60 تمثالاً على هيئة ذئاب تمسك بمسدسات وتجسّد بمخالبها تحية هتلر.. ماذا ستفعل وسط برلين؟!

تم النشر: تم التحديث:
3
theguardian

في ميدان واشنطن بلاتس، وهو الساحة الخرسانية المقابلة لمحطة برلين المركزية، يُنتظر أن يشرف 60 تمثالاً على هيئة مستذئبين أمام المارة. وقد صُنعت تلك التماثيل من مادتي الحديد والبرونز، وبعضها يبلغ طوله أكثر من مترين.

وتلوح تلك التماثيل في الأفق خارج محطة برلين هوبت بانهوف، إذ تظهر أنيابها مفتوحة كأنها تعوي في الفراغ، كما تجسد مخالبها التحية النازية الشهيرة، وفقاً لما نشرته صحيفة The Guardian البريطانية.

وعلى الرغم من أن الذئاب المفترسة الحقيقية بدأت في الظهور مرة أخرى في ألمانيا خلال السنوات الأخيرة، فتلك التماثيل لا تشير إلى ذلك التهديد بل إلى تهديد آخر، وهو العنصرية.


العنصرية صارت قاعدة


1

يقول راينر أوبولكا، وهو صاحب ذلك العمل الفني الذي يحمل اسم "الذئاب تعود"، إنه أراد إثارة المناقشات حول الأمر. ويوضح ذلك قائلاً: "ما الذي يمكننا أن نفعله كي يتوقف الناس عن الكراهية للأبد؟ ففي ألمانيا، تبدو الأمور كما لو أن العنصرية قد صارت قاعدة، وأنا لا أرغب أن يعتاد الناس ذلك الأمر".

وظهرت ذئاب أوبولكا في أعقاب الأسبوع الذي ترك ألمانيا تعاني من حالة تخبط بكل الأحداث التي احتوته، بدءاً من تعرض لاجئ أفغاني يحمل فأساً لعدد من ركاب القطار بالقرب من فورتسبورغ، مروراً بحادث إطلاق النار الدامي بميونيخ، وتلاه حادث قتل أحد اللاجئين السوريين امرأة ألمانية مستخدماً منجلاً في جنوب ألمانيا، وانتهاءً بالقنبلة التي انفجرت في بلدة آنسباخ، وكلها حدثت في غضون أسبوع.

وتسببت اثنتان من تلك الهجمات - اللتان نفذهما اثنان من طالبي اللجوء اللذين تربطهما علاقة بتنظيم الدولة - في مخاوف من أن تستغل الجماعات اليمينية تلك الأحداث. فمنذ أن أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ترحيبها بمئات الآلاف للقدوم إلى ألمانيا، بدأ تسليط الضوء على السلوكيات التي يتم اتباعها في التعامل مع الأقليات.

يقول أبولكا: "يرى كثير من الناس الإرهاب على التلفاز، وهذا يجعلهم خائفين. فهم لا يرون الاختلاف بين الإرهابيين والناس الذين هربوا من الإرهاب".

فمنذ عام 2015، سجّل مكتب الشرطة الجنائية الفيدرالي 1031 جريمة ضد اللاجئين المقيمين بألمانيا، وذلك سواء من خلال رسومات الغرافيتي المناهضة لهم أو حالات حرق ممتلكاتهم التي بلغت 94 حادثاً.


الدافع وراء التماثيل


وكانت أحداث حرق الممتلكات هي الحافز الذي دفع أوبولكا للبدء في نحت تماثيل الذئاب. يقول الفنان "منذ عصر توماس هوبز، تجسد الذئاب الصراع الداخلي الاجتماعي للرجال. وأنا لازلت أتبع ذلك التقليد، وأريد أن أظهر تلك الصراعات وأن أستخدم الذئاب باعتبارها صورة مجازية لذلك".

وقد امتدت العنصرية لأبعد من ممارستها ضد طالبي اللجوء، وهو الأمر الذي شهده الفنان الذي يعيش في ولاية براندنبورغ. ويتذكر أبولكا عندما شاهد رجلاً ألمانياً يهاجم تركياً في هامبورغ، إذ يصف ذلك الأمر قائلاً: "لأنه تركي وحسب، وهذا الأمر صدمني".

وكانت تلك الذئاب معروضة بالفعل في مدنية درسدن - التي تعتبر موطن حركة بيغيدا المناهضة للإسلام - وأيضاً مدينة بوتسدام التي تقع على حدود العاصمة الألمانية. ويُنتظر أن تعرض تماثيل الذئاب ببرلين، في القبة الزجاجية للرايخستاغ (البوندستاغ الألماني حالياً) وهو مبنى البرلمان الألماني، لكي تقع عليه أعينهم مباشرة.

ومع اقتراب الانتخابات الفيدرالية في سبتمبر/أيلول القادم، يقول أبولكا: "أريد لتلك التماثيل أن تحذّر الناس كي يفكروا بحرص فيما يتعلق بقرارهم خلال العملية الانتخابية". وقد تكون نسبة 5% كافية لحزب البديل من أجل ألمانيا، وهو حزب مناهض للمهاجرين، لكي يحصلوا على أول مقاعد لهم في البرلمان.


تصاميم مختلفة


2

وثمة 8 تصميمات مختلفة بين مجموعة تماثيل الذئاب. فأحدها يمثل الدهماء، ويصفه أبولكا بـ"التابع الأعمى". أما الثاني فإنه يمسك مسدساً، وهو يمثل عمليات القتل القائمة على رهاب الأجانب التي ارتكبها مجموعة النازيون الجدد المسماة "الاشتراكيون القوميون تحت الأرض" خلال العقد الأول من الألفينات.

وفي الوقت الحالي يتناول أحد المسلسلات التي تعرضها شركة نتفليكس للإنتاج، تلك المجموعة النازية التي كانت مسؤولة عن قتل 10 أشخاص، 8 منهم أتراك بالإضافة إلى يوناني وضابط ألماني، بدافع عنصري.

وتعد مجموعة أبولكا مثالاً واحداً عن الكيفية التي يحاول بها فنانو برلين إرشاد آراء العامة خلال الأوقات العصيبة؛ لكي يشجعوا البلاد على مواجهة العنصرية.

تقول كريستا جو هيون دانجيلو إنه من المهم أن نفهم تاريخ ألمانيا لكي نفكك السلوكيات الحالية تجاه العرق والهوية. وتدور أحداث فيلمها "الزمن الماضي الحاضر"، الذي أنتجته عام 2015، حول سلسلة من المقابلات التي تناقش تجارباً شخصية للأفراد في مواجهة العنصرية بالمدينة، ليس فقط في الوقت الحالي، بل وأيضاً في الأيام التي تلت إعادة توحيد ألمانيا مباشرة.

تقول الناشطة أنيتا كاهانا في مقابلة مصورة: "إن برلين في التسعينات كانت رومانسية بشكل كبير. فقد كان المشهد ممتعاً للغاية ولا يمت بأي صلة لذلك التزايد الكبير في صعود المتطرفين اليمينيين والنازيين الجدد".

وترى دانجيلو أصداءً لذلك الأمر، الذي قدُم في الأساس من الولايات المتحدة، في برلين اليوم. وعن ذلك تقول: "ثمة حالة خاصة من اللامبالاة التي تصاحب مشاهد الحياة الليلية. ويشمل ذلك الأمر معظم أصحاب الطبقة المتوسطة البيض من الأوروبيين والأميركيين الذين يبدون غير مدركين وغير مهتمين بالموقف الجيوسياسي الذي يدور في ألمانيا".

وقد بدأت فكرة الفيلم في الاختمار جرّاء إحدى النقاشات التي أجرتها مع أحد الأصدقاء الذي توفي منذ فترة. توضح دانجيلو قائلة: "كنا نتحدث عن التوتر العنصري في برلين، إذ واجه كثير من أصدقائنا اعتداءات عنصرية، بما في ذلك الإهانات العنصرية والصراخ في وجوههم في الشارع".

تتذكر دي جي دريا بافل، التي نشأت في مدينة دوسلدورف، حالة الخجل التي اعتادت الشعور بها كونها تنتمي إلى شعوب الرومان الغجرية. ومن الصعب إقناع أهل برلين للحديث عن ذلك الأمر، إذ تقول: "لن تتمكن من الحديث عن العنصرية مع الألمان أبداً. فإنهم يظهرون دفاعيين للغاية فيما يتعلق بذلك الأمر". وبدلاً من ذلك، فإنها تتحدى الصورة النمطية من خلال ظهورها أكثر تفتحاً عن طريق إخبار الناس أنها تفخر الآن بجذورها. وتوضح بافل الأمر قائلة: "الناس تعتقد أن الرومان الذين هم مثلي غير موجودين. أنا دي جي، أنثى. وأنا رومانية. ففي المعتاد لا تفعل نساء الرومان ذلك الأمر".

وقد دافعت أنجيلا ميركل الأسبوع الماضي عن سياستها التي انتهجتها لفتح أبواب ألمانيا أمام اللاجئين، إذ قالت: "يمكننا أن ندبر الأمر".

وفي أعقاب الهجمات التي وقعت في يوليو/تموز ستكون تماثيل الذئاب جزءاً من مخالب ألمانيا التي ستظهرها من أجل التغيير، وسيتوجب على الوافدين من خلال محطة برلين هوبت بانهوف أن يأخذوا حذرهم من تلك الذئاب.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.