"أميركا دبّرت محاولة الانقلاب الفاشلة".. قناعةٌ جمعت الأتراك رغم خلافاتهم

تم النشر: تم التحديث:
TURKEY
ASSOCIATED PRESS

ذكرت صحيفة تركية أن أكاديمياً أميركياً ومسؤلاً سابقاً في الخارجية الأميركية أسهم في التخطيط لمؤامرة الإطاحة بالحكومة التركية، أثناء إقامته في فندق فاخر على جزيرة في بحر مرمرة قرب إسطنبول.

وقالت نيويورك تايمز إن الصحيفة التركية كتبت بالخط العريض عنواناً تصدّر صفحتها الأولى أعلنت فيه بشكل مباشر أن الولايات المتحدة أقدمت على محاولة اغتيال الرئيس رجب طيب أردوغان ليلة الانقلاب الفاشل 15 يوليو/تموز 2016.

كما أجرت صحيفة تركية أخرى مقربة من السلطات استطلاعاً لآراء الشارع التركي على موقع تويتر سألت فيه الجمهور "برأيك أي جهة في الحكومة الأميركية قدمت الدعم لمخططي الانقلاب؟" فجاءت وكالة الاستخبارات المركزية CIA على رأس القائمة بنسبة 69% فيما حل البيت الأبيض ثانياً لكن بنسبة أقل من ذلك بكثير بلغت 20%.


كل شرائح المجتمع


تقرير صحيفة نيويورك تايمز، اعتبر أن هذه الآراء ليست من بنات أفكار بعض المغرمين بما أسماه بـ"نظريات المؤامرة" على هامش المجتمع التركي، فرغم انقسام آراء الشارع التركي السياسية وتباينها إلا أن ثمة إجماعاً على الدور الأميركي في الانقلاب داخل كافة شرائح المجتمع التركي من الإسلاميين والعلمانيين والليبراليين والوطنيين على حد سواء.

فقد اتفق جميعهم على أن لأميركا ضلعاً في ذلك الانقلاب الفاشل سواء بشكل مباشر أو بطريقة غير مباشرة على أرضية أن المتهم الرئيسي بالتخطيط للمؤامرة وتزعم حركة الانقلاب، فتح الله غولن، يقيم في الولايات المتحدة في منفاه الاختياري هناك.

يقول أكين أونفير الأستاذ المساعد في العلاقات الدولية بجامعة قدير الخاصة في إسطنبول: "كلما حدث شيءٌ مروع ومهول في تركيا كانت ردة الفعل الانعكاسية هي وجود مؤامرة."


هل يتكرّر التاريخ؟


هذه النظرة تعود بجذورها إلى نحو قرن من الآن مع نهاية الحرب العالمية الأولى عندما قامت القوى الغربية بتقسيم الإمبراطورية العثمانية المهزومة. حينها فشل مخطط غربي آخر لتقسيم تركيا الحديثة بفضل الحرب التي شنها مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الدولة الحديثة، ضد المحتلين. ومنذ ذلك الحين بات الخوف من "المؤامرات الغربية" محفوراً في ذاكرة الأتراك.

في حالة الانقلاب الفاشل -بحسب ما يراه العديد من الأتراك- ثمة ما هو أكثر من مجرد نظريات المؤامرة الخيالية، وذلك بسبب الاقتناع السائد بأن العقل المدبر للانقلاب هو غولن الذي يقيم منذ أكثر من 16 عاماً في مجمع منعزل وسط جبال بوكونو بولاية بنسلفانيا.

غولن من جانبه، وفي مقابلات عديدة نفى ضلوعه في الانقلاب. لكن بحكم إقامته في الولايات المتحدة هذا فضلاً عن حقائق بارزة أخرى كتلقيه مساعدة من مسؤول سابق في CIA وسفير أميركي سابق في تركيا للحصول على إقامة دائمة وإذن عمل في أميركا (غرين كارد)، فإن العديد من الأتراك لديهم قناعة تامة بأن غولن عميل أميركي؛ وبالتالي فإن من السهل الوصول إلى أن "الولايات المتحدة تآمرت معه للإطاحة بالحكومة التركية".

خلوق تايلان (48 عاماً) صاحب متجر في إسطنبول يقول "أميركا وراء الانقلاب بلا شك، فالدولة العميقة الأميركية ووكالة الاستخبارات المركزية CIA كلها لها يدٌ في الموضوع."

حتى إن الانتشار الواسع لهذه القناعة بين الأتراك دفعت بالرئيس باراك أوباما شخصياً للنفي علناً أي ضلوع أميركي في محاولة الإطاحة بحكومة دولة هي من أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو).

بكر قره بولوط، مطوِّر برامج للحواسب الآلية في إسطنبول، يقول "أعلم أنه ما من أدلة ملموسة حتى الآن، لكن أظن من السذاجة القول أن الولايات المتحدة بريئة من الضلوع في محاولة الانقلاب، فالولايات المتحدة تحب التدخل في أمورنا، ولطالما قدمت الاستخبارات الأميركية المركزية CIA الدعم لغولن على مدى سنوات. لقد ساعدوه على الفرار من تركيا."

طالبت تركيا بتسليم غولن لها بتهمة تزعمه لتنظيم فتح الله الإرهابي، ودعمت حجتها بملف أرفقته إلى البيت الأبيض يضم أدلتها وبراهينها رغم أنها لم تقدم بعد طلباً رسمياً حسب القوانين المتعارف عليها.

كما وصلت هذا الأسبوع إلى الولايات للمتحدة بعثة من مشرعين أتراك بغية متابعة القضية وملفها، حيث يبدو أن الدولتين على خلاف بهذا الخصوص.

وفي مقابلة له على قناة CNN Türk ظهر السفير التركي في تركيا، جون باس، وأشار في حديثه إلى "ما يبدو أنه ضلوع عدد كبير" من أنصار غولن في مخطط الانقلاب.

بيد أن المراقبين والمحللين يترقبون مدى قدرة تركيا في تقديم دلائل تكفي لاستخراج واستصدار قرار تسليم غولن في المحاكم الأميركية.


أسامة بن لادن


وتساءل الأتراك تعبيراً عن سخطهم من مماطلة الولايات المتحدة في تسليم غولن: كيف كانت الأمور ستكون لو أن تركيا عام 2001 خبأت أسامة بن لادن؟

نظراً للقناعة السائدة بأن غولن هو من دبر الانقلاب فإن أي عرقلة في تسليمه من قبل الولايات المتحدة ستثير الغضب العام في تركيا ضد الولايات المتحدة الأميركية، ناهيك عن أن ذلك سيكون بمثابة تأكيد للقناعة التي ذهبت إلى اتهام الأميركيين بالتآمر على تركيا.

يقول عثمان آرسان الذي يعمل نادلاً في إسطنبول "إن لم يسلمونا إياه فستكون تلك نهاية علاقتنا بأميركا، فهم يطعنوننا في الظهر وليسوا صادقين معنا، وينبغي عليهم أن يثبتوا حسن نيتهم، وإن لم يفعلوا فليستعدوا لتلقي رد الشعب التركي، نحن جميعنا متحدون في هذه القضية ولن نسامحهم."

كذلك هنالك غضب وسط الشارع التركي من انشغال الولايات المتحدة وأوروبا بعمليات التطهير التي يجريها أردوغان في أعقاب الانقلاب الفاشل، بدلاً من أن تقف تلك الدول في مؤازرة أنقره أمام التهديد المتمثل في محاولة الانقلاب، والذي كاد يطيح بالدولة.


موقف المعارضة


والحقيقة أن الكثيرين من معارضي إردوغان التقليديين –كالأكراد والعلمانيين والقوميين الوطنيين- جميعهم تراودهم مخاوف من سطوة ونفوذ أعوان غولن ومناصريه داخل الدولة، لذلك جميعهم متحدون في الموقف الذي يُجرّم غولن لتخطيطه الانقلاب، ولذلك فهم أيضاً لا يكتفون بتأييد حركة التطهير وحسب، بل يؤيدون كذلك فرضية وقوف أميركا في صف غولن.

ورغم أن تصريحات تخرج من مسؤولين أتراك تغذي فكرة ضلوع أميركا في الانقلاب علناً ما يشجع على تعزيز قناعة "نظريات المؤامرة" بحسب الصحيفة، إلا أن السلطات تؤكد أن العلاقات التي تجمع بلدهم بأميركا بخيرٍ.

ففي تصريح له قال إبراهيم كالين المتحدث الرسمي باسم أردوغان أمام الصحفيين "لا نعتقد أن للولايات المتحدة أي ضلع في محاولة الانقلاب."

وعندما زار رئيس الأركان الحربية الأميركية الجنرال جوزيف دنفورد الابن العاصمة التركية أنقرة أكد له المسؤولون الأتراك أن بلادهم ماضية في عزمها على مواصلة العلاقات المتينة ضمن الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

والأسبوع الماضي (الأسبوع الأخير من يوليو/تموز 2016)، قال جنرال أميركي أنه قلقٌ على العلاقة مع تركيا نظراً لاعتقال العديد من المسؤولين الأتراك ممن كانوا جزءاً في العلاقة مع الولايات المتحدة في مواضيع وقضايا مكافحة الإرهاب، فما كان من الرئيس أردوغان إلا أن انقض على تلك التعليقات، وقال "كلمات الجنرال الأميركي تشي بأنه يقف في صف مخطّطي الانقلاب، فعباراته فضحته."

وأضاف "إن العقل المدبّر للانقلاب لديكم في بلدكم، فأنتم تحتضنونه وتحمونه هناك، والأمر واضح علناً أمام العيان."

-هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.