العرب يكرهون سايكس.. ولكن هكذا يراه أفراد أسرته!

تم النشر: تم التحديث:
SAYKS
SOCIAL MEDIA

كثيراً من مشاكل المنطقة يعزوها العرب إلى اتفاقية سايكس- بيكو التي أبرمت عام 1916، والتي كانت تفاهمًا بين فرنسا والمملكة المتحدة على أقتسام منطقة الهلال الخصيب، بين فرنسا وبريطانيا لتحديد مناطق النفوذ في غرب آسيا بعد تهاوي الدولة العثمانية.

تسببت الاتفاقية في تقسيم المنطقة ووقوع العديد من الكوارث في الشرق الأوسط، ومع ذلك فإن حفيد سايكس وكاتب سيرته يقول لنا، إنه من الخطأ إلقاء اللوم والعبء على سايكس في كل المشاكل اللاحقة بالشرق الأوسط، والتي تورط اسمه فيها دائماً.

وفي مقال لكريستوفر سيمون سايكس نشرته صحيفة الديلي بيست البريطانية يكشف الحفيد الطفولة البائسة لمارك سايكس وكيف أصبح خبيراً في شؤون الشرق وهو ما زال شاباً، ويروج إلى أنه لو طال به العمر لقلل من المآسي التي لحقت بالمنطقة التي ساهم في تقسيمها ورسم حدود دولها.

لا أحد يعرف معلومات كثيرة عن الرجل، والمادة أدناه سوف تقدم بعض المعلومات لكن من منظور حفيده، فهل تشاركه الرأي؟


إليكم نص المقال


كان جدي السير مارك سايكس في سن السادسة والثلاثين عندما وُقّعت واحدة من أكثر المعاهدات إثارة للجدل في القرن العشرين، وهي معاهدة سايكس بيكو التي وُقّعت عام 1916.

فقد وُضع الاتفاق السري بين فرنسا وبريطانيا بعد مرور عامين من الحرب العالمية الأولى بهدف تقسيم للإمبراطورية العثمانية في حال انتصارهم في الحرب.

وأدى الاتفاق أيضاً لوضع حجر الأساس لقيام دولة إسرائيل وتحديد الحدود الوطنية للدول، والذي لا يزال قائماً، وتواجهه عديد من التحديات في الوقت الحالي.

ورسم السير مارك سايكس ونظيره الفرنسي فرانسوا جورج بيكو، خطاً على خريطة المنطقة الواقعة من عكا في فلسطين (الآن شمال إسرائيل) إلى كركوك في العراق اليوم.

لتكون المناطق شمال هذا الخط -وتضم الآن سوريا ولبنان- لفرنسا، بينما المناطق الواقعة جنوب هذا الخط مناطق نفوذ وتأثير بريطاني، وتضم مناطق البصرة وبغداد وشرق الأردن (الأردن) وفلسطين.

وكانت تلك العملية نوعاً نموذجياً من دبلوماسية أوقات الحروب المعتمة بشكل متعمد، إذ حاول كل طرف بذل قصارى جهده لعدم إخبار الآخر بما يريده بالضبط. ولكن بالنسبة للعرب، فهم لم يكونوا طرفاً في ذلك الأمر، ولم يحصدوا من نتائجه سوى المعاناة.

حصل العرب على وعود مبهمة بأنهم سيقيمون مملكتهم الخاصة في مقابل القتال إلى جانب الحلفاء، ولكن أياً من هذه الوعود لم يتحقق.

فتبددت آمال العرب خلال مؤتمر باريس للسلام عام 1919، إذ كانت القوى العظمى الأوروبية على استعداد لتقديم أفضل الاتفاقيات لنفسها بعد الحرب، ولم تولِ سوى قليل من الاهتمام لحقوق وتطلعات الدول الصغرى وشعوبها الذين كانوا يتطلعون لتكوين دولة مستقلة بهم. وكان هذا الأمر سبباً في الكثير من العداء القديم الذي لا يزال يسمم المنطقة إلى يومنا هذا.

وفي كتابي القادم عن السيرة الذاتية لمارك سايكس، لا أحاول تحليل المعاهدة نفسها بأي تفاصيل دقيقة، وإنما أحاول استكشاف الرجل نفسه، والإجابة على هذا السؤال المحير: كيف لشاب في هذا السن الصغير أن يكون بهذه المكانة من النفوذ وسط وجوه الصف الأول؟! وفي بداية الإجابة على هذا السؤال، تكشَّفت أمامي عديد من الأكاذيب بخصوص أمراض الطفولة.


طفولة غير سعيدة


كان مارك طفلاً وحيداً، جاء إلى الدنيا نتيجة زواج تقليدي بين جيسيكا كافنديش بنتينك، الشابة الممتلئة بالحيوية ذات الـ 18 عاماً، والسير تاتون سايكس، المعروف بأنه شخص غريب الأطوار وكاره للنساء. وكان سايكس بارونا في يوركشاير، ويكبرها بثلاثين عاماً.

كان ذلك الزواج غير سعيد بالمرة، وقد قضى مارك طفولته وحيدًا في منزل سلادمير، منزل العائلة الكبيرة في يوركشاير القاحلة، وهي بقعة كئيبة وغير رحيمة في شمال شرق إنكلترا. فكانت الكتب هي رفاقه، واعتاد أن يقضي الساعات في المكتبة الرائعة المكونة من طابقين، التي تضم مجموعة رائعة من الكتب، والتي أنشأها له عمه العظيم.

وقد كتب لاحقًا "لقد تمتعت بميزة عمري، وهي الحصول على مكتبة كبيرة جداً في سلادمير وذلك قبل أن أكمل سن الـ 12 عاماً؛ فأصبحت على معرفة بأعداد مجلة Punch وأخبار لندن المصورة لسنوات عديدة سابقة".

قرأ الصبي مجلدات في فن الحرب والتحصين، والعديد من كتب السفر. والتهم أعمال ديكنز وسويفت وشكسبير، حتى أصبح قادراً على الاقتباس منهم بإسهاب عن ظهر قلب.

وأحب على وجه الخصوص ترجمة ريتشارد فرانسز بورتون لألف ليلة وليلة، والتي ساهمت هوامشه الصريحة في تربيته الجنسية.

وعندما أصبح مارك شاباً أُرسل إلى المدرسة، لكنه أصيب فجأة باحتقان الرئتين، وعندما تعافى قرر أن مناخ الشتاء الرطب ليوركشاير كان أسوأ شيء يمكن أن يحدث له.

ومن هنا بدأ يقضي شهور الشتاء بالخارج مسافراً مع والده، الذي اعتاد قضاء ثلاثة أشهر من كل عام مرتحلاً إلى بلاد الشرق. وقد ساهمت تلك الرحلات في تنمية مارك وتعليمه أكثر من أي شيء آخر تعلمه في المدرسة.

وكتب لاحقاً "قبل أن أكمل الـ 15 عاماً، زرت أسوان والتي كانت قريبة للغاية من حدود الدراويش"، حيث المهدي القائد الروحي والذي نصّب نفسه مُخلّصاً للإسلام، والذي قاد الحركة التي اجتاحت السودان، وأنشأ ما سُمي عند السابقين بالدولة الإسلامية.


حافي القدمين


وكتب أيضاً "ثم ذهبت إلى الهند، حيث اللورد لانسداون فايسروي، وخضت بعض الاستكشافات في الصحراء العربية، كما تمتعت بميزة أنني كنت حافي القدمين بين العرب. وذهبت أيضاً في رحلة إلى المكسيك والتي وصلتها عندما كان (الديكتاتور) بورفيريو دياز في أوج قوته".

ومع عودته للمدرسة، جذب سايكس حشداً كبيراً من حوله للاستماع إلى قصصه غير العادية التي كان يقولها.

وما بين جلوس القرفصاء، وتدخين النارجيلة، استمتع مارك بأمور أخرى إلى جانب حكاياته عن الرحلات مع والده، أضف إلى ذلك النوم في الخيام على بحر الجليل، والمشاهد المروعة التي شاهدها في مستشفى الأمراض العقلية في دمشق.

وقد أيقظت رحلات مارك مع والده فيه سحر الشرق والذي لم يتركه قط، إذ حصد ثماره الأولى في كتابه "خلال خمسة مناطق تركية -Through Five Turkish Provinces"، والذي نُشر عام 1900 عندما كان طالباً بالمرحلة الجامعية، وهي تتحدث عن رحلة قام بها عام 1898، خلال الإجازات الدراسية بعد السنة الأولى التي قضاها في جامعة كامبريدج، إذ ارتحل خلالها إلى شمال دمشق وحوران، البلدة الدرزية الجبلية النائية، وهي المنطقة التي وطأ قليل من الغربيين أقدامهم فيها.

أخذ مارك كل صوره الخاصة، وسافر وحيداً، بمعزل عن العبيد الذين يصفهم في الصفحات الأولى بالتالي: ترجمان (مترجم، ومرشد)، وطباخ، ونادل، وسائق بغال وسائس، بالإضافة إلى، "كلب رعاة كردي يجيب على اسم بارود، أي مسحوق البارود". والذي لا يتابع ما يجري في المعسكر طوال اليوم، ولكن "بعد حلول الظلام يتعهد بمسؤولية حمايته".

بعد أربع سنوات أخرى، نشر مارك كتاب "دار الإسلام: رحلة خلال 10 مناطق آسيوية تركية - Dar-ul-Islam: A Journey through Ten of the Asiatic Provinces of Turkey " وبدأ الحديث فيه بوصفه خبيراً في شؤون الإمبراطورية العثمانية.


خطاب جامح


لكن ذلك لم يحدث إلا حينما صار عضواً في البرلمان، فقد حقق هدفه وحصل على مقعده في يوليو 1911.

وكان خطابه الأول جامحاً ومؤثراً تحدث خلاله عن المخاطر التي تواجهها الحكومة من عدم وجود سياسة حقيقية لها في الشرق الأوسط، المنطقة التي اعتَقد أنها ذات أهمية إستراتيجية كبرى.

فكتب له الدبلوماسي أوبري هيربرت "في حالة الصمت التامة نادرة الحدوث بالمجلس، نتقدم بكل التقدير لإسهامك المتميز في المناقشات".

كان حظ مارك الجيد في أن المتحدث التالي يكون رئيس الوزراء هيربرت هينري أسكويث، فقال "إن واجبي المعهود، إن يسمح لي هذا الرجل الشريف، فإنني أهنئه تهنئة حارة على خطابه الناجح الواعد الذي لم أسمع طيلة حياتي أول خطاب بالمجلس لأحد نوابه بذلك الأسلوب".

عندما اندلعت الحرب عام 1914 ووقف الأتراك إلى جانب الألمان، صار من الواضح أن ما سيحدث للإمبراطورية العثمانية ذو أهمية كبيرة. وبحثاً عن ذوي المعرفة القادرين على المساعدة في تحديد مستقبل تلك المنطقة الشاسعة، اتجهت عيون وزير الحرب اللورد كتشنر للشاب سايكس، فتلقى تدريبه مع كتيبته للذهاب للجبهة.

ثم استدعته وزارة الحرب ليكون ممثلاً شخصياً عن كتشنر في لجنة بنسن التي تشكلت "لدراسة طبيعة الرغبات البريطانية في تركيا بآسيا حال انتصارها في الحرب".

وبفضل هذا المنصب، وجد سايكس نفسه في مايو عام 1916 موقعاً على معاهدة سايكس بيكو التي قسمت بفاعلية حصص الإمبراطورية العثمانية التي ستنحل بعدها قريباً بين البريطانيين والفرنسيين والروس.

وبشكل مأساوي، أصبح مارك ضحية للإنفلونزا الإسبانية التي اجتاحت أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، وتوفي في فندق قريب من حدائق التويلري في باريس قبل مؤتمر السلام الحاسم الذي بدأ في فبراير 1919.


هل يتحمل مسؤولية مشاكل الشرق الأوسط؟


يقول الدبلوماسي وكاتب اليوميات هارولد نيكلسون، وهو صديق مارك، إنه تحسر على خسارة "مثابرته وحماسه وإيمانه الدائم"، والذي أدى لظهور القومية العربية والصهيونية، وكلاهما كان مفيداً للمجهود الحربي.

كتب نيكلسون عن ذلك "بطبيعة الحال، ارتكب سايكس أخطاءً مثل معاهدة سايكس بيكو، ولكنه يحتفظ بأفكاره وحماسه العبقري".

لا يستطيع أحد أن يعرف التأثير الذي ألحقه مارك بكثير من الأحداث اللاحقة، لكن من الخطأ إلقاء اللوم والعبء على سايكس في كل المشاكل اللاحقة بالشرق الأوسط، والتي تورط اسمه فيها دائماً.

حتى جورج أنطونيوس، المؤرخ الأول الكبير للقومية العربية، أقر بالاختلاف؛ فأنطونيوس لم يكن مرحباً بمعاهدة سايكس بيكو، وكان يطلق عليها "الوثيقة المروعة.. ناتج الجشع في أسوأ أشكاله"، وأيضاً "النموذج المذهل للتعامل المزدوج". لكنه كتب "بالنسبة لليهود وللعرب والبريطانيين على حد سواء. يكاد يصل موت مارك السابق لأوانه إلى مستوى الكارثة".

ويضيف أنطونيوس، "لو كان حياً، فربما تمكن عرضه للحقائق وتوقعاته للعواقب أن يملأ عقول الساسة بتلك المخاوف، والتي في الغالب تكون بداية للحكمة السياسية".

ومن هنا ينبغي أن نطلق تحية كبيرة لشاب مثالي، كان يحاول حقاً بذل قصارى جهده للمنطقة والبلد.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة thedailybeast البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.