 26-30) وحتى تاريخ العصر الروماني"، وفقاً لما كتبه فريق باركاك في ورقة منشورة في فبراير/شباط 2016 في مجلة العصور القديمة.

وتقول حنا لموقع Live Science إن بعضاً من العملات الذهبية الآتية إلى الولايات المتحدة قد يكون مزيفاً. وتضيف: "إن الكثير من تجّار الذهب المحليين يزوّرون العملات الذهبية ويبيعونها باعتبارها قطعاً أثرية".

- هذا الموضوع مترجم عن موقع Live Science. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.