مقاطعة المعارضة لانتخابات الجزائر.. هل تزعج السلطة؟

تم النشر: تم التحديث:
ALJZAIR
المعارضة الجزائرية | social media

تكثف الأحزاب المعارضة للسلطة الحاكمة في الجزائر هذه الأيام، اتصالاتها وتجمعاتها لرصِّ الصف من أجل مقاطعة الانتخابات التشريعية المزمع تنظيمها شهر فبراير/شباط 2017.

وتعود فكرة المقاطعة إلى عدد من القوانين الجديدة المتعلقة بالانتخابات، والتي تم إقرارها مؤخراً، وتلقى معارضة عدد من أحزاب المعارضة.

وتعددت القراءات لهذه التحركات السياسية، فالبعض يراها صورة مألوفة مع اقتراب حمى الانتخابات، والبعض الآخر يراها نشاطاً حزبياً لفرض التوجه، لكن السؤال المشترك بين "هل تستطيع فعلاً أحزاب المعارضة رصَّ الصف لمقاطعة الانتخابات؟".


عادة


فرحات أرغيب، عضو بالمركزية النقابية عن الحزب الحاكم، حزب جبهة التحرير، يعتبر تحرك هذه الأحزاب في مثل هذا التوقيت تحركاً منتظراً تعودت الجزائر عليه كل 5 سنوات، وهي مدة العهدة الانتخابية في الجزائر.

ويقول أرغيب في حديثه لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن الاجتماعات المتكررة لقادة هذه الأحزاب، قبيل الانتخابات أمر عادي ومألوف جداً، بل وتعكس صورة الديمقراطية والتعدد الحزبي في البلاد، على حد وصفه.

ويرى المتحدث أنه ورغم حجم التحركات السياسية لحشد الأحزاب لمقاطعة الانتخابات، إلا أن العديد منها لن تقف في الصف، وستعلن مشاركتها عاجلاً أم آجلاً.

وتمنى في السياق ذاته، أن تتسم هذه التحركات بالعقلانية واحترام الرؤى، وأن تضع هذه الأحزاب مصلحة البلاد والعباد فوق كل اعتبار.


غير محسوم لكنه محتوم


فيلالي غويني، الأمين العام لحركة الإصلاح المعارضة في الجزائر، يعتبر الحديث عن المقاطعة في الظرف الحالي سابقاً لأوانه، لأن الوقت الفاصل للانتخابات التشريعية ما زال كبيراً.

الأمين العام لهذا الحزب المندرج في العهدة البرلمانية الحالية تحت لواء تكتل الجزائر الخضراء الذي يضم أيضاً أحزاب النهضة وحركة مجتمع السلم، يقر بتعقد أمر الانتخابات أمام رزمة القوانين المفروضة.

وأوضح غويني لـ"هافينغتون بوست عربي"، أن الاجتماع الأخير الذي جمع القيادة الحزبية لعدد من الأحزاب المعارضة، لم يحسم قضية المشاركة من عدمها، مضيفاً أن هناك اختلافاً في التوجهات بين داع للمقاطعة، ورافض لها ومحايد.

لكنه يضيف أن تحركات الدولة من خلال إملاءات "أحزاب السلطة"، كما تسمى، وفرضها عدد من القوانين المتعلقة بالانتخابات، كقانون الانتخاب الأخير، وقانون الهيأة العليا لمراقبة الانتخابات، يجعل من خيار المقاطعة أمراً مطروحاً، رغم أن الأصل في الحراك السياسي لجميع الأحزاب هو المشاركة.

وهو ما سبق وأن أقره الناطق باسم التكتل الأخضر بالبرلمان، نعمان لعور، الذي أكد أن الأصل في نشاط الأحزاب هو المشاركة، غير أن الوضع العام في البلاد، والقوانين المملاة تجعل الكثير من الأحزاب تحبذ المقاطعة.


الفرصة الأخيرة


وتنتظر أحزاب المعارضة في الجزائر على أحر من الجمر، تصويت المجلس الدستوري على قانون العضوية المتعلق بالانتخابات، وهو بمثابة ترقب رصاصة الرحمة من صناع الرأي لفرض الديمقراطية.

ويقول الأمين العام لحركة الإصلاح الوطني "هذه المحطة تبقى الأكل الكبير لتكريس مبدأ الديمقراطية التي تتغنى بها السلطة، والكل يترقب ما سيقوله المجلس الدستوري بشأن قانون العضوية الذي يحدد نقاط الترشح، وبعض القوانين الجانبية سيما جمع التوقيعات".

ويضيف فيلالي أن كل أحزاب المعارضة تعي جيدا المصير في حال تمرير مثل هذه القوانين، "لأنها تخدم بالدرجة الأولى أحزاب السلطة من خلال ترجيح الكفة، وعجن قوانين تخدم مصالحهم للحفاظ على جل الكراسي ،وفي كل المحطات الانتخابية"، على حد وصفه.

هذه القوانين انتقدها بشدة كذلك رئيس حركة مجتمع السلم، الذي قال عنه في لقاء إعلامي في 3 أغسطس/أب 2016 مع افتتاح الجامعة الصيفية للحزب، بأنها مرسومة لصالح الغش والتزوير وترجيح الكفة.

"لذا فالأمل في بناء دولة ديمقراطية كما قال لا يأتي بسن قوانين لانتخابات نتائجها تبقى على طول محسومة"، يضيف مقري.


حكومة وحدة وطنية


وسط الجدل القائم حول مشاركة ومقاطعة الأحزاب للانتخابات القادمة، دعا عبد الرزاق مقري رئيس حركة مجتمع السلم، إلى التفكير في مرحلة انتقالية، من خلال تأسيس حكومة وحدة وطنية.

هذا الطرح يقوم على المزج بين الانتخابات التشريعية، وتحقيق الانتقال الديمقراطي عبر تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهذا الطريق في نظر عبد الرزاق مقري هو الأيسر والمحبب في حال أراد النظام السياسي ذلك.

فقضية المقاطعة مطروحة، لكنها غير محسومة، باعتبارها تستند إلى قرار مؤسسات الحزب شأنها شأن باقي الأحزاب، لكن الحل في نظر مقري يكمن في حكومة وحدة وطنية، وأشار إلى وجود حلول أخرى متاحة ولكنها مليئة بالإكراهات.

ويأمل مقري أن يهتدي النظام السياسي بكل سلطاته، فيقرر ويقود التوافق والتحول الديمقراطي بنفسه، بأي اسم شاء أن يسميه، فيسمح للجميع بالمساهمة في تخليص البلد، ولن يجد فرصة أفضل من الانتخابات التشريعية المقبلة، إن كان لا يريد أن يجلس مع المعارضة خارج المؤسسات، كما قال.


الشعب قاطعها


بالحديث عن نقطة توجه أحزاب المعارضة إلى التفكير في مقاطعة الانتخابات التشريعية القادمة، يصرح عدد ممن تحدثنا إليهم، من أن الشعب بات لا يثق في الانتخابات، بل وقاطعها منذ زمان.

فخلال الانتخابات التشريعية الماضية 2012، يقول فيلالي غوني الأمين العام لحركة الإصلاح "تم تسجيل مقاطعة 13 مليون ناخب، أي ما يقارب نصف الهيأة الناخبة، ما يعني أن الشعب قاطعها من زمان".

أما الناطق باسم التكتل الأخضر المعارض نعمان لعور، فطالب الحكومة البحث عن سبل لإعادة الثقة للشعب، الذي بات لا يأتمن حتى على صوته خلال الانتخابات بشتى أشكالها.

أما محسن بلعباس رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية المعارض أيضاً، فلم يستبعد قرار المقاطعة، لان الشعب كما صرح لـ"هافينغتون بوست عربي"، "أصبح بعيداً عن المواعيد الانتخابية، لأنه فقد تماما الثقة بالديمقراطية".


من المعارض حتى نقاطع؟


بشير بودلال محلل سياسي واستاذ العلاقات الدولية بجامعة الجزائر، يؤكد أن الحديث عن المعارضة في الجزائر أصلاً معقد، فما بال الحديث عن المقاطعة، والدعوة لعدم المشاركة في الانتخابات تشريعية، محلية أو رئاسية.

ويقول بودلال لـ"هافينغتون بوست عربي"، إن ما يسمى بأحزاب المعارضة هي عبارة عن هياكل فارغة لا ترقى للأسف إلى مستوى أحزاب سياسية ومعارضة، قادرة على فرض الرأي وتوجيه المجتمع، على حد وصفه.

وحتى تصنيف الأحزاب الجزائرية بين معارضة وموالية فيه الكثير من الصعوبة، كما قال، بحيث من بين 76 حزباً معتمداً رسمياً، "لا يستطيع حتى المتتبع والمتخصص معرفة أسماءها وأسماء رؤسائها، فما بالك بتوجهاتها ومواقفها؟!".


ضجيج إعلامي لا غير


ويجمع المتتبعون للشأن السياسي الجزائري، أن دعوة بعض الأحزاب لمقاطعة الانتخابات القادمة، ما هي إلا تحركات لجس النبض، والبحث عن البروز في مختلف وسائل الإعلام.

يقول المحلل السياسي بشير بودلال "إذا كان المقصود بأحزاب المعارضة الأحزاب الأعضاء في تنسيقية الانتقال الديمقراطي، والأحزاب الأعضاء في قطب التغيير الذي يتزعمه المرشح الرئاسي السابق على بن فليس، وكذلك أحزاب هيئة التشاور والمتابعة، يمكن القول إن تصريحات وتحركات قيادات هذه الأحزاب هي لمجرد الضجيج الإعلامي وربح الوقت لمحاولة تحضير الإخراج المناسب لإعلان قرار المشاركة".

خصوصاً وأن زعماء وقيادات هذه الأحزاب في نظر بودلال يعلمون يقيناً أن "لا سيطرة لهم على قواعدهم التي ترغب بقوة في المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية القادمة، وأي مغامرة باتخاذ قرار المقاطعة يهدد بانقسامات وانشقاقات وتمرد واسع لإطارات هذه الأحزاب ومشاركتهم فرديا في هذه الانتخابات تحت لواء أحزاب أخرى أو قوائم حرة".

وهو ما ذهب إليه الإعلامي في قناة دزاير نيوز جحنين عبد النور، الذي قال لـ"هافينغتون بوست عربي"، "لا أرى في تحركات الأحزاب المعارضة لخيار مقاطعة التشريعيات المقبلة، سوى جسّ للنبض".


السلطة مطمئنة


المحلل بشير بودلال يعتبر أن السلطة على علم من أن قيادات هذه الأحزاب نفسها راغبة بشدة بالمشاركة لإدراكها بهشاشة قدرتها على التأثير ولانعدام البدائل، في ظل الخلافات المنبثقة أمام التفكير فقط في مقاطعة الانتخابات.

والسلطة في نظره تدرك عبر آلياتها ووسائلها مدى محدودية تأثير هذه الأحزاب في المشهد السياسي، باعتبار أن غالبية قيادات الأحزاب السياسية كانت مشاركة في الحكومة ومستفيدة من الريع ولا تبالي بتهديداتهم بمقاطعة الانتخابات.

فالسلطة حسب بشير كشفت عن نيتها في غلق الساحة السياسية عبر تعديل قانون الانتخابات وهي ماضية في هندسة خريطة سياسية تستجيب لاستحقاقات أهم وهي الانتخابات الرئاسية سواء في موعدها في 2019 أو مسبقة.

كما أن السلطة تعي بان الأحزاب السياسية وخاصة المعتمدة وفق قانون2012 لديها هاجس الحفاظ على تواجدها القانونية ،خاصة مع توجهات السلطة المعلنة لإعادة رسم الخارطة السياسية ومعظم الأحزاب السياسية المعتمدة غير قادرة حتى على توفير النصاب القانوني لعقد مؤتمراتها العادية مما يهدد غالبيتها بتجميد اعتماداتها بداية سنة2017.