قادة انقلاب تركيا كانوا مستعدين لإغراق البلاد في حرب أهلية.. وبهذه الطريقة يمكن منع تكراره

تم النشر: تم التحديث:
TANKS TURKEY
Murad Sezer / Reuters

كشفت دراسة نشرها موقع منتدى الشرق أن الانقلابيين كان لديهم الاستعداد لإراقة الدماء وإغراق البلاد في حرب أهلية لولا تمكن السلطات من إحباط الانقلاب.

وحثَّتْ الدراسة الحكومة على الانتباه إلى تورط الأكاديمية العسكرية التركية في أنقرة وأكاديمية القوات الجوية، بالإضافة إلى ثانوية كوليلي العسكرية في إسطنبول في محاولة الانقلاب.

الورقة أكدت أَن التعامل مع بيئة ما بعد الانقلاب في جميع هذه المدارس (ليس في أنقرة وإسطنبول والأكاديمية العسكرية فقط) هو مفتاح إعادة تأهيل القوات المسلحة التركية على المدى الطويل، خاصة إذا تذكر الجميع أن عقلية تدخل الجيش في السياسية تنتشر عبر المدارس العسكرية.

ووفقاً للباحث فقد كشفت التحقيقات التي تلت الانقلاب، المزيد من التفاصيل التي أكدتْ المزاعم المبدئية حول مسؤولية الضباط الموالين لحركة غولن عن التخطيط لمحاولة الانقلاب الفاشلة، وهي الحركة التي صُنفت كمنظمة إرهابية من قِبل تركيا في 2014، بالإضافة لوجودها الضخم داخل هيكل الدولة التركية وعلاقاتها الدولية القوية.


لماذا فشل؟


واستعرضت الورقة الانقلابات العسكرية "الكلاسيكية" التي وقعت إبان الحرب الباردة عالمياً، وقالت إن لها أربع خصائص أساسية مكنتها من الإطاحة بالحكومة المُنقَلَب عليها: السرعة والسرية والخروج على الشرعية، بالإضافة إلى الاستفادة من ضباط الجيش باعتبارهم الفاعلين الرئيسيين في تلك الانقلابات.

وأضافت كان الجيش حينها هو الأكثر قدرة على قيادة التحرك ضد الحكومات القائمة غير المرغوب فيها، باعتباره اللاعب الأساسي الأقوى نفوذاً على الساحة السياسية في أماكن مختلفة من العالم.

غير أنه على مدار العقدين اللذين تلوا الحرب الباردة، أصبح واضحاً أن الانقلابات التي تجري على الطريقة القديمة لن تنجح.

واعتبر البحث أن انقلاب 15 يوليو/تموز 2016 هي محاولة جامحة انتهت إلى فشل ذريع، من جميع الأوجه، ولم تكن تشبه أياً من الانقلابات التي سبقتها

إذ إنه من الواضح أن مخططي الانقلاب اعتقدوا أن الانقلاب سينجح بحلول الصباح الباكر عبر سلسلة من الأفعال السريعة والعنيفة، كما في الانقلابات الكلاسيكية. وهو ما يفسر لماذا أطلق المجلس العسكري المرتقب الموالي لغولن على محاولة الانقلاب "عملية الصاعقة".

ورأى الباحث أن التقاط المخابرات التركية لأطراف المؤامرة هو ما أفشل هذه المحاولة الكلاسيكية للانقلاب. فبمجرد كشف المؤامرة، كان لدى معارضيه الوقت والشجاعة والأدوات اللازمة للتحرك ضد الانقلاب ومقاومته.

في المقابل في عام 1980، بدأت هيئة الأركان العامة الانقلاب في الساعة الثالثة، وانتهت منه في الصباح الباكر، ولم تلقَ مقاومة تُذكر من أي جهة.

أما في 1960 فتمكن مدبرو الانقلاب من الاستيلاء على الإذاعة بعدما أرسلوا ضابطاً وجنديين إلى محطة الإذاعة في أنقرة؛ ليخبروا 50 جندياً في الخدمة، أنهم سيستولون على الإذاعة، وأن عليهم العودة إلى بيوتهم. استغرقت عملية السيطرة على الإذاعة الوحيدة المهمة حوالي 10 دقائق.


دور الإعلام


ومن وجهة نظره، فإن ازدياد القنوات التلفزيونية منذ مطلع التسعينات ووجودها المتنامي في العديد من البيوت التركية، كان وراء الانقلاب غير التقليدي الذي جرى في 1997.

وعلى عكس ما يردده البعض، فإن المجلس العسكري الذي خطط لمحاولة 15 يوليو/تموز 2016، لم يقلل من طبيعة البيئة الإعلامية التركية الحديثة، أو من قوتها وكفاءتها، لو أنهم بدأوا محاولة الانقلاب في الثالثة فجراً كما خططوا بدايةً، لتمكنوا من الاستيلاء على القسط الأعظم من وسائل الإعلام التركية بالفعل.

لكن بمجرد اعتراض المخابرات التركية لخططهم، انخفضت فرصتهم في "إقناع العسكريين بمساندة الجيش للانقلاب وقلة احتمالات المقاومة"، وهو العامل المحوري لنجاح الانقلاب، حسب الدراسة.

تحركات المجلس العسكري لانقلاب 2016 على الرغم من الأوامر الواضحة الصادرة من هيئة الأركان العامة بوقف جميع التحركات (رحلات الطيران والدبابات والجنود والشاحنات) تشي بأنهم كانوا متحمسين وعلى استعداد للمخاطرة بنشوب حرب أهلية نظير السيطرة على البلاد، حسب الباحث.

ولفت في هذا الصدد إلى أنه على الرغم من شلالات الدماء والعنف التي أُريقت بعد انقلابيّ 1960 و1980، إلا أن مدبري تلك الانقلابات ترددوا في اللجوء للسلاح لإنجاح محاولة انقلابهم.

وأشار إلى ضباط الجيش الذي يدبرون انقلاباً يعون أن الانقلابات التي تقع دون مبرر وقصة واضحة تجد نفسها مفتقرة للشرعية وسط المجتمع الأوسع، ولذا أراد العديد من الضباط ذوي الرتب المتوسطة المسؤولين عن انقلاب 1960، بما فيهم قائدهم الجنرال غورسيل، انتظار الوقت المناسب الذي يرى فيه الشعب الانقلاب شرعياً حتى قبل تدخل الجيش.

وفي سياق مشابه، كانت الفوضى السائدة عبر البلاد هي ما قاد الشعب التركي -بشكل كبير- إلى الترحيب بانقلاب 1980 في مختلف الأماكن، إذ وفر الاضطراب الذي سبق الانقلاب السياق اللازم لانقلاب آخر.

وفي 1997، ساندت العديد من منظمات المجتمع المدني الأحزاب السياسية، وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري، عملية الانقلاب بوضوح، بل إن تعاونهم كان شرطاً لا غنى عنه لنجاح الانقلاب، انقلاب من نوع جديد يعتمد على شبكة من الحلفاء العلمانيين، بدلاً من الطريقة المعتادة.

ويرى أن إحدى الملامح البارزة لمؤامرة انقلاب 15 يوليو/تموز 2016، هو غياب ستار الحياد، وهو ما يختلف عن محاولتي الانقلاب في 1960 و1980، لكنه يحافظ على روح محاولة الانقلاب في 1997، وإن كان في شكل أكثر تطرفاً.


الدور الأميركي الأوروبي


ووفقاً للورقة البحثية فقد اعتمد المخططون لانقلاب 15 يوليو/تموز 2016 أيضاً على عدم استقرار الاتحاد الأوروبي، فيما يخص تماسكه الداخلي والمشكلات الاقتصادية وغيرها من المشكلات المتعلقة بتراجع النفوذ السياسي بالإضافة إلى تذبذبه الأخلاقي.

الأهم من ذلك أنهم مالوا إلى الاعتقاد بأن أوباما لن يتخذ خطوات جذرية لفرض عقوبات على تركيا في شهوره الخمس الأخيرة في البيت الأبيض في حالة وقوع انقلاب.

اللحظات الأولى لمحاولات الانقلاب العسكري هي الأكثر هشاشة، لذا بدت الرسالة الأميركية المتناقضة، في الوقت الذي كانت الحكومة التركية المنتخبة ديمقراطياً ما زالت تحارب محاولة الانقلاب، وكأنها دعم واضح لمدبري الانقلاب.


هل يتم استبعاد المحافظين من الجيش؟


حث البحث الحكومة التركية على الانتباه والحذر لئلا تسمح للجيش بالعودة لنهجه القديم في إغلاق أبوابه أمام بعض الشرائح الاجتماعية. ولا ينبغي أيضاً أن يُستخدَم تسلل الموالين لغولن إلى الجيش، بشكل غير مقبول، لمنع المزيد من المواطنين المحافظين من دخول المدارس العسكرية أو الانخراط في صفوف الجيش.

ورأي أنه على الرغم من مسؤولية الضباط الموالين لغولن عن التخطيط لمحاولة الانقلاب وتنفيذها، إلا أنه من المحتمل أن هذه المحاولة استغلت مظالم "القوميين الجدد" داخل صفوف الجيش.

ومع الأخبار الورادة بشأن عودة المتهمين السابقين في محاكمات باليوز العسكرية إلى مناصب هامة داخل القوات المسلحة التركية، فربما لن تكون المشكلة من الآن وصاعداً هي وجود "جيش منكسر"، بل غياب التوازن بين أقسام الجيش.

وشدد على أن الإصلاحات العسكرية تحتاج إلى إعادة تصميمها مرة أخرى قبل أن تعود إلى جدول أعمال الحكومة سواء على المدى القصير أو الطويل. وعلى الرغم من تناول حزب العدالة والتنمية لهذه المسألة من خلال إلغاء المادة 35، التي استخدمها الجيش لإضفاء الشرعية على تدخلاته، من قانون الخدمة الداخلية للجيش، فسيكون على الحزب أيضاً العمل على معالجة جوهر هذه القضية عبر خطة إستراتيجية طويلة المدى لإعادة هيكلة الجيش.

•هذا الموضوع مترجم عن منتدى الشرق AlSharq Forum التركي. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.