الكيلو بـ 10 قروش.. هل يلجأ عاطلو مصر إلى "تجارة القمامة" لتحسين ظروفهم؟

تم النشر: تم التحديث:
AZZBALH
هافينغتون بوست عربي

هل تتصور أن تستيقظ صباحاً باحثاً عن كيس القمامة في بيتك بنفس حرصك على البحث عن هاتفك المحمول أو حقيبة أوراقك؟ ربما إذا علمت أن هذا الكيس لم يعد عبئاً تبغي التخلص منه في أقرب صندوق، بل سلعةً يمكنك بيعها في أقرب كشك من أكشاك جمع القمامة التي تقيمها حالياً إحدى المحافظات المصرية قد تغيّر رأيك.

فكيلو القمامة العضوية يباع بـ 10 قروش مصرية، والمواد البلاستيك والزجاجات المعدنية بجنيهين، والخشب والورق بـ 30 قرشاً، أما كيلو الألومنيوم أو النحاس فبـ 10 جنيهات، وفق قائمة أسعار للقمامة التي كشفها المستشار السياحي لمحافظة الفيوم (جنوب القاهرة) ياسر محفوظ لـ "هافينغتون بوست عربي".


3 آلاف فرصة عمل


محفوظ دعا المواطنين إلى التفاعل مع المبادرة لشراء القمامة منهم عبر منافذ وأكشاك تقام خصيصاً لذلك، "فالمحافظة أنشأت بالفعل كشكين نموذجيين كتجربة، على أن يبدأ تنفيذ باقي المشروع الأسبوع الجاري، وكذلك توزيع منشورات على الأهالي بأسعار شراء القمامة، لحثهم على المشاركة".

وعن الأكشاك وعدد العاملين بها، يوضح أنه "من المتوقع إنشاء نحو 1000 إلى 1500 كشك على مراحل قد تستغرق 3 أعوام، ومساحة الكشك 3 إلى 4 أمتار، ويحتوي على آلات لفصل أنواع القمامة، وممكن أن تقل المساحة حسب المكان المتواجد به سواء كان شارعاً أو ميداناً، ونسبة احتياج المنطقة إليه، ويتوقع أن توفر فرص عمل لنحو 3 آلاف شاب".

ويشير محفوظ إلى أنه تم الاتفاق مع عدد من الشركات لشراء القمامة، بإرسال حاويات تابعة لها تدور على الأكشاك مرة في الأسبوع أو أكثر لتحميل ما تم تجميعه.

وينوّه المستشار السياحي لمحافظة الفيوم إلى أن "الأموال سيتم تسليمها للمواطنين فوراً، والمحافظة ستستفيد من المشروع من خلال اتفاق أبرمناه مع العديد من الشركات على شراء طن الكانز بـ 5 آلاف جنيهاً (نحو 500 دولار)، أي ما يوفر ربحاً يقدر بـ 3 آلاف جنيهاً (300 دولار)، وكذلك طن مواد البلاستيك بـ 6 آلاف جنيهاً (600 دولار)، وطن القمامة العادية بـ 100 جنيهاً (10 دولارات)".

"هذه الأرباح سندفع منها رواتب الذين سيتم توظيفهم في الأكشاك، والفائض سيتم ضخه لبناء أكشاك جديدة، وتدعيم المحافظة بحاويات وصناديق للقمامة بجميع أرجائها"، يتابع المسؤول المصري "الكشك الواحد سيديره اثنان من أبناء المحافظة، ومن المقرر تأهيل الشباب وتزويدهم بالملابس والعدد والأدوات اللازمة للتعامل مع فصل القمامة، ولا توجد متطلبات معينة لهذه الوظيفة".


هل يُقبل الشباب؟


الشباب الذين من المفترض أن هذه المبادرة توفر لهم 3 آلاف فرصة عمل، اختلفت آراؤهم حولها، حتى أن البعض رآها "إهانة" لمؤهله الدراسي، فيما اعتبر آخرون أنه لا عيب فيها طالما أنها “حلال".

يقول أحمد عبد الحميد خريج الآداب من جامعة عين شمس مستنكراً، "أنا لا أعمل بمجالي حالياً، لكن بدلاً من أن توفر الدولة لنا وظائف تناسب مؤهلاتنا، يكون عرضها للشباب تجميع القمامة وبيعها".

ويستطرد، "أنا لا أرفض المبادرة، لكن لكل مقام مقال، فهناك من هو مؤهل لتجميع القمامة ومن درس الطب، ومن درس الهندسة، والصحافة، والترجمة، وهكذا"، مطالباً الدولة بالاستفادة من عقول أبنائها بصورة أفضل.

ويقارن الشاب الثلاثيني بين الشباب المصري، الذي تسعى الدولة لتوظيفه في تجميع القمامة والشباب الأميركي، الذي توفر له دولته تعليم مناسب يؤهله للإبداع والابتكار - حسب وصفه -، مضيفاً "أميركا توفر لشبابها التعليم الجيد والإمكانيات وبعدها تتركهم يبدعون، أما مصر فليس لديها أي طموح للارتقاء بشعبها".

عاملة في محل تجاري وحاصلة على بكالوريوس تجارة منذ 12 عاماً، تدعى ميادة عبد الحميد، اختلفت مع ما ذهب إليه أحمد، "فلا مانع في العمل بأي مهنة طالما كانت حلالاً، وتكسب دخلاً جيداً، فأنا مثلاً لم أعمل بمجالي منذ تخرجت".

أما زميلتها هند، فترى أن "الفكرة جيدة للحفاظ على المنظر الجمالي للبلد، لكنها غير مناسبة لشباب الجامعات، قد تناسب عمالاً معينين كما هو متعارف عليه في جميع دول العالم".


"تجارة الزبالة"


أحمد عبد الباسط موظف بفرع شركة الكهرباء بمنطقة الدقي (محافظة الجيزة)، يؤكد أنه لا مانع لديه من تجميع قمامة منزله وحملها للأكشاك مقابل النظافة والحصول على الأموال، مردفاً "إذا وجدت الموضوع مربحاً سأجمع القمامة من المنازل المجاورة وباقي المنطقة لتحصيل أموال أكثر، فطالما أنه لا يوجد حرام في البيع والشراء فلا مانع لديّ من التربح بأي شيء".

وتعلق أم محمد التي تسكن بمنطقة بولاق الدكرور (حي شعبي بالقاهرة)، فتقول إنها من الأساس تتاجر في “الخردة"، إذ "أجمع كل ما أجده مستعملاً في منزلي أو بالشارع وأبيعه لعربات الكارو التي تطوف المنطقة لتجميع الروبابيكيا (الخردة)".

وحول الأسعار التي تعرضها الحكومة ومدى توافقها مع أسعار تجار الخردة، توضح أم محمد أن "عربات الكارو لا تشتري القمامة العادية، وكذلك الخشب، وسعر البلاستيك أعلى مما تعرضه الحكومة حيث يصل إلى جنيهين ونصف، ومثله أسعار الزجاجات المعدنية، والورق يكون بالكميات وليس الكيلو ويكون السعر تقديرياً، أما الألومنيوم والنحاس فيكون سعرهما حسب نوعهما سواء كانت سلك نحاس، أو أطباقاً، أو مستخرجات الأجهزة الكهربائية، ولكن سعرها في النهاية يتراوح بين 15 إلى 20 جنيهاً".

ياسر صاحب سوبر ماركت رفض أن تكون هذه مهنته أو حتى نشاط محل اهتمام منه لزيادة دخله في يوم من الأيام، موضحاً أنه في حال وجود أي قمامة لديه قد تضم مخلفات مفيدة يمكن إعادة تدويرها، فإنه يعطيها لعمال القمامة مجاناً أو عربات الخردة لتسترزق منها.

وتشير العديد من الإحصائيات الصادرة عن وزارة البيئة إلى زيادة حجم القمامة عاماً بعد عام بشكل كبير، خصوصاً مع تزايد عدد السكان، وأن ما يتم رفعه منها لا يزيد على النصف في حين يظل قسم كبير في الشوارع.

وأفادت الإحصائيات بأن حجم القمامة في العام 2000 كان 20 مليون طناً، ووصل إلى 30 مليوناً في العام 2016، وتبين الدراسات أن مصر تخسر 5 مليارات دولار سنوياً بسبب عدم تدوير القمامة.