"داعش" يرسم العراق بتركيبة جديدة.. فهل ستلغي الميليشيات المسلحة دور الأحزاب مع انهيار تحالفاتها؟

تم النشر: تم التحديث:
POPULAR MOBILIZATION FORCES IN IRAQ
Anadolu Agency via Getty Images

تتعرض التحالفات السياسية التي أوجدتها انتخابات مجالس المحافظات العراقية في أبريل/نيسان 2013، إلى ما يشبه الانهيار فقد ظهرت كيانات جديدة، عقب سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) على مدن، ودخوله مناطق غرب وشمالي البلاد في يونيو/حزيران 2014، وأدّى ذلك إلى إفراز واقع سياسي جديد.

وقبل هجوم "داعش" على العراق، كانت الأحزاب العراقية قد أنهت مفاوضات استغرقت شهوراً لتشكيل الحكومات المحلية بالمحافظات بعد انتخابات 2013، وكان الاتفاق بينهم أن تبقى تلك التحالفات لحين إجراء الانتخابات الجديدة في2017، وهو ما لم يحدث في ظل التطورات التي دخلت على المشهد لاسيما بعد تشكيل كيانات سياسية جديدة وإزاحة العديد من المسؤولين من مناصبهم وتنصيب آخرين، وفقاً للواقع الجديد الذي فرضه دخول التنظيم إلى عدة مدن.

وخلال الأسبوعين الماضيين، سجلت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، أكثر من 40 كياناً سياسياً يمثلون في أغلبهم فصائل شيعية مسلحة حاربت "داعش"، وترغب في المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات مطلع العام المقبل، وكذلك البرلمانية عام 2018، بحسب مصدر من داخل المفوضية تحدث لوكالة الأناضول شريطة عدم نشر اسمه، كونه غير مخول بالتصريح لوسائل الإعلام.


خارطة شيعية جديدة


ودخل المكون الشيعي الذي يقود الحكم في العراق، في صراعات سياسية داخلية، بعد أن سقطت عدة مدن بيد "داعش"، وذلك إثر الخلافات الحادة التي نشبت داخل "التحالف الوطني" (أكبر التكتلات الشيعية في البلاد)، لاسيما تلك التي عصفت بالعلاقات بين ائتلاف "دولة القانون" (يتزعمه رئيس الوزراء السابق نوري المالكي) من جهة، وكتلة الأحرار (تابعة للتيار الصدري) والمجلس الأعلى الإسلامي (بزعامة عمار الحكيم) وحزب الفضيلة من جهة أخرى، بعد اتهامات للمالكي في ملفات فساد ومسئوليته عن توسع نفوذ "داعش" إبان حكمه.

على الصعيد نفسه، كانت الأحزاب الشيعية الثلاثة الرئيسية (الدعوة بزعامة المالكي، المجلس الأعلى الإسلامي، التيار الصدري)، تفرض سيطرتها على حصة الشيعة من المناصب في الدولة، لكنها بدأت تشعر بالخطر من خسارة شعبيتها لصالح فصائل مسلحة شيعية جديدة (ميليشيات) تحارب "داعش"، وبدأت منذ الآن مفاوضات مكثفة للتحالف معها، لاسيما بعد أن باتت تلك الميليشيات تمتلك شعبية كبيرة، بحسب قادة في "الحشد الشعبي" (ميليشيات شيعية)، الذين اعتبروا مسألة حصولهم على أصوات واسعة في انتخابات مجالس المحافظات باتت شبه مؤكدة.

وشاركت الميليشيات الشيعية إلى جانب قوات بشار الأسد في سوريا، إلى جانب مشاركتها مع الأجهزة الأمنية الرسمية ضمن هيئة الحشد الشعبي التي تشكلت إثر فتوى "الجهاد الكفائي"، التي صدرت من المرجع الشيعي علي السيستاني في 14 حزيران/يونيو 2014.

وبعد أن حققت القوات الأمنية الرسمية إلى جانب الميليشيات النجاح في تحرير بعض مناطق غرب وشمال العراق، أصبحت الأخيرة تمتلك نفوذاً كبيراً في بغداد ومناطق جنوب العراق التي التحق المتطوعين فيها بـ"الحشد الشعبي" تلبية لتلك الفتوى.

لذا بدأت الطموحات السياسية للميليشيات الشيعية (تشمل 62 فصيلاً حسب كريم النوري، عضو هيئة الرأي في هيئة الحشد الشعبي) بالظهور مع اقتراب الانتخابات المحلية المقبلة، وأصبحت منافساً قوياً للأحزاب الشيعية التقليدية التي تراجعت شعبيتها من قبل الناخبين الشيعة الذين يحملونها مسؤولية ارتفاع نسب الفقر والبطالة في البلاد، وفق تقرير صادر عن وزارة التخطيط العراقية في يوليو/تموز 2016 والذي أكد ارتفاع نسبة الفقر في البلاد إلى 28%.

وكشف حامد الجزائري، الذي يشغل منصب آمر اللواء السابع في "الحشد الشعبي" التابع لميليشيات "سرايا الخراساني" عن "تسجيل فصيله لدى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ككيان سياسي يرغب بالمشاركة في انتخابات مجالس المحافظات المقبلة"، لافتاً إلى أن "مشاركتهم يريدون بها محاربة الفساد السياسي، انطلاقاً من اعتبار داعش والفساد السياسي شيئاً واحداً".


تحالفات كردية


ولم تتمكن الأحزاب في العراق طيلة 13 عاماً، اختراق التحالف المتين بين القطبين الرئيسيين "الحزب الديمقراطي الكردستاني (بزعامة رئيس إقليم شمال العراق مسعود بارزاني)، والاتحاد الوطني الكردستاني" رغم الأزمات التي تعرض لها البلاد، وكان أعضاء الحزبين موحدين في البرلمان الاتحادي، إلى جانب وحدة موقف الوزراء الذين يمثلون الإقليم الشمالي في بغداد، بحسب عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني شيرزاد قاسم.

وما إن حل يونيو/حزيران 2014، حتى بدأ تأثير "داعش" السياسي على العلاقة بينهما، وأوضح قاسم ذلك قائلاً إن "دخول التنظيم إلى العراق في مناطق متنازع عليها في الدستور بشمال العراق، ومواجهته من قبل القوات التابعة للاتحاد الوطني في جلولاء بديالى ومدينة كركوك وأمرلي في صلاح الدين، وكذلك المواجهات التي حدثت بين قوات الحزب الديمقراطي في أربيل ومخمور قرب الموصل ومناطق أخرى، دخلت معها أطراف خارجية (لم يذكرها)، أججت الصراع بين الحزبين لضرب التحالف المتين بينهما".

الخلافات تأججت أكثر مع بدء تزويد دول غربية - لم يتم تسميتها - الأكراد بالسلاح لمحاربة "داعش"، فأعلنت قيادات حزبية معارضتهم آلية توزيع الأسلحة من قبل رئيس إقليم شمال العراق، قائلين إن الأخير حرم قوات البشمركة في السليمانية (تابعة للاتحاد الوطني الكردستاني) من السلاح والذخيرة، وحصره بمقاتلي البارتي (مقاتلو البشمركة التابعين لحزب بارزاني)، بحسب النائب عن الاتحاد الوطني، عبدالباري زيباري في حديثه للأناضول.

وأضاف: "ما سبق جعل مدينتا السليمانية وأربيل تحت حكم حزبين مختلفين، ووصل الخلاف إلى مطالبة بعض المسؤولين الكرد إلى انفصال كلتا المدينتين عن بعضهما والعودة لما كانت عليه الأوضاع قبل عام 2003".


تغييرات سُنية


المحافظات السنية غربي العراق تعرضت هي الأخرى إلى انقسامات شديدة في التوجهات، بعد دخول "داعش" إليها، وكانت في مقدمتها محافظة "نينوى" (شمال) التي دعم مجلسها المحافظ الحالي نوفل العاكوب لتولي إدارتها، بعد أن تم الإطاحة بالمحافظ السابق أثيل النجيفي بسبب ما قيل حينها "موقفه السلبي أثناء سقوط المحافظة بيد داعش".

محافظة ديالى (شرقي العاصمة بغداد) ثاني المناطق التي أثر دخول "داعش" إليها على خارطتها السياسية، بحسب عضو مجلس المحافظة أسماء كمبش للأناضول، والتي قالت إن "العرف السياسي السائد في العراق بعد 2003 ينص على أن منصب محافظ المدينة من حصة العرب السنّة، أما حصة رئيس مجلس المحافظة من حصة العرب الشيعة".

وتابعت قائلة: "لكن بعد هجوم داعش على المدينة حصل الشيعة على منصب المحافظ، وما ساعد ذلك هو إدارة ميليشيات بدر وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي الملف الأمني بالمدينة، مما جعل الشيعة هم الأقوى في المحافظة على الرغم من أن الغالبية السكانية في ديالى من العرب السنّة وبعدهم الشيعة والأكراد".

وبعد أن توجهت القوات الأمنية مع قوات "الحشد الشعبي" إلى محافظة "صلاح الدين" (وسط) لتحرير المدن فيها، لم تظل الحكومة على حالها، لا سيما بعد الاقتراب الذي حدث بين المحافظ السابق رائد الجبوري وقيادة الحشد خلال عمليات التحرير، حيث تمكن منافسه القوى المدعوم من الحكومة الاتحادية أحمد الجبوري من إزاحته وتولي المنصب.

أما محافظة الأنبار (غرب) التي تستكمل الآن القوات العراقية عملية السيطرة على ما تبقى من أراضيها في أعالي نهر الفرات في مدينة الرمادي، فهي تعاني اليوم من صراعات سياسية كبيرة أورثها "داعش"، حيث تتصارع 3 قوى أساسية على المستقبل السياسي والاقتصادي والأمني في المدينة، في ظل تعرض البنى التحتية إلى الخراب بسبب العمليات العسكرية والإرهابية، فيما يتنافس "الحزب الإسلامي"، وتحالف جديد بزعامة إياد علاوي رئيس الوزراء الأسبق، وتحالف العشائر التي حاربت "داعش" إلى جانب القوات الأمنية، على المناصب.

ومع اقتراب موعد إجراء انتخابات الحكومات المحلية بداية 2017، لم تتجه الأحزاب فيما بينها للحوار، بل ذهبت صوب قوى جديدة ظهرت على الساحة العراقية بعد دخول "داعش" إلى العراق قبل عامين، وذلك لعقد تحالفات سياسية عبر تشكيل قوائم انتخابية استعداداً لخوض الانتخابات مع شركاء جدد.