انهيار الجنيه المصري أمام الدولار.. هل تراجُع السياحة والمضاربات ومشروع القناة هي الأسباب فقط؟

تم النشر: تم التحديث:
SDSD
social media

الوضع الراهن هو الأكثر سوءاً في تاريخ الجنيه المصري الذي وصل لأقل من 8 سنتات، فصار الدولار الواحد يساوي حوالى 13 جنيهاً في السوق السوداء، وهذا الوضع وقفت وراءه عوامل كثيرة متشابكة معظمها من ممارسات الدولة والحكومات المصرية المتعاقبة منذ ثورة 25 يناير حتى الآن. هذه قراءة في دفتر "أحزان العملة المصرية" في ست سنوات فقط.


منذ ثورة يناير حتى الآن


الانهيار السريع في قيمة العملة المصرية أمام الدولار من 9 جنيهات وحتى 13 جنيهاً في أقل من عام كانت له بوادر ومؤشرات ظهرت جلية منذ الأيام اللاحقة على إعلان المجلس العسكري في مصر الذي تولى مقاليد الدولة عقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد حسني مبارك عن تراجع الاحتياطي النقدي للبلاد من 36 مليار دولار إلى 19 ملياراً ثم إلى 15 ملياراً مع بداية تولي الرئيس الأسبق محمد مرسي.

تراجع الاحتياطي النقدي من الدولار، عزز انخفاض قيمة الجنيه المصري من 5.88 جنيه لكل دولار، إلى نحو 7,05 جنيه لكل دولار، بنهاية 2013.

وتراجع الجنيه تحت وطأة المزيد من تراجع موارد مصر من العملة الصعبة خلال العامين الماضيين، فقد فقدت السياحة التي تمثل المورد الأكبر للدولار حوالى 40,5% من عائداتها التي أصبحت 3,3 مليار دولار عن الفترة المالية من -يوليو إلى مارس بالعام المالي 2015-2016- مقابل 5,5 مليار دولار عن الفترة ذاتها من العام المالي السابق، وفق آخر بيان للبنك المركزي المصري.

البيان كشف عن تراجع الصادرات السلعية التي تمثل مورداً مهماً للعملة الصعبة في مصر إلى 13,4 مليار دولار مقابل 17,1 مليار دولار بخسارة نحو 3,7 مليار دولار، فيما سجلت التحويلات الدولارية السلعية والنقدية تراجعاً واضحاً فسجلت 12,4 مليار دولار فقط مقابل 16,9 مليار دولار.


أعباء تفريعة قناة السويس


أنفقت الحكومة على مشروع توسعة القناة ما تم جمعه محلياً من شهادات قُدرت حينها بنحو 64 مليار جنيه، واقترضت نحو 850 مليون دولار، وبحسب تصريحات مهاب مميش رئيس هيئة قناة السويس، فإن التكلفة الإجمالية للقناة بلغت 4 مليارات دولار بالإضافة إلى 4 مليارات دولار أخرى لإنشاء 6 أنفاق أسفلها، وهو الأمر الذي جعل الحكومة المصرية تستخدم عائدات القناة الدولارية التي كانت تسهم بشكل حيوي في الاحتياطي النقدي المصري من العملة الصعبة في عمليات إنشاء التفريعة الجديدة وسداد كلفتها.


10 مليارات دولار صفقات سلاح


شكلت صفقات السلاح عبئاً من أعباء الانفاق واستهلاك العملة الصعبة في مصر، فبحسب تقارير رسمية وغير رسمية أنفقت مصر على التسليح خلال العامين الماضيين نحو 10 مليارات دولار، منها نحو 600 مليون دولار لشراء حاملة الطائرات الروسية (ميسترال)، إلى جانب 2,5 مليار دولار لشراء 24 طائرة فرنسية من طراز (رافال)، فضلاً عن اتفاقيات لتحسين طائرات "ميراج 2000" و"ميراج 5" الموجودة لدى الجيش المصري، بالإضافة إلى تجهيزات تتعلق بالملاحةا لجوية، والحرب الآلية، وأجهزة رادار محسنة.


المعونات الخليجية لم تساعد الجنيه


نظمت مصر العديد من المؤتمرات لجذب الاستثمارات الأجنبية تحسيناً للأوضاع الاستثمارية المتأخرة بعد أحداث 3 يوليو 2013، وقدمت بعض دول الخليج كالسعودية والكويت والإمارات والبحرين وسلطنة عمان، معونات ومنحاً عينية في صورة مواد بترولية ونقدية أيضاً، بالإضافة إلى ودائع دولارية بالبنك المركزي، وذلك لتعزيز احتياطي مصر من الدولار.

وذكر بيان للبنك المركزي المصري أرسله للجنة الاقتصادية بمجلس النواب، أن مصر تلقت مساعدات منذ عام 2011 بلغت نحو 29 مليار دولار، لكن كل هذه المليارات والمعونات العينية والودائع لم تساعد الجنيه المصري على النهوض من عثرته خاصة في ظل التشكك في عمليات إنفاق هذه المساعدات وأين ذهبت، كما تطرقت بعض التقارير الصحفية لذلك.


الاتجاه إلى "الدولرة"


يقول الدكتور "مدحت نافع" أستاذ التمويل والخبير الاقتصادي لـ "هافينغيتون بوست عربي"، إن الاتجاه إلى "الدولرة " وهو مصطلح يعني تحويل المدخرات في البنوك من الجنيه إلى الدولار كان سبباً رئيساً من أسباب الانهيار السريع للجنيه أمام الدولار، وقد لجأ الكثير من المصريين لـ "الدولرة" تحت وطأة تراجع قيمة الجنيه، خاصة مع استمرار التوقعات بمزيد من التراجع لقيمة الجنيه، فالذي كانت مدخراته تبلغ مليون جنيه مصري قبل عام من الآن، فقد أصبحت قيمتها الحقيقة الآن تقل عن 700 ألف جنيه بنسبة تراجع تبلغ 30%، وعزز ذلك التراجع ارتفاع التضخم وارتفاع أسعار السلع، التي معظمها مستوردة- ما أفقد الودائع بالجنيه المصري لقيمتها.


المضاربة العنيفة على الدولار


ويرى سعيد أنه لا يمكن إغفال دور المضاربة العنيفة على الدولار كإحدى الأسباب التي أسهمت في هذا الانهيار السريع والتاريخي في قيمة الجنيه المصري، فمع فقدان البنك المركزي المصري لأدواته الواحدة تلو الأخرى بجفاف شديد أصاب احتياطي النقد الأجنبي، وكذا توقف تدفق المساعدات من الدول الخليجية، نشطت السوق السوداء للنقد الأجنبي وتحركت أسعار النقد الأجنبي في قفزات حادة سريعة أسهم فيها دخول قطاعات شعبية واسعة لأول مرة في المضاربة على الدولار، طمعاً في ربح سريع تخطي في أيامه الأخيرة لأي استثمار شرعي في مصر، ووقف البنك المركزي أمامها مكتوف الأيدي لا يجد سوي الحملات الأمنية لمواجهة تجارة العملة غير الشرعية.


"روشتة "الخبراء لإنقاذ الجنيه


يؤكد الدكتور مدحت نافع أستاذ التمويل، بأنه يجب الإسراع بوقف التعامل بالدولار داخل مصر، ورفع القيود على حركة إيداع وتحويل النقد الأجنبي أصبح أمراً مهماً لإعادة الثقة وإعادة تدفق تحويلات العاملين في الخارج إلى داخل الجهاز المصرفي، كذلك يجب البدء فوراً في التعامل مع مشكلات جانبي العرض والطلب الدولاري في الأجلين المتوسط والطويل.

وطالب بضرورة تقديم كل أوجه الدعم لرواد الأعمال وصغار المصنعين من أجل ترشيد الاستيراد وتصدير فوائض الإنتاج على أن يشمل الدعم الخدمات التسويقية والتدريب التأهيلي والتمويل، وكذلك العمل على حل مشكلات المصانع المتوقفة ووضع تمويل المشروعات القومية عبر موارد حكومية، وخاصة من النقد الأجنبي في أولوية متأخرة نسبياً لحين مرور الأزمة.

أما ممدوح الولي الخبير الاقتصادي، فيقول لـ"هافينغيتون بوست عربي"، إن الحل الحقيقي للخروج من الأزمة هو عودة الثقة أولاً لمناخ الاستثمارالداخلي، وتذليل المعوقات الاقتصادية الاستثمارية من ارتفاع تكلفة التمويل وندرته وقلة الأراضي الصناعية المرفقة ونوعية العمالة.

ومن ناحيته يرى الخبير المالي محمد سعيد، ضرورة قبول السلطات النقدية في مصر للسعر الحالي للجنيه أمام الدولارن سعراً عادلاً أو حتى أعلى من ذلك دون الدفاع عنه في معارك غير مجدية بعطاءات نقدية.

ويؤكد أنه يجب على الدولة الآن التحكم في الإنفاق العام الذي شهد إسرافاً شديداً، خاصة في المشروعات القومية العملاقة ذات العوائد طويلة الأجل، كما أن الدولة أصبحت مطالبة بشكل ملحٍّ بإعادة النظر فيما يُنفق على فاتورة الدعم، وإعادة صياغته بعد اكتشاف العديد من حالات تسرب الدعم لغير مستحقيه.