شاعران وقنبلة.. في ذكرى هيروشيما: ماذا قال شاعر أميركي وآخر ياباني عن المأساة؟

تم النشر: تم التحديث:
HYRWSHYMA
هافينغتون بوست عربي

منذ 71 عاماً سقطت قنبلة مجنونة على هيروشيما اليابانية، فأنهت إمبراطورية وشطرت قصيدة إلى نصفين، غير ما أوقعته من ضحايا.

القصيدة التي فجرتها هيروشيما تقاسم إيقاعها شاعران، أحدهما مات من أثر السرطان الذي خلفته القنبلة الأميركية على بلاده، والثاني أميركي انهزم أمام ذلك الدمار الذي كان يعارضه فانتحر بعدها بسنوات.

وبين القصيدتين شظايا ذكريات لا تزال صالحة للقراءة والتأمل؛ حتى لا ينتحر الشعراء كما فعل الأميركي من أثر الجريمة التي ارتكبتها بلاده.

الأميركي راندال غاريل، والياباني سانكيشي توجي، شاعران عاشا لحظة إلقاء القنبلة النووية الأميركية على هيروشيما اليابانية قبل 71 عاماً، وعاشا قليلاً ليكتبا عن الحرب والقنبلة وليتركا للإنسانية شعراً فيه دروس، فمن يقرأ؟


توجي.. قصيدة ماتت في هيروشيما


هو مواطن ياباني ممن يطلق عليهم الـ "هيباكوشا" أو الناجون من القنبلة النووية التي قصفت هيروشيما. ولد في اليابان في العام 1917، وبدأ كتابة الشعر في عمر 18 عاماً.

عاش مأساة القنبلة، وهو في الـ 24 من عمره ونجا منها، ليكتب عنها مجموعة من القصائد قبل أن يموت بسبب سرطان الدم الذي كان أحد آثار القنبلة النووية، في عمر الـ 36.



shar2

تعرض توجي للقنبلة التي سقطت على بعد 3 كيلومترات منه. وبعد أن نجا من الكارثة أسس حركة للسلام مع غيره من الشباب اليابانيين. وفي 1950 اندلعت الحرب الكورية، وفي تلك المناسبة ألمح الرئيس الأميركي هاري ترومان أن بلاده قد تستعمل السلاح النووي مجدداً.

عندما سمع توجي هذا الخطاب، قرر أن ينشر أنطولوجيا عن القنبلة النووية ليدعو إلى السلام في العالم، رغم الحظر الشديد على الصحافة والنشر من قبل الحلفاء، وفي العام 1951 قدمت قصيدته للجمهور في مؤتمر برلين للسلام وكان لها صدى كبير في أنحاء العالم.

وعلى النصب التذكاري المهدى إلى روحه نقشت قصيدته "هيروشيما لا مزيد":

رُدّوا لي البشر
ردوا لي أمي وأبي
جدي وجدتي
أبنائي وبناتي
ردوا لي نفسي
وأعيدوا البشر لإنسانيتهم
ما بقيت هذي الحياة
ردوا لي في هذي الحياة
سلاماً لا ينتهي
(سانكيشي توجي)

يحكي عنه أحد أصدقائه، الشاعر الياباني هيرومي ميشو، فيقول، "كان فيه شيء من الأنوثة أو الرقة والرومانتيكية. عندما ذهبتُ إلى منزله - شقة في وسط هيروشيما - وجدت قصيدة حب ناعمة معلقة على الجدار، رغم أن أسلوبه بدا لي جريئاً وتقدمياً. أذكر أني دهشت لرؤية تلك القصيدة. كانت القصيدة من كتاباته عندما كان يكتب القصيدة الرومانتيكية".

في ذلك الوقت كان شعر توجي يقرأ في تجمعات العمال في مصانع الصلب بهيروشيما، حيث كانوا يهللون له ويحتفون بشعره. وأذكر أنه قال لي يوماً هناك بحماس كبير:

"أفكر في أن أحشد الشعراء الشباب وأبدأ حملة لأسلوب الشعر الجديد".

وقد بدأ بالفعل نشر مجلة باسم “قصائدنا”، وكان توجي يقول دائماً "علينا أن نغير أنفسنا وشعرنا”. وكنا نناقش قضايا مثل "ما نوعية الشعر الذي يحتاجه العامل الآن؟".

وفي ذلك الوقت كان توجي يحارب روحه ليتخلص من الموسيقى في شعره، ويتحرر باتجاه قصيدة النثر معي، وفي العام 1951 نشر توجي كتابه "قصائد القنبلة الذرية" ليقرأه العالم.

ومررت ببيته ذات يوم لأجد النسخ ولأجده كتب على نسختي إهداء يقول : "الرياح ترتفع/ علينا أن نحاول أن نحيا".

ومن مقاطع قصائده عن القنبلة النووية أيضاً:

ذلك السكون
الذي خيم على صدر المدينة
وأسكت سكانها الثلاثمائة وألف
كيف أنساه..
وسط ذلك الهدوء؟!
كيف أنسى توسلات زوجة وطفل رحلا..
تطل من محاجر العيون..
تخرق عقولنا وأرواحنا؟!

**

يا من تبكين بلا قنوات للدمع
يا من تصرخن بشفاة لا تقوى على الكلام
يا من تحلمن بعناق ما
ولا بشرة لكُنَّ لتشعرن باللمسات
يا صاحبات الأطراف المرتعشة
والدم الذي يرشح
والعيون شقوق منتفخة ببياضها
لا ملابس تستركن
ولكن لا خجل الآن
قبل لحظات كنتن في قاعات الدرس
تشتعلن بالحياة والبهاء
قبل لحظات..
من يصدق هذا الآن؟

**

أيها الصغار
لا تصمتوا
تكلموا
قاوموا الكبار في العالم كله
-أرباب الحرب-
اصرخوا فيهم
بأصوات ناصعة
وعيون تلمع
افتحوا أذرعكم
حرروها.. لتعانقوا الجميع
امنحوا الجميع عناقاً
يعيد دموع الطيبة للقلوب
وغنوا لهم: نحن أطفال هيروشيما


راندال غاريل.. حارب وانتحر


ولد الشاعر الأميركي راندال غاريل في العام 1914، مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. درس علم النفس قبل أن يلتحق بسلاح الجو الأميركي في العام 1942، حيث أصبح مدرباً للطيارين. عاش طفولة سعيدة، لكن تجربته مع الحرب جعلته يعاني التعاسة والمرارة. فكل من عرفوه قالوا إنه بعد العام 1942 لم يعش لحظة سعادة واحدة.



shar

“خسائر" للشاعر الأميركي راندال غاريل:

قرأنا بريدنا
وراجعنا مهماتنا
في قاذفات قنابل تحمل
أسماء فتياتنا
أحرقنا مدناً
تهجينا أسماءها في كتب المدرسة

لم يكن موتاً: فقد مات الجميع
لم يكن موتاً: متنا كلنا من قبل
في الارتطام الرتيني – وحقولنا
هاتفنا الصحف، كتبنا لأهلنا
وارتفعت الأسعار،
كل هذا بسببنا نحن
لقدمتنا في الصفحة الخطر من الدليل
مبعثرين على جبال بعيدة
نغطس في كومة قش، نتعارك مع صديق
نشتعل على الجبهات التي لم نرها من قبل
متنا كالخالات أو كالحيوانات الأليفة
أو كالأجانب


كانت وفاة راندال غاريل بعد أن صدمته سيارة في العام 1965، محاطةً بالغموض. قيدت الواقعة حادث سير، لكن كثيرين ممن عرفوا غاريل عن قرب قالوا إنه انتحار، وهو ما رجحته وثائق تم اكتشافها بعدها بسنوات.

فقد كان غاريل ينتمي لجيل من الشعراء الأميركيين الذين عانوا من إدمان الكحوليات والمرض العقلي وماتوا مبكراً، مثل هارت كرين، وديلان توماس، وروبرت لويل.

نشر غاريل 5 دواوين شعر بين عامي 1940 و1951، ثم توقف لـ 9 سنوات قبل أن ينشر كتاب "المرأة في حديقة حيوان واشنطن"، في العام 1960 وكان ثلثه ترجمة لقصائد الشاعر الألماني ريلكه. بعدها توقف عن كتابة الشعر، إلى أن أنهى حياته

وفي نهاية الحرب العالمية الثانية، قامت الولايات المتحدة بقصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي باستخدام قنابل نووية؛ بسبب رفض تنفيذ إعلان مؤتمر بوتسدام، وكان نصه أن تستسلم اليابان استسلاماً كاملاً بدون أي شروط، إلا أن رئيس الوزراء الياباني سوزوكي رفض هذا التقرير وتجاهل المهلة التي حدَّدها إعلان بوتسدام.

وبموجب الأمر التنفيذي الذي أصدره الرئيس هاري ترومان، قامت الولايات المتحدة بإطلاق السلاح النووي "الولد الصغير" على مدينة هيروشيما يوم الاثنين 6 أغسطس/آب من العام 1945، ثم تلاها إطلاق قنبلة "الرجل البدين" على مدينة ناغازاكي في 9 أغسطس/آب من ذات العام. وكانت هذه الهجمات هي الوحيدة التي تمت باستخدام الأسلحة النووية في تاريخ الحرب.