تويتر يحكم العالم: هل تصمد كلينتون في سباق البذاءة مع ترامب؟

تم النشر: تم التحديث:
TRAMB
social media

عندما أصبحت هيلاري رودهام كلينتون أول امرأة في تاريخ أميركا يرشحها للرئاسة حزب رئيسي، استجاب منافسوها بطريقتهم المعهودة، فنشر دونالد ترامب على تويتر "أوباما يؤيد هيلاري المخادعة. إنه يريد أربع سنوات أخرى مشابهة لحكمه، ولكن لا أحد غيره يريد ذلك".

ولكن لأول مرة، انتشر رد كلينتون في يونيو/حزيران 2016 بسرعة شديدة. فقد ردت بالتغريدة التي صارت من أكثر تغريداتها انتشاراً "امسح حسابك"، ربما السبب في ذلك هو أن هذه الجملة تعني لدى مجتمع الإنترنت "أنت غبي لدرجة مضحكة بحيث يتوجب عليك الاختفاء من على وجه الأرض" .

ولكن السبب أيضاً هو أنه في ذلك الوقت صارت احتجاج السياسيين على تويتر -والصراعات العنيفة الشخصية بلهجة عامية بين المنافسين على وسائل التواصل الاجتماعي- أمراً عادياً. ولهذا نتائجه على الثقافة السياسية من حولنا، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

بالطبع لا أحد يهتم بأذكياء استعراضيين يتبادلون الإهانات في غرفة خالية، وبالنسبة لمن لا يستخدمون تويتر -معظم البريطانيون- فهو بلا شك يبدو مكاناً خالياً.

لكن أحداً لم يهتم كذلك، عندما رد كاتبو خطابات رونالد ريغان في الثمانينات، على الضغوط التجارية على المذيعين الأميركيين، فقاموا بوضع مقاطع موجزة طولها ثوان قليلة في خطاباته. ولم يهتم أحد بعد ذلك بسنوات قليلة عندما أغلقت قناة إخبارية في بريطانيا.

وبمرور الوقت نستيقظ لنسمع بياناً جديداً ودائرة أخرى من الأخبار التي تغير المناظرات السياسية ومن يفوز فيها- وحينها يكون الوقت قد تأخر. قد لا تهتم الآن بوسائل التواصل الاجتماعي، ولكنك إذا قرأت جريدة أو استمعت إلى الراديو أو شاهدت التلفاز، فهذه الأشياء تشكل عالمك بالفعل.


تغريدات ترامب


يقول جون بارملي مؤلف كتاب السياسة وثورة تويتر "يستطيع تويتر أن يغير البرامج التي يغطيها الصحفيون. انظر كيف استطاعت تغريدات ترامب على مر ستة أشهر أن تغير المخطط.

يستخدم السياسيون تويتر بالأساس ليؤثروا في صناع الرأي الآخرين، إنه عالم صغير جداً ولكن أفراده يستطيعون التحكم بالأحداث. إنه يشبه ممارسة الضغط، وقد يتساءل الناس "كيف يمكن أن يكون مؤثراً إذا كنت تتحدث عن مجموعة صغيرة من الأشخاص؟" ولكن هذه المجموعة هي التي تقوم بالتشريعات".

لن تؤيد الأمهات في ضواحي ولاية أوهايو هيلاري فجأة لمجرد أنها قالت شيئاً ذكياً على منصة لا يستخدمنها، ولكن مجدداً ليست هذه هي الفكرة. اللعبة الحقيقة هي أن تُقوي الدعم الذي لديك بصورة كبيرة بما يكفي لأن تلتقطها وسائل الإعلام، وتماماً مثل القليل من الكلمات المتقاطعة لدى تايلور سويفت وكل المشاهير تقريباً، الذين يضمنون ترويجاً مجانياً لألبوماتهم على تويتر، فإن أسهل طريقة لعمل ذلك هو أن تفتعل شجاراً مرحاً.


العودة للضوء


بالنسبة إلى بعض السياسيين يحدث هذا بسهولة شديدة. من بين الأحداث المهمة غير المتوقعة في المناظرة البريطانية كان الانفجار المرح على ساحة تويتر الذي قام به النائب عن حزب المحافظين والموالي للبقاء في الاتحاد الأوروبي نيكولاس سواميس البالغ ثمانية وستين عاماً. وكان كلامه خليطاً فريداً من صور كلاب لابرادور وألعاب الطيور تتخللها إطلاق نار. (من ضمن تعليماته المميزة لروبرت بيستون المحرر السياسي بقناة ITV هي "احصل على قصة شعر، وارتدِ رابطة عنق وكن ذكياً" وقال باقتضاب "انصرف من هنا"، وانتهى لقاء مع داعمي جوليان أسانج بصراخ حفيد تشرشل أن أسانج "كاذب وجبان ومجرم عادي هارب بكفالة").

ربما هذه تفاهات ولكنها أنعشت مسيرة سواميس المهنية -إذ صارت القنوات التلفزيونية تلاحقه مرة أخرى- وسمحت لجيل جديد لا يعرفه بأن يكتشفه من جديد. وكان هو يهرب بوقاحته الشديدة لأنه مضحك، ولديه موهبة طبيعية في الكتابة، ولكن ليس كل المتذمرين على الإنترنت مضحكين.

في أحد الصباحات في بدايات شهر يوليو/تموز 2016 بعد أن صار واضحاً أن أوين سميث يأمل في منافسة جيريمي كوربين على رئاسة حزب العمال، ولكن قبل أن يعرفه أي من الناخبين عرف سميث نفسه من خلال عدد من التغريدات المختصرة.

ومن خلال تلك التغريدات، وجه سيمث سؤالاً هاماً لكوربين، لدرجة أنه عاد السؤال عليه ثلاثة مرات، عما إذا كان مستعداً لرؤية الحزب وهو ينقسم من أجل الإمساك بزمام السلطة، ولكنه لم يتلق أيه إجابة.

وأضاف سميث أنه، وخلال نفس المقابلة، قام جون ماكدونل، عضو البرلمان، بالإجابة على ذلك السؤال وهو يحرك كتفيه قائلاً "إذا كان هذا ما يتطلبه الأمر".

التعبير عن ذلك الأمر بشكل علني كان غاية في الاستفزاز، وخصوصاً عبر موقع تويتر. والمؤكد أن وزير الخزانة في حكومة الظل قد تراجع عن ذلك الأمر واصفاً القصة بأنها محض "هراء". وعند تلك النقطة قامت كيت جرين زملية سميث بالتدخل وقالت "لقد كنت حاضرة في الاجتماع نفسه جون وسمعتك وأنت تقول هذا، هل أنت تتراجع الآن عما قلته؟".

والمُلفت للنظر أن مثل هذه النقاشات كانت تُثار في الماضي خلف الأبواب المغلقة فقط ويظل الجميع في انتظار أن يتم تسريب بعض منها للصحافة لمعرفة ما يدور في تلك النقاشات. ولكن الآن أصبح كل شيء يحدث على مرأى ومسمع من الجميع.

تُشير مثل تلك النقاشات إلى مدى التباعد في الرؤى الذي أصبح عليه المعسكرين داخل حزب العمال وذلك لأنك، على الأرجح، لن تلجأ للشجار في العلن إلا إذا كانت العلاقات الخاصة قد تهدمت تماماً.

ويلاحظ أحد المناصرين القدامى للحزب أن نواب حزب العمال لا يتحدثون إلى بعضهم بعضاً بشكل كبير في المقاهي أو المطاعم، ويضيف قائلاً "يرى أنه من السهل كتابة تغريدة ما عن شخص ما في العلن، وذلك إذا لم يكن هناك داعٍ من رؤية هذا الشخص في اليوم التالي".

لكن عائشة هازاريكا -كاتبة خُطب سابقة لدى إد ميليباند- تقول إن نشر الغسيل القذر يعكس أيضاً الطريقة التي أصبح نواب حزب العمال يعتمدون فيها على تويتر كمساحة ليبرالية للنقاش.

"إنه مجرد أمر مرتبط بحزب العمال، إذا كان لديك فكرة عن أي شيء، فتفاخر بها على تويتر. ببساطة لقد اعتدنا أن نترك عقدنا النفسية بخارجه. "مثل زوجين يتشاجران في حفل عشاء، يصمانِ آذانهما ضد جميع المحاولات المحرجة لتغيير الموضوع، يبدو أنهم تقريباً لا يهتمون بمن الذي يستمع.

وهذا ما يميز حروب حزب العمل الجديدة على تويتر عما يجري حالياً في أميركا. الأمر الذي تقشعر لها الأبدان بشأن ترامب ليس مجرد العنصرية المعتادة والتمييز على أساس الجنس، بل الأمر المثير هو عدم الاكتراث لأي شيء يحدث.

إنه القلق الضئيل حول إشعاله النار تحت الحياة الأميركية، وليس لأنه لا يستطيع إيقاف نفسه، ولكن كوسيلة محسوبة ببرود إلى النهاية. ولافتقاره إلى آلة سياسية راسخة وراءه أو دعم لتمويل حرب الاعلانات التلفزيونية، زاد اعتماد ترامب على قول أشياء حارقة أكثر من أي وقت مضى للحفاظ على وجود اسمه في الأخبار، والتي قد تكون السبب في أن العبارات المفزعة والمفاجأة حقاً لديها موهبة الطفو على السطح عندما يحتاج بشدة للدعاية المجانية.

"اختفت المعايير تماماً"، كما يقول الخبير الإستراتيجي الأميركي الذي عمل على الثلاث حملات الماضية للديمقراطيين. ويُضيف "أتذكر في عام 2012 كنا نحاول القول إن ميت رومني كاذب لأنه ببساطة يقول الأكاذيب، ولكن ديفيد أكسلرود [كبير الاستراتيجيين لدى باراك أوباما] قال لنا "غيروا هذا إلى "يتحدث بالباطل".

"ترامب ليس لديه أي من هذه القواعد على الإطلاق. أعني "امسح حسابك" كان إلى حد كبير خارج حدود ما قد تفعله هيلاري قبل أربع سنوات، ولكن لا يمكنك حتى مقارنة هذا بشخص يُعيد مشاركة تغريدات للعنصريين البيض وصور نازية".

"للحصول على وسائل إعلام مجانية، عليه أن يقول اشياء يُمكن تقديم تقارير حولها، ومستوى اللغة المتطرفة يرتبط ارتباطاً مباشراً بذلك. لقد أخذوا قراراً واعياً لقول ملاحظة حول المكسيكيين بأنهم مغتصبون في البداية لكي يجروا الأخرين لنفس الطريق منذ البداية. وأظن أنه لا يملك حتى رؤية مُحددة للعالم؛ غير أن أقواله تُغذي جهاز الدعاية ".


بريطانيا


أحد القلة المُضمحلة الذي اعترف بسعادة بتعلم الدروس من ترامب هو آرون بانكس، أحد المتبرعين لحزب استقلال المملكة المتحدة، والذي مول حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي. وكان بانكس من أوائل متتبعي ما أسماه نموذج "نجاح ترامب": التواصل مع الناخبين عاطفياً، لأن أمطارهم بالحقائق لا يأتي بنتيجة، وبناءً على ما حدث في الحملة فهو لم يكن يمزح.

بعد أن فشلت منظمة بانكس في أن تُصبح الصوت الرسمي لترك الاتحاد الأوروبي، فيمكن بسهولة أن تغرق دون أثر. ومع ذلك عوضت ذلك في طريق عودتها إلى الأضواء عبر سلسلة من الأعمال المثيرة الصادمة والمصممة على ما يبدو لتبدء بالترتيب، بداية من ملصق بريكنج بوينت الشائن، والذي يُظهر طابور أفعواني طويل من المهاجرين المنتظرين وحتى الأسطول الصغير في نهر التايمز.

وفي الوقت نفسه اختار بانكس نفسه سلسلة غريبة من المعارك العلنية على تويتر مع شخصيات رفيعة المستوى، مما يدل على استعداده -مثل ترامب- لدفع الحدود. عندما ذكر آدم بولتون الصحفي بجريدة سكاي أنه وعائلته شهدوا ثلاثة حوادث من الأهانات العنصرية تجاه مواطنين بالاتحاد الأوروبي يُقال لهم فيها "متى ستذهبون لوطنكم؟" بعد بريكيست، أجاب بانكس مستهزئاً: "وسائل إعلام فقيرة، أراهن أنه لم يكن لديك صديق واحد صوت للخروج".

تيم مونتغمري الكاتب الصحفي المؤثر -ذو اللحية- والمتشكك تجاه الإتحاد الأوروبي قيل له "احلق" بعد ما أقترح عليه بانكس أخذ فترة من الصمت. حتى نائب رئيس حزب الاستقلال السابق سوزان إيفانز -المُستهدفة دائماً- وصفت أسلوبه على تويتر بأنه "حقير". ولكن إذا كان الهدف هو تعزيز مكانة بانكس الغامض حتى الآن، فقد نجح.

تقول هازاريكا "أعتقد أن ما يحاول شخص ما مثل بانكس القيام به مبني على استراتيجية سياسية مثل التي لدى ترامب، والتي عندما يقول الناس: "لا تذهب إلى هناك، يذهب إلى هناك". وتُضيف "أنه ليس سياسياً مُعتبراً. ليس لديه شيء ليخسره. "ولكن ماذا عن بقيتنا؟


فوضوية


يقول طه الياسري -زميل باحث في معهد أوكسفورد للإنترنت- تشير الأدلة إلى أن التغريدات التي تستخدم "كلمات متطرفة جداً سواء سلباً أو إيجاباً" من المرجح أكثر أن يتم مُشاركتها وبالتالي تُقدم اسم السياسي في رؤوس الناخبين المحتملين، وهو نصف المعركة: "هناك الكثير من الناس ليس لديهم فرصة كبيرة للوصول إلى التفاصيل، وحقيقة أنهم يسمعون اسم ما كثيراً يمكن أن يكون كافياً لإقناعهم بالتصويت لهذا الشخص".

ويضيف، لكن في حين أن الحركات السياسية التي تُبنى عبر وسائل التواصل الاجتماعي يُمكن أن تنمو بسرعة جداً، فإنها تميل إلى أن تكون فوضوية وغير متوقعة. "إن المصطلح الذي نستخدمه كثيراً هو" القيادة دون قادة. إذا ما ساءت الأمور، لا يوجد أحد لإلقاء اللوم عليه". وإذا ما احتدم الوضع وساء عن مجرد النقاش وصارت هناك عواقب وخيمة على المدى البعيد، فترمبات هذا العالم قد يكونون غير موجودين بشكل غريب لإصلاح الضرر.

مما يترك أي سياسي في ذلك الوضع في معضلة أخلاقية على المدى البعيد. تجاهل الصراع والمناكفة فستبدو ضعيف. انزل إلى نفس المستوى، كما فعل المرشح الجمهوري ماركو روبيو مع النكتة غير المدروسة حول حجم رجولة ترامب، فتصبح متواطؤ مع فكرة أن الحديث القذر أمر طبيعي الآن. كما وصفها الاستراتيجي الأميركي "ليس هناك مكسب من التسابق نحو القاع مع ترامب لأنه سوف يذهب دائماً مرة أسوأ من ذلك".

هذا هو السبب في أن حملة كلينتون تُجرب على نحو متزايد الشيء الوحيد الذي يجده المتنمر محبِطاً في الكثير من الأحيان: اضحك في وجهه مباشرة.

الفكاهة ليست بالضبط موطن قوة هيلاري، وهذا أحد الأسباب الذي يُشتبه لأجله أنها تستعين بمحترفين ليُديروا حسابها الجريء بشكل مريب على تويتر وهازاريكا، الممثلة الكوميدية قبل دخولها عالم السياسة، تحذر من أنها خدعة صعب التراجع منها.

وقال "لقد رأيت هذا مع الكوميديانات المضحكات حقاً، وجيدون فعلاً، يفكرن أنهن سيتمكنّ من التعامل مع بعض الحمقى على تويتر ويسحقوهم بذكاء. ولكن ما لا يدركونه هو أن هؤلاء الناس الذين يبقون مستيقظين طوال الليل للسخرية من الناس. لن تستطيع إسكاتهم".

لكن ترامب رد على نحو غير معهود ببطء على عبارة "امسح حسابك"، مما يشير إلى أنه إذا لم يصمت تماماً، فعلى الأقل فإنه يمكن أن يُخطئ الحركة لفترة وجيزة. انها استراتيجية عالية المخاطر عندما يكون القليل جداً مما يمثله مضحك. لكن في بعض الأحيان عندما تظلم ويضيق الخناق، فيمكن أن تشعر كما لو كان الضحك هو كل ما تبقى.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.