دمشق كما لم تعرفها من قبل.. كيف غيرت الأحداث وجه المدينة التي تعاني من الحرب؟

تم النشر: تم التحديث:
LIFE IN DAMASCUS
DAMASCUS, SYRIA. MARCH 13, 2016. People in a Damascus neighborhood, an area liberated when a ceasefire agreement between the Syrian Army and the rebels controlling the district came into effect on February 27, 2016. Valery Sharifulin/TASS (Photo by Valery Sharifulin\TASS via Getty Images) | Valery Sharifulin via Getty Images

ليس بعيداً عن مخيم اليرموك، انتقلت سلام عوض وعائلتها ذات يوم وتحت وابل الرصاص من مخيم اليرموك إلى منطقة الزاهرة الجديدة، وهناك استأجرت مع أقاربها شقة صغيرة تحولت غرفها القليلة إلى منازل لهم.

لم تشعر عوض (ربة منزل) بالغربة في المنطقة الجديدة نظراً للقرب الجغرافي، ولأن غالبية سكان المخيم من جيران ومعارف انتقلوا بدورهم إلى هذه المنطقة، وبالتدريج باتت الزاهرة أشبه بمخيم جديد يضم محلات تشبه تلك الموجودة هناك، وتقول عوض إن الفلسطينيين تركوا بصمتهم هنا حتى أنهم أحدثوا ما يشبه سوق "لوبية" الشهير في مخيم اليرموك.


نسخة عن مخيم اليرموك


التواجد السكاني الكبير أتعب سكان المنطقة؛ لأن "الغرباء" - على حد تعبيرهم - والنازحين غيروا معالم منطقتهم، وبالتدريج باتت تأخذ شكلاً مختلفاً عن الذي كان في السابق.

وتقول آلاء حمزة إن منطقة الزاهرة استقطبت غالبية سكان مخيم اليرموك الذين اضطروا للنزوح بعدما تأزم الوضع هناك، كما استقطبت نازحين من أرياف دمشق وحلب وإدلب، وقد سبب توافدهم زيادة كبيرة في عدد السكان حتى أن البيت الواحد أصبح يضم عدة عائلات، وتشير حمزة إلى أنه ومع الأيام تشكل سوق للخضار والفواكه جذب سكان المناطق المجاورة، ولاحقاً تحول شارع النور لما يشبه سوق لوبية القديم، وهو يضم محلات تعرض كافة البضائع والمنتجات حتى إن لم يعرف النوم في موسم العيد.

تختزن ذاكرة آلاء كبقية سكان المنطقة ذكريات مؤلمة لهؤلاء النازحين، خاصة أن نسبة منهم افترشوا الحدائق في البداية لعدم تمكنهم من تأمين مأوى لهم، وتوضح أن الناس يتعاطفون معهم لكن ليس باستطاعة الجميع المساعدة بسبب ضعف الوضع الاقتصادي، كما أنهم في الوقت نفسه يتمنون انتهاء الأزمة لتعود منطقتهم لسابق عهدها.

وعن التركيبة السكانية للزاهرة قبل الأحداث، أوضحت حمزة أن النسبة الأكبر من سكانها كانوا من الدمشقيين متوسطي الدخل الذين عجزوا عن السكن في الأحياء الراقية فانتقلوا إلى هذه المنطقة التي تبعد بعض الشيء عن مركز المدينة، كما كانت تضم سوريين من مختلف المناطق وكذلك فلسطنيين ولكن بنسب قليلة.


جرمانا بحلة جديدة


لم يكن من المألوف كثيراً في هذه المنطقة رؤية المنقبات اللواتي بدأن يظهرن مع قدوم النازحين من أرياف دمشق وإدلب، والذين حملوا معهم عاداتهم المختلفة عن عادات سكان جرمانا والتي يرجع غالبية سكانها لمنطقة السويداء ذات الغالبية الدرزية أو لجرمانا نفسها، وتمكن الوافدون الجدد من الاندماج في الوسط الجديد والاستقرار فيه باعتبار أن هذه المنطقة شكلت لهم حلاً آمناً إلى حد ما ومقبولاً اقتصادياً، كما أنها عرفت خلال تاريخها الطويل موجات نزوح عديدة كالتي عاشتها مع العراقيين، وبالتالي اعتاد أهلها الغرباء.

يوضح رامي أباظة، وهو موظف ومقيم في جرمانا منذ أكثر من 10 سنوات، ويرجع بجذوره لمحافظة السويداء، أن الأزمة غيرت كثيراً شكل المنطقة وباتت تعج بالسكان من مختلف المناطق، وفي الوقت الذي تناقص فيه عدد العراقيين بشكل ملحوظ جاء بدل عنهم أعداد كبيرة من المناطق الساخنة والذين انتشروا في مناطق جرمانا، وتعرضوا في كثير من الأحيان لاستغلال أصحاب العقارات ممن رفعوا الإجارات، أو تهافتوا على بناء الأبنية العشوائية لاستقبال هذه الزيادة السكانية.

ويضيف أباظة أن الأسعار في جرمانا تبقى مقبولة مقارنة بدمشق، ولكن ذلك لا يمنع أن بعض من نزح غادر منزله بملابسه بعدما خسر كل شيء لهذا اضطر هؤلاء للسكن في أبنية غير مكسوة، وأحيانا في محال تجارية.

من جانبها تخبرنا سيدة في المنطقة، فضلت عدم ذكر اسمها، أن جرمانا تعاني دائماً من موجات النزوح وقد امتلأت بعد عام 2003 مع قدوم العراقيين الذين استأجروا فيها وأقاموا مشاريعهم التجارية، وباتوا بالتدريج جزءاً من المنطقة، ولكن غالبيتهم سافروا مع بداية الأحداث، وجاء مكانهم المهجرون من الأرياف والمناطق السورية الساخنة كافة، وتشير السيدة إلى بعض المارة المختلفين في طريقة لباسهم ولهجاتهم، وتقول إن جرمانا لم يعد لها هوية ثابتة وهي اليوم عبارة عن مزيج تمكن من التعايش مع بعضه البعض دون أن يحدث أي اشتباكات أو مشاكل.


حي المزة 86


حال هذه المنطقة لم يكن أفضل من جرمانا، فهي ولكونها منطقة مخالفات بقيت أسعارها مقبولة أكثر من العاصمة خاصة في بداية الأحداث، وتوافد الكثيرون إليها معتقدين أنها تمثل لهم مصدراً للأمان أكثر من غيرها بسبب تشديد الحراسة فيها، وانتساب غالبية سكان لسلك الجيش أو الوظائف الحكومية، لكن هذا الرهان لم ينجح دائماً لأن الـ86 تعرضت للاختراق عدة مرات وشهدت تفجيرات راح ضحيتها الكثيرون كما شهدت وقوع قذائف هاون في بعض الفترات.

وبعدما كانت الغالبية العظمى لسكان هذه المنطقة يعودون لمناطق الريف في الساحل وحمص باتت اليوم أشبه بسوريا مصغرة يقيم فيها نازحون من مختلف المناطق شردتهم الحرب وجمع فيما بينهم البحث عن الأمان وضعف الوضع الاقتصادي.


تغيرات بالجملة


لا يقتصر التغير الحاصل اليوم على هذه المناطق فقطـ بل يشمل كافة الأحياء والأزقة في العاصمة دمشق، ولن يكون من الغريب أن ترى فنادقها وقد تحولت لمنازل يؤمها النازحون من مختلف المحافظات، كما لن يكون من الغريب أن تشدّك لافتة لمطعم حلبي تدعوك لتذوق مطبخ الشهباء الشهير.