فكرة تقشعر لها الأبدان.. أميركا ترفع الحظر عن زراعة أعضاء بشرية داخل أجسام الحيوانات

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

أعلنت وكالة معاهد الصحة الوطنية الأميركية الخميس 4 أغسطس/أب 2016 عزمها رفع الحظر عن تمويل برامج الأبحاث التي تحقن الخلايا الجذعية البشرية في الأجنة الحيوانية.

وأعلنت معاهد الصحة الوطنية الأميركية -وهي أحد الأقسام التابعة لوزارة الصحة الأميركية والمعنية بالبحث العلمي في مجال الصحة والطب- عن قرارها عبر مدونة كتبتها كيري وولينيتز المديرة المساعدة للسياسة العلمية وفي السجل الفيدرالي، وفق تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الخميس 4 أغسطس/آب 2016.

الهدف من القرار هو محاولة زرع الأنسجة البشرية في الحيوانات بغية التوصل إلى فهم أدق وأعمق للأمراض البشرية وتطوير العلاج لها.

ولطالما دأب العلماء على حقن الخلايا البشرية في الحيوانات، كزرع أجزاء من الأورام البشرية داخل الفئران لاختبار العقاقير التي قد تنجح في القضاء على الأورام، إلا أن أبحاث الخلايا الجذعية عالمٌ آخر مختلف كلياً، فالخلايا الجذعية تحقن في الأجنة الآخذة في النمو والتخلق، وبهذا فلها أن تنمو وتتحول إلى أي نوع من الخلايا لا على التعيين، كأن تصبح خلايا أعضاء جسم أو خلايا دم أو خلايا عظمية.

وبرفع الحظر قد يستفيد المرضى مثلاً عبر تشجيع الأبحاث التي تزرع كلية بشرية داخل خنزير، فتنمو الكلية داخل جسم الخنزير وتصبح فيما بعد جاهزة لعملية زرع أعضاء في جسم الإنسان المريض.

لكن فكرة خلط الخلايا البشرية بالحيوانية فكرة تقشعر لها الأبدان ولن تروق للكثيرين أو تحظى بقبول ومباركة الكل.

فالأسئلة الصعبة الكبرى تواجهنا بالتحديد عندما تحقن الخلايا البشرية في جنين حيواني، فتنمو وتتطور لكن داخل دماغ الحيوان، وهنا تكمن المعضلة والإشكالية حسب رأي بول نوبفلير الباحث في الخلايا الجذعية بجامعة كاليفورنيا في مدينة ديفيس.

ويضيف قائلاً "لا يوجد خطٌ فيصلٌ واضح لأننا ينقصنا فهم وإدراك عند أي نقطة يمكن أن يتحول العنصر البشري في دماغ الحيوان إلى وعي وإدراك وتفكير بشري".

وعلى الأرجح أن يدخل القرار حيز التنفيذ بدءاً من موسم الخريف القادم مع بعض التعديلات التي ستطرأ عليه، أما في الوقت الحالي فالقرار مفتوح أمام العموم والباحثين للتقدم بالتعليقات والإدلاء بالانتقادات والمقترحات خلال مدى أقصاها 30 يوماً.

وكالة معاهد الصحة الوطنية الأميركية هي الممول الأكبر بالدرجة الأولى لهكذا أبحاث؛ وكانت الوكالة في سبتمبر/أيلول الماضي قد فرضت تعليق كافة الأنشطة المتعلقة بهذا المجال للتريث وإبداء الرأي والنظر في إشكاليات هذا البحث، حيث كانت الأبحاث وقتها غضة في بداياتها الأولى ولم تكن لدى الوكالة أية مشاريع قيد العمل والتنفيذ حول أبحاث الكايميرا البشري-الحيواني، ولفظة الكايميرا مستمدة من الميثولوجيا والأساطير الإغريقية والرومانية وتطلق على مخلوقات تجمع بين الماعز والأسد والأفعى.

لكن رينيت مايلز المتحدثة باسم الوكالة قالت "نرقبُ أحوال العلم ونعرف أن العلم يتجه في ذاك الاتجاه".

أما د.جورج ديلي الأستاذ في جامعة هارفارد ومدير برنامج زراعة الخلايا الجذعية في مشفى الأطفال ببوسطن فيقول إن قرار تعليق الأبحاث ذاك كان "مزعجاً قليلاً". غير أن وكالة معاهد الصحة الوطنية بعد شهرين عقدت مؤتمراً وورشة عمل دعت إليها الباحثين والخبراء في مجال أبحاث الحيوان لاستشارتهم وسماع آرائهم.

هنالك حالياً نوعان من التجارب ما زالت تخضع لتقييم ودراسة اللجنة الاستشارية في معاهد الصحة الوطنية بغية الوقوف على جدوى تمويلها ضمن برنامج الأبحاث؛ الأولى ترتكز على إضافة الخلايا الجذعية البشرية على أجنة الحيوان قبل بداية تخلق أعضاء تلك الأجنة.

فالحيوانات التي تنتمي إلى "رتبة الرئيسيات" من الحيوانات الثديية كالقرود والشمبانزي تتشابه جينياً إلى حد كبير مع البشر، ولهذا السبب فإن على الباحثين الذين يجرون تجارب على تلك الحيوانات الانتظار حتى ينمو الجنين أكثر ويتطور ويتخلق قبل البدء بإضافة أي خلايا جذعية بشرية، طبقاً لما جاء في مقترح المشروع.

أما النوع الثاني من التجارب فيعمد إلى إضافة الخلايا الجذعية إلى أجنة أي حيوان عدا القوارض التي يُخشى من دخول الخلايا الجذعية إلى أدمغتها وتغييرها، فالخوف الأكبر هو من "خلق" حيوانات كايميرا تحوي خلايا بشرية في أدمغتها.

من جهة أخرى سوف تستمر معاهد الصحة الوطنية في حظر تمويل أية أبحاث قد تنتج حيواناً ذا حيوانات منوية بشرية أو بويضات بشرية قد يمكن تنميتها فيما بعد.

لكن جميع مقترحات الوكالة أعلاه تسري على الأبحاث والمشاريع التي تمولها الضرائب الأميركية، وأما الأبحاث الممولة تمويلاً خاصاً أو من طرف شركات خاصة فهي مستثناة ولا تسري عليها تلك القوانين.

وقد تحدث د.ديلي إلى صحيفة نيويورك تايمز ليصف ويشرح بعض التجارب والأبحاث التي عمل عليها الباحثون في هذا الصدد. فبداية أراد الباحثون معرفة هل بإمكانهم عزل أنواع جديدة من الخلايا الجذعية، أي أنواعاً قادرة على التحول إلى أي نسيج أو عضو في الجسم مهما كان. لإتمام ذلك توضع الخلايا الجديدة في الجنين وتراقب إن تحولت إلى مشيمة أو إلى أي نوع خلية في الحيوانات البالغة.

كذلك كانت هناك تجارب أخرى أراد فيها العلماء تفحص خلايا جذعية بشرية نمت وتطورت إلى أنسجة محددة. مثلاً وجد فريقٌ من الباحثين أنهم إن حقنوا خلايا جرذان جذعية داخل جنين فأر تنقصه الجينات اللازمة لصنع البنكرياس، فإن النتيجة كانت أن الفأر المولود يتكون له بنكرياس جرذ.

أما الآن فيقول د.ديلي أن الأمل معقود على تكرار النمط إياه من التجارب لكن هذه المرة على خنازير تنقصها جينات صنع أعضاء كالكلية أو الكبد، بغية اختبار هل تتحول الخلايا الجذعية البشرية، إن حقنت إلى أعضاء بشرية تنمو داخل الخنزير صالحة بغية استعمالها لاحقاً في زرع الأعضاء ونقلها للإنسان.

يعلق د.ديلي قائلاً "الأمر يبدو اليوم أشبه بقصص الخيال العلمي، لكننا أحرزنا تقدماً في الفئران والجرذان وحتى في الخنازير، وبهذا يمكننا القول إن الأمر نظرياً ممكن".

كذلك عكف فريق آخر على دراسة استخدام الخلايا البشرية الجذعية في أجنة الفئران أملاً في التوصل إلى فهم أعمق للاضطرابات النفسية البشرية.

وقد قالت د.وولينيتز من وكالة معاهد الصحة الوطنية عبر اتصال بالفيديو أنها تتوقع "التعلم من التجربة العملية" في رؤية ماذا يحصل للمزيج الحيواني البشري (الكايميرا) عندما توجد خلايا بشرية في أدمغتها. وتقول "هنالك الكثير مما لا نفهمه عن الدماغ ، وهذا أحد الأسباب التي تجعلنا نشعر بالإثارة إزاء إمكانية تطوير تلك النماذج الحيوانية".

قد يثير هذا البحث حفيظة الكثيرين واستياءهم، ولكن ترى هل منبع قلقهم وعدم ارتياحهم هو حداثة الفكرة وكونها جديدة كلياً مثلما حدث عندما قوبلت عمليات زرع القلب في بادئها بالاستياء والرفض ثم الانفراج والقبول لدى الجميع؟ أم أن مجال التجارب الحالية أمر مختلف تماماً؟

هنا يلفت نظرنا جيفري كان، مدير معهد بيرمان لقضايا وأخلاقيات علم الأحياء بجامعة جونز هوبكنز إلى نقطتين أخلاقيتين نحن مقبلون عليهما.

الأولى هي أن علينا أن نقرر هل ثمة أي فرق جوهري بين نقل الحمض النووي من نوع إلى آخر (كالتقنية المستخدمة في إنتاج الأغذية المعدلة وراثياً) وبين وضع الخلايا البشرية في حيوان ما؛ فهناك العديدون ممن يستطيعون تقبل فكرة الكائنات المعدلة وراثياً، ولكن تُرى هل تلقى فكرة الكايميرا البشرية الحيوانية نفس القبول في نهاية المطاف؟ فالمسألة في كلتا الحالتين لنا أن نقول إنها عبارة عن نقل الحمض النووي من جسم لآخر، لا أكثر، حسب د.كان.

أما المسألة الثانية فهي أي نرسم الخط الفيصل للبشرية؛ فإن جاز لنا أن نحقن الخلايا البشرية بالحيوان، فلماذا إذاً يبدو واضحاً لنا أن وضع الخلايا الحيوانية داخل جسم الإنسان خطأ مرفوض؟ ويا ترى إن استمرينا في إضافة المزيد والمزيد من الخلايا البشرية وحقنها في الحيوان، فمتى وعند أي حدٍ سيختلف الموضوع بنتيجته عن حقن الخلايا الحيوانية بجنين بشري؟

يتساءل د.كان "ماذا نحن فاعلون عندما نمزج صفات نوعين من الكائنات؟ ما الذي يجعل البشر بشراً؟ أهو كون خلايانا بشرية بنسبة 51%؟"

ويختم د.كان بالقول إن هذه الأسئلة "هي جزء مما يكوّن لدى الناس ردة فعل تجاه هذه القضية".

-هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.