الإرهاب والاقتصاد والفساد.. ثلاثية تهدد آخر معاقل الربيع العربي، فهل تنتهي ديمقراطية تونس؟

تم النشر: تم التحديث:
TERRORISM IN TUNISIA
ASSOCIATED PRESS

يصحبني نواف البالغ من العمر 25 عاماً في جولة بضاحية دوار هيشر التونسية، التي اشتهرت بكونها وكراً للجهاديين. وحينما تزور المكان يمكنك أن تدرك السبب، فهو مكان بائس تنتشر به المنازل الفقيرة والشوارع التي تكسوها القاذورات.

ويذكر نواف "ذلك هو المنزل الذي اقتحمه رجال الشرطة شهر يوليو/تموز 2016 لقد اعتقلوا 15 إرهابياً". لم يكن يعرف من يكونون، ولكنه يقول إن العديد من أصدقائه فضلوا الحرب المقدسة في سوريا على اليأس والإحباط بالوطن. "ربما سأرحل أيضاً لو أجد قضية أؤمن بها".

ويحظى هؤلاء الباقون بالضاحية بفرصة أفضل لكسب قوت يومهم من خلال تجارة المخدرات، التي تسمح الشرطة كما يزعم نواف بالاتجار بها، وتغض الطرف عنها مقابل الحصول على رشى، حسب تقرير لمجلة فورين بوليسي الأميركية.


بوعزيزي جديد


ويصعب الحصول على عمل شريف. ويكسب نواف (الذي حذفت لقبه بناءً على طلبه) على 11 دولاراً يومياً من عمله كطاه بأحد فنادق تونس.

ويحاول آخرون كسب قوت يومهم من خلال بيع مختلف البضائع على امتداد الشارع الرئيسي بضاحية دوار هيشر. ومع ذلك، يتعرض هؤلاء لانتقادات رجال الشرطة الفاسدين الذين يحرصون دائماً على مضايقة البائعين من أجل تغريمهم. وإذا لم تدفع الغرامة التي يطلبونها، تقع في المتاعب.

قاطعت الحديث قائلاً "لكن انتظر. أليس ذلك هو نفس السبب الذي أشعل الثورة؟"، مشيراً إلى بائع الفاكهة التونسي محمد بوعزيزي، الذي أشعل النار بنفسه في أواخر 2010 بعد أن تعرض للإهانة على يد الشرطة المحلية. وكان تصرفه بالتضحية بذاته بمثابة الشرارة الأولى التي ألهبت الاحتجاجات التي سرعان ما أطاحت بالدكتاتور.

ويجيب نواف "لم يتغير شيء بالنسبة لنا نهائياً".

من المؤكد أن البعض لن يوافقه الرأي. فقد حققت تونس تقدماً كبيراً نحو الديمقراطية وفقاً لمقاييس عديدة على مدار خمس سنوات منذ الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي عام 2011، حسب التقرير.

فقد اختار الشعب التونسي أعضاء برلمانه ورئيسه على مدار ثلاث دورات انتخابية، وأقر دستوراً جديداً يكفل للمواطنين مجموعة هائلة من الحقوق والحريات.

وقد شعر التونسيون بفرحة غامرة لحصولهم على حريات التنظيم والتعبير عن الرأي وصحب ذلك الحصول على جائزة نوبل للسلام. (تم منح الجائزة لأربع جماعات أهلية لعبت دوراً بارزاً في الثورة، التونسيون يعرفون أن ذلك كان تقديراً لنجاحهم في الإطاحة بحاكم مستبد، وإدارة تبعات وتداعيات الثورة).

وعلاوة على ذلك، خاض الشعب البالغ تعداده 11 مليون نسمة، رحلة دون أن يكون لها نظير في العالم العربي برمته. فمن يقضي بعض الوقت في أي من مناطق الشرق الأوسط حيث تصل ممارسات الشرطة إلى ذروتها، يجد انعدام الخوف في تونس مثيراً للذهول في يومنا هذا.

وخلال اللقاء الذي أجريته مع وزير الخارجية التونسي خميس الجهيناوي مؤخراً، أشار الوزير بكل فخر إلى أن قوات الشرطة تصدت لموجة من الاحتجاجات في وقت سابق من عام 2016 دون أن تقع أي حالات وفيات، على النقيض من السلوكيات القمعية للنظام السابق. وأكد لي قائلاً "لا سبيل للعودة إلى الوراء"، مشيراً إلى أن حريتي التعبير والتجمع مكفولتان.


الاقتصاد ينهار


وحينما تلقي نظرة عن كثب، تجد الصورة أشد ظلاماً. فلا يمكن أن يخفي تاريخ تونس الإيجابي في بناء مؤسسات الديمقراطية إخفاقها في مجالات أخرى.

فالاقتصاد ينهار وتظل الفجوة بين الفقراء والأغنياء شاسعة، على غرار التفاوت الإقليمي بين الشمال الشرقي الأكثر رخاءً وبقية أنحاء البلاد. وقد أدى ظهور الجماعات الإسلامية المتطرفة وسلسلة الاعتداءات الإرهابية المدمرة إلى غرس بذور الذعر وانعدام الثقة. ولا عجب أن هناك دراسة حديثة صادرة عن مؤسسة أميركية بحثية ترى أن التحول الديمقراطي في تونس قد "توقف".

ويتفق التونسيون أنفسهم مع ذلك الرأي.

وقد وجد استطلاع الرأي الذي أجري في تونس مؤخراً أن 71% من الخاضعين لذلك الاستطلاع ذكروا أن الدولة تسير في الاتجاه الخاطئ (أعرب 25% فقط عن تفاؤلهم حول المستقبل، رغم أن الأغلبية لا تزال ترى إيجابيات الديمقراطية).

وترى الغالبية أن الاقتصاد هو مصدر القلق الرئيسي، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة.
ويبلغ المعدل الرسمي 15.4%، وهو معدل أعلى من نظيره قبل الثورة بكافة المقاييس. وتتضح فداحة المشكلة من خلال معدل أكثر دقة، حيث تصل نسبة البطالة بين الشباب إلى 30%.

ويسعى المشرعون إلى صياغة قوانين جديدة تتعلق بالبنوك والاستثمار واللوائح الجمركية. ومع ذلك، فلم يحققوا أي نجاح فيما يتصل بخفض معدلات الرأسمالية القائمة على المحسوبية.

فقد تمكن المطلعون على بواطن الشؤون الداخلية خلال سنوات الدكتاتورية من حماية مصالحهم عن طريق إقامة حواجز وقائية تحول دون وصول أشخاص جدد إلى مناطق نفوذهم. (يفضل معظم رجال الأعمال التونسيين العمل في الاقتصاد غير الرسمي، الذي يمثل نحو نصف النشاط الاقتصادي الإجمالي).

فالقطاع العام لا يساعد في تحقيق النجاح. ولزيادة الأمور سوءاً، فإن القوة الهائلة للاتحادات النقابية الوطنية تحول نهائياً دون فصل أي عامل يقصر في أداء واجباته المهنية.


الإرهاب


ويظل الأمن قضية رئيسية. فمنذ اندلاع الثورة، اكتسبت تونس سمعة مريبة تتعلق بتزويد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) بالمقاتلين الأجانب. وعادت الحركات الإسلامية التي قمعها النظام السابق إلى الحياة العامة خلال السنوات التي لحقت الثورة.

ورغم انضمام العديدين لحزب النهضة واسع النفوذ، الذي أعرب عن رغبته في المشاركة في الحياة السياسية، انضم آخرون إلى الجماعات السلفية الأكثر تحفظاً، مثل أنصار الشريعة، والتي أقامت علاقات وطيدة مع تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من التنظيمات الإرهابية.

وتمتلك تونس حدوداً طويلةً مشتركة مع ليبيا، حيث يذهب الكثير من الجهاديين للتدريب. ومع ذلك، فإن الافتقار الفعلي لإصلاح الجهاز الأمني الداخلي يساعد على تفاقم الأمر.

وتشير هيومن رايتس وتش إلى أن قانون مكافحة الإرهاب الجديد الذي تم إقراره في عام 2015 رداً على سلسلة من الاعتداءات قد منح قوات الأمن صلاحيات الرقابة والاعتقال. ويثير ذلك مخاوف من أن تؤدي الحرب على الإرهاب إلى تفاقم المشكلة التي من المفترض أن تساعد على حلها.

وأخيراً، ووفقاً لما تشير إليه قصة نواف، سوف يعاني التونسيون لتحقيق تقدم كبير في مجال الإصلاح الاقتصادي أو الأمني، ما لم يتمكنوا من معالجة مشكلة الفساد. فإغلاق الحدود يكون عديم القيمة حيث يستطيع الإرهابيون ببساطة رشوة الحراس لغض الطرف. وتعتبر استعادة قوة الاقتصاد بالغة الصعوبة دون مكافحة الرشوة والمحسوبية.

ربما تونس دولة صغيرة نسبياً، ولكن يصعب المبالغة في مدى أهميتها في مستقبل الإقليم والعالم بأسره. فربما تونس الحرة التي تتمتع بالرخاء هي أكثر السبل فعالية لمقاومة تنظيم الدولة الإسلامية، لأن تحقيق الانتعاش الاقتصادي والديمقراطية في شمال أفريقيا يمثل تحدياً هائلاً حول العالم -أمام الجهاديين والمصابين برهاب الإسلام على حد سوا- حيث يقال إن المؤسسات الديمقراطية لا تتلاءم إلى حد كبير مع المسلمين.

يوضح ذلك السبب وراء قرار Democracy Lab بتغطية قصة تونس بهذا التعمق على مدار السنوات القليلة الماضية، والسبب وراء استمرارها حاليا في إصدار التقرير الجديد الخاص بعنوان "تونس: في الشمس والظل". ويسعى هذا المشروع إلى استكشاف جوانب التحول بالبلاد التي لا يمكنك أن تجدها في التغطيات المعتادة.

يصعب عدم تأييد تونس. فرغم انهيار شعوب بلدان الربيع العربي الأخرى وعودتها للخضوع لنير الاستبداد أو الحرب الأهلية، يواصل التونسيون السعي وراء بناء المؤسسات من أجل الوصول إلى مجتمع منفتح. ومن ثم، فهم يستحقون الدعم والإشادة.

ومع ذلك، ينبغي أن نحقق التوازن من خلال الوعي بالتحديات التي تواجهنا. سوف تنجح التجربة الديمقراطية طالما يستطيع الشعب وأصدقاؤه بالخارج الاحتفاظ بروح الصدق بشأن إخفاقاته. وبتلك الروح، ندعوكم لمواصلة القراءة.

-هذا الموضوع مترجم بتصرف عن مجلة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.