صدقت نبوءته بعد 100 عام.. بريطاني توقّع اجتياح روسيا لجورجيا وأوكرانيا وحملتها في سوريا، فهل حقّقت "بيان القدر"؟

تم النشر: تم التحديث:
RWSYA
فلاديمير بوتين | social media

كان السيد هالفورد ماكيندر، الأستاذ الجامعي المتحفِّظ قليلاً ذو النظارات المنتمي إلى الحقبة الإدواردية، لينزعج لأقصى درجةٍ إذا شهد ما استُغِل فيه عمله الذي أفنى فيه حياته في روسيا ما بعد الشيوعية.

يشتهر ماكيندر بمحاضرة عنوانها «المرتكز الجغرافي للتاريخ»، والتي ألقاها في الجمعية الجغرافية الملكية عام 1904. وكان يقول إنَّ روسيا هي خصم بريطانيا الاستراتيجي الرئيس، وليست ألمانيا.

يوضح بنظرية حيوية عُرِفت بعد ذلك بـ«الجيوبولتيكا» (أي السياسة الجغرافية). ولكن توقيت تنبوئه هذا، قبل حربين عالميتين ضد ألمانيا، لم يكُن في صالح نظريته بالتبعية. ولكن بداية الحرب الباردة، وهي خلاصة تعاليمه، برَّأت ماكيندر أخيراً في العام الأخير من حياته. إذ رأى العالم مصفوفاً بالشكل الذي قد تكهَّن به تقريباً عام 1904: بريطانيا وأميركا، اللتان كانت قواتهما البحرية تحكم محيطات العالم، ضد الاتحاد السوفييتي، القوة البرية المهيمنة على العالم، التي قد هزمت سهوبها الشاسعة وشتاؤها القاسي كلًّا من نابليون وهتلر، المنيعة تقريباً خلف حصن بري، هو «قلب» أوراسيا.

رغم قرون من التقدم التكنولوجي والتنوير البشري، كان ماكيندر يؤمن أنَّ الجغرافيا ما تزال المكوِّن الجوهري للنظام العالمي، تماماً كما كانت خلال الحرب البلوبونيزية، التي واجهت فيها أثينا صاحبةُ القوة البحرية إسبرطة صاحبةَ أقوى جيش بري في اليونان. ويجادل الجيوسياسيون منذ ذلك الحين بأنَّ معظم الصراعات المسلَّحة لطالما كانت بين قوة بحرية أقوى وجيش أقوى. بمعنى آخر، فالقوة البحرية والقوة البرية مُقدَّر لهما أن يصطدما. سيظل الموقع الدولي للقوة البرية -داخل أوراسيا، أرض الإمبراطورية الروسية- إلى الأبد في منافسة عالمية مع القوة البحرية، التي سرعان ما سينتقل درعها من بريطانيا إلى الولايات المتحدة.


"بيان القدَر"


في عام 1919 كان ماكيندر ما يزال متشبِّثاً بفكرة أنَّ روسيا هي غريم بريطانيا الرئيس: فدعا إلى «إقامة فاصل أرضي كامل بين روسيا وألمانيا». برَّر ماكيندر هذه الخطوة بأشهر عبارة صاغها على الإطلاق، إذ قال: «مَن يحكم أوروبا الشرقية، يسيطر على قلبها. ومَن يحكم قلب أوروبا الشرقية، يسيطر على جزر العالم. ومَن يحكم جزر العالم، يسيطر على العالم».

استغرقت ملاحظة تلك الكلمات في قلب أوروبا الشرقية نفسها حوالي 50 عامًا، ولكن عندما حدث هذا، انتقل ماكيندر فجأةً إلى الشهرة وأصبح في منزلة نبيٍ، لأسباب خاطئة. كان الغرض من تحذيراته المخيفة، التي أطلقها عن قدرة روسيا الكامنة على الغزو والهيمنة، هو التملُّق من أجل توليد إجماع من النخبة الأوروبية في الفترة بين الحربين العالميتين على منع هذا من الوقوع، ولكن هذه النخبة أصبحت بدلاً من ذلك القوة الجاذبة لميلاد نسخة روسية جديدة من «بيان القدَر».

وقد تنبَّأ ماكيندر على نحوٍ مخيف في النظرية الجيوسياسية بكلٍّ من اقتحام روسيا جورجيا عام 2008، وأوكرانيا عام 2014، وحملتها الأخيرة في سوريا، إضافةً إلى جهودها من أجل تقوية دائرة نفوذٍ في داخل أوروبا الشرقية في قلب اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية السابق الذي يطلَق عليه الاتحاد الأوراسي.


الجغرافيا وليس الاقتصاد


رأى ماكيندر أنَّ الجغرافيا هي المحدِّد الجوهري للقوة العالمية، وليس الاقتصاد، وترث روسيا دوراً عالمياً أساسيّاً، بمقتضى موقعها المادي. لقد اخترقت مبادئ نظرية ماكيندر الغريبة قليلاً المؤسسة الحاكمة في ظل حُكم الرئيس فلاديمير بوتين، ويعود السبب في ذلك بدرجةٍ كبيرة إلى رجل واحد، هو ألكسندر دوغين، وهو المفكِّر البوهيمي اليميني الذي ظهر في حقبة البريسترويكا (إعادة البناء) في ثمانينيات القرن الماضي بصفته أحد القوميين البارزين في روسيا.

إنَّ السياسة الجغرافية اليوم اتجاهٌ سائد بفضل علاقات دوغين الضبابية داخل دوائر النخبة. كانت حجج ماكيندر مفيدة لدوغين والمتشدِّدين الآخرين الذين ادَّعوا أنَّ صراع روسيا مع الغرب حالة دائمة، رغم أنَّهم كانوا يواجهون صعوبات في تفسير هذا الادِّعاء. لقد بدا أنَّ أسباب الحرب الباردة قد تبخَّرت مع نهاية المواجهة الأيديولوجية، في حقبة جديدة من التسامح العالمي والديمقراطية و«نهاية التاريخ».


أسس الجيوبوليتيكا


لقد ساعد في صعود الإنجليزي كي يبلغ منزلة المفتي الأكبر للقوة الأطلسية، دوغين، الذي نشر عام 1977 كتاب «أسس الجيوبولتيكا»، أحد أكثر الكتب الصادرة في روسيا خلال الحقبة بعد السوفييتية بأكملها ترويعاً وإبهاراً وإثارةً للفضول، والذي أصبح نجماً هادياً لقطاع عريض من المتشدِّدين الروسيين.

خرج الكتاب من اختلاط دوغين بمفكِّري اليمين الجديد ومحاضراته نصف الشهرية في هيئة الأركان العامة تحت إشراف اللواء إيجور روديونوف، المتشدِّد للمتشدِّد، الذي سيتولَّى فيما بعد منصب وزير الدفاع من عام 1996 حتى 1997. وفقاً لدوغين، فإن الملاحظات المأخوذة من محاضراته كانت قد تجمَّعت بحلول عام 1993 لتُشكِّل مجموعة من المواد، التي كان على كل المستجدِّين في الهيئة استخدامها، والتي كانت تُعدَّل وتُذيَّل دورياً بأفكار جديدة على يد اللواءات، أو بعد محاضرة اليميني الآتِ من باريس أو ميلان.

ومن ثم بدأ دوغين بصورةٍ واعية في كتابة دليل لكيفية الغزو والحكم السياسية على طريقة نيكولو ماكيافيللي. كتب دوغين كتابه، مثل كتاب الأمير (الذي كان بالأساس طلب وظيفة متودِّداً مكتوباً إلى لورينتزو دي ميديتشي حاكم فلورنسا بعد أن عُزِل ماكيافيللي من السلطة ونُفِي عشرة أعوام)، ليكون مثل قصيدة غنائية موجَّهة لفئة النومنكلاتورا بالأمن الوطني الروسي من أعماق معزله بعد 1993. كان حتى عام 1991 هو أحد الدعاة المتشدِّدين الكبار، فكان يكتب مزيجاً من نظريات المؤامرة والغوغائية القومية لصالح جريدة ذا داي التي تموِّلها وزارة الدفاع. ولكن في أعقاب الانقلاب الفاشل الذي نفَّذته لجنة أمن الدولة والجيش الأحمر في أغسطس/آب من ذلك العام، كان دوغين في منفى داخلي لا يمتلك من وسائل لإعالة نفسه سوى القليل.


الحزب البلشفي الوطني


لقد أسَّس مع زميله المفكِّر القومي إدوارد ليمونوف حركة سياسية مشاكسة تُدعَى الحزب البلشفي الوطني، الذي أطلق هو عليه «مشروعاً فنيّاً سياسيّاً»، وإضافةً إلى ذلك، حصل على منصب محاضِر زائر في هيئة الأركان العامة بصورةٍ كانت مستبعَدة تقريباً، نتيجةً لعلاقاته بالمتشدِّدين وبروديونوف. باستغلال دوغين علاقاته بالأكاديميين العسكريين، وخلال جلوسه في القبو المتسخ بمقرات الحزب البلشفي الوطني في شارع فرانزنسكيا، كتب دوغين كتاباً سيصبح فيما بعد ذا أثر كبير على متشدِّدي روسيا.

في أيدي دوغين الجديرة، تحوَّل ماكيندر من تحفة إدواردية مغمورة لم تحصل على منصب في أوكسفورد قط، إلى مثيلٍ للكاردينال ريتشيليو في قصر وايت هول، الذي كانت استشاراته التي يهمس بها في آذان المسؤولين الكبار تتحكَّم في دفة التفكير الاستراتيجي البريطاني نصف قرن من الزمان، والذي ما زالت أفكاره هي التعليمات الاستراتيجية للجيل الجديد من البيروقراطيين الماندرين المتخفيين.


نظراء ماكيندر


إضافةً إلى ماكيندر، كان هناك الجيوسياسيون المقابلون، الألمانيون على الأغلب، الذين يعرض دوغين آراءهم، والذين كانوا يجادلون من منطلق نفس منطق ماكيندر، ولكن لصالح القوة البرية القارية بدلاً من القوة البحرية العالمية. كان هؤلاء الجيوسياسيون يشملون فريدريك راتزل، الجغرافي الألماني الذي عاش في أواخر القرن التاسع عشر، والذي صاغ مصطلح ليبنسراوم أو (المجال الحيوي)، والذي ضمَّه الرايخ الثالث لاحقاً لعضويته. حقَّق الجيل الثاني من الكتابات الجيوسياسية للنظرية ارتباطاً متأخراً بالنازية. كان كارل هوشوفر، المعاصر لماكيندر، لواءً بالجيش الألماني ومنظِّراً استراتيجيّاً، وكان مناصراً لتحالفٍ ثلاثي بين برلين وموسكو وطوكيو.

ينظر علماء السياسة من أصحاب الاتجاه السائد إلى فرع الجيوبولتيكا شزراً قليلاً. فهُم ينظرون إلى الجيوسياسيين كما ينظر الاقتصاديون من أصحاب الاتجاه السائد إلى مَن يُطلَق عليهم «الخنافس الذهبية» الذين يستمرون في الإيمان بالقيمة الأبدية للذهب بوصفه وسيلة للصرف، ويؤمنون بالثوابت القديمة التي يثقون أنَّها ستظهر ثانيةً حتماً. كذلك يؤمن الجيوسياسيون، الذين يمثِّلون ثقافة فرعية غريبة داخل مجتمع الخبراء، أنَّه على الرغم من المبادئ السامية والتقدُّم، فإنَّ الوسيلة -النزاع الاستراتيجي على الأرض- ستسود دائماً. وهُم محقُّون أحياناً.


إقبال على "الجيوبوليتيكا"


نفدت نسخ أربع طبعات من كتاب «أسس الجيوبولتيكا»، وما يزال يُحدَّد بوصفه كتاباً دراسياً في هيئة الأركان العامة والجامعات العسكرية الأخرى في روسيا. كتب المؤرِّخ جون دانلوب، اختصاصي اليمين الروسي في معهد هوفر: «لم يوجَد على الأرجح كتاب آخر منشور في روسيا خلال الفترة بعد الشيوعية وقد مارس تأثيراً مماثلاً على الجيش والشرطة ونخبة السياسة الخارجية النظامية الروسية».

في عام 1996، عُزِل آندريه كوزيريف، وزير الخارجية الروسي الذي كان رمزاً لجهود التغرُّب في سياسات يلتسين، من منصبه، وفي نفس العام، عُيِّن اللواء روديونوف، راعي دوغين في هيئة الأركان العامة، وزيراً للدفاع، بديلاً عن بافل جراشيف، الذي كان قد وقف في صف يلتسين في محاولة الانقلاب في أغسطس عام 1991، بصفته رئيس القوات الجوية.

وفي عام 1996 أيضاً، صوَّت مجلس الدوما لصالح إلغاء قرار اتفاقية بيلوفيج لعام 1991، التي أعلنت تفكُّك الاتحاد السوفييتي رسمياً، وفي نفس الوقت، لصالح الاعتراف بنتائج استفتاء 1991، الذي أيَّد فيه 70 بالمئة من المصوِّتين الروسيين الإبقاء على اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، بوصفها ملزِمة قانوناً. من الواضح أنَّ الأمر كان رمزياً فقط، ولكن بعد خمس سنوات من نهاية اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، دعمت أغلبية النخبة الروسية -إذا قبِل المرء تصويت الدوما الكاسح مرجعيةً ملائمة- إحياء الإمبراطورية.

وصل كتاب الأسس تماماً في الوقت الذي كانت نخبة روسيا تخوض فيه تحوُّلاً مزلزِلاً، رغم أنَّ الليبرالية في روسيا لن تتلقى ضربة قاضية أخيراً سوى عند انهيار الروبل في أغسطس/آب 1998. لقد ساعد كتابَ الأسس وضعه في كل مكان في أفضل مكتبات موسكو، جوار آلة تسجيل النقد دائماً تقريباً.


مؤامرة "الأطلسية"


جاءت حُجة دوغين الأساسية في كتاب الأسس مباشرةً من صفحات هوشوفر: وهي الحاجة إلى إحباط مؤامرة «الأطلسية» بقيادة الولايات المتحدة والناتو والتي تستهدف احتواء روسيا داخل نطاق أطواق جغرافية متتابعة من الدول حديثة الاستقلال. كانت الخطة بسيطة: أشار دوغين بإعادة توحيد الاتحاد السوفييتي أولاً، ثم استخدام دبلوماسية التحالف البارعة المتركِّزة على الشراكات مع اليابان وإيران وألمانيا لإخراج الولايات المتحدة وتوابعها الأطلسيين من القارة.

إنَّ الطريق إلى خلق «أوراسيا» هو رفض الأجندة القومية الضيقة، التي يمكنها إبعاد الحلفاء المحتمَلين. واقتبس من المنظِّر المنتمي إلى اليمين الجديد جان فرانسوا ثيريارت، الذي قال: «كان خطأ هتلر الأساسي هو أنَّه حاول جعل أوروبا ألمانية. كان عليه بدلاً من ذلك محاولة جعلها أوروبية». وبالتالي، لم تكُن روسيا ستصنع إمبراطورية روسية، وإنَّما إمبراطورية أوراسية. فكتب دوغين: «ستتأسَّس الإمبراطورية الأوراسية على المبدأ الجوهري للعدو المشترك: رفض الأطلسية، والتحكم الاستراتيجي في الولايات المتحدة الأميركية، ورفض السماح للقيم الليبرالية بالهيمنة علينا».


"نجمة الفوضى"


لم يبدُ مهماً كَون هذه الفكرة بدَت حوالي عام 1997 جنونية تماماً. كان الناتج الإجمالي المحلي الخاص بروسيا أقل من ذلك الخاص بهولندا، وكان الجيش الأحمر الذي كان مرعباً من قبل قد هُزِم للتو في أرض المعركة وأجبرته مجموعة غوغاء من المتمرِّدين الشيشان على سلامٍ مخزٍ. كانت هذه فترة من التاريخ الروسي تكثر فيها المقارنات بألمانيا الفايمارية، وكان كتاب دوغين دليلاً على أنَّ نفس قوى الظلام التي ساقها انهيار ألمانيا في فترة ما بين الحربين نحو الراديكالية بدَت في صعودٍ في روسيا. ووعظ قائلاً إنَّ خزي البلاد نتيجةٌ للمؤامرات الخارجية. كان غلاف الكتاب الورقي مزيَّناً برمز روني مماثل للصليب المعقوف يُعرَف في الدوائر الباطنية بـ«نجمة الفوضى»، وعرض الكتاب نفسه العديد من النازيين واليمينيين المتطرِّفين عرضاً إيجابيّاً. إذا لم تكُن الأمور المتوازية مع الرايخ الثالث وفيرة بالفعل بما يكفي، فقد دعا الكتاب لتكوين «محور» جيوسياسي يشمل ألمانيا واليابان.

بُنِي كتاب الأسس على تصور أنَّ السياسة الفعلية تحدث وراء ستار من المؤامرات، وفقاً للقواعد التي قبلتها أنظمة العالم ونخبته قروناً وراء معاقل امتيازاتهم، ولكنهم عزفوا عن إظهارها علناً. كانت الفكرة سهلة البيع لعامة القُرَّاء المهووسين بالمؤامرات، وجاء الكتاب مزوَّداً بكل الزخارف الخفية التي تكرِّس للحكمة السرية: نقوش رونية، وخرائط سرية ذات أنماط الأسهم والتظليل المتقاطع، وتعريف بمسؤولين خفيين مجهولين في الدبلوماسية العالمية. ولكن كان هناك من الحقائق الفعلية لدعم الاستنتاجات الوهمية ما يكفي لإثارة القارئ على الفور، تماماً كما ينبهر اللاعبون بلوح الويجا غالباً عندما تقف الآلة على حقيقةٍ ما يعرفونها بالفعل.


تعكس السياسة الدولية لكن دون تضليل


يتَّضح أنَّ سبب كَون الجيوبولتيكا إشكالية هكذا ليس كَون ممارسيها مجانين أو غامضين تماماً أو قد خضعوا للمحاكمة في محاكمات نورمبيرغ، ولكنَّه ستار بارع تضعه القوى الفعلية. أو كما يقول دوغين: «لأنَّ الجيوبولتيكا تظهِر بوضوح شديد الآلية الجوهرية للسياسة الدولية، التي تفضِّل الأنظمة المختلفة في معظم الأحيان إخفائها وراء الخطابات الضبابية والمخططات الأيديولوجية المجرَّدة».

كان كتاب الأسس أكثر اتزاناً وأفضل من حيث الحجج من كتب دوغين السابقة، وخالياً من المراجع الباطنية وعلم الأعداد والمذاهب التقليدية والماورائيات الغريبة الأخرى. في الحقيقة، من المحتمَل جداً أن يكون قد حصل على مساعدة من أشخاص بارزين في هيئة الأركان العامة حيث كان ما يزال يحاضِر. لم يحاول دوغين إخفاء علاقاته بالجيش: ففي الصفحة الأولى ذكر اللواء نيكولاي كلوكوتوف، معاونه الرئيس في هيئة الأركان العامة، بصفته مؤلِّفاً مشاركاً ومُلهِماً كبيراً (رغم إصرار كلوكوتوف أنَّه لم يكُن كذلك). ولكن الارتباط البارع بالجيش أضفى على عمل دوغين بعض السلطة وغطاء من الاحترام الرسمي، إضافةً إلى التصور بأنَّه كان واجهة مؤامرة مفترضة ما من المتشدِّدين للـ«دولة العميقة» الروسية، الذي انتشر مباشرةً من صفحات أحد كتيباته. وليس من المستحيل أن يكون هذا هو الوضع بالفعل.

من الواضح أنَّ دوغين اشتاق أن يجوب أروقة السلطة، وفعل كل ما بوسعه ليبرِّر قضيته لأولئك الماكثين هناك. فكتب أنَّ أولئك الذين يفهمون إملاءات الجغرافيا والسياسة فقط، هُم مَن يمكن أن يُعَدُّوا مؤهَّلين للإمساك بدفة الدولة، وقال: «يبرز اعتماد الإنسان على الجغرافيا فقط كلَّما اقترب إلى قمة السلطة. إنَّ الجيوبولتيكا هي رؤية لعالم السلطة، وعلم السلطة، ولصالح السلطة».


رسم خرائط جيوسياسية


بالطبع، لم يكُن هناك داع لذكر ضرورة إعادة توحيد اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية وفقاً لرؤية دوغين، فينبغي فصل جورجيا وضمّ أوكرانيا. فقال: «تمثِّل أوكرانيا، بصفتها دولة مستقلة ذات طموحات إقليمية محددة، خطراً هائلاً على أوراسيا كلها». أمَّا أذربيجان، فيمكن منحها إلى إيران في مقابل «محور موسكو-طهران». يمكن إضافة فنلندا إلى مقاطعة مورمانسك الروسية، بينما تنضم كلٌ من صربيا ورومانيا وبلغاريا واليونان إلى روسيا ليكوِّنا «روما ثالثة» أرثوذوكسية، أو الجنوب الروسي.

الأمر الآخر الذين لم يولِه الكتاب اهتماماً كبيراً، رغم أسلوب دوغين المتبحِّر وعرضه المسهب، هو لماذا تحتاج روسيا إلى إمبراطورية بالتحديد. لقد تعنَّت المفكِّرون الروسيون، بدءاً من ألكسندر هيرزن وصولاً إلى آندريه ساخاروف، لفكرة أنَّ الإمبراطورية هي المذنب الأوَّلي في تأخر روسيا الأبدي. لا يقول سوى قليلين أنَّ الخلل الوظيفي لروسيا الحديثة وغياب مكانتها وتناسب نفوذها مع طموحاتها على المسرح الدولي يرجعون إلى أي عجز في الحجم -فهي ما تزال في النهاية أكبر دولة في العالم من الناحية الجغرافية، رغم فقدانها 14 إقليماً بعد الاتحاد السوفييتي-. إضافةً إلى ذلك، لم تكُن حضارة روسيا المستندة إلى البَر مجرَّد عدو استراتيجي للقوات الكامنة في البحر، ولكنَّها كانت، بخلاف المألوف الثقافي والحضاري، بطبيعتها أكثر تراتبية وسلطوية من العالم الأطلسي الأكثر تجاريةً وديمقراطيةً. قال دوغين إنَّ الإمبراطورية كانت الطريق الوحيد لوقف زحف الليبرالية، التي كانت معاكسة للنظام القيمي الخاص بروسيا.


"برنامج حاسوبي مفتوح المصدر"


كان تأثير كتاب الأسس عميقاً إذا قيس بمبيعاته، وأكثر عمقاً إذا قيس بالمعيار الحقيقي للكتَّاب: القرصنة الأدبية. أصبحت أفكار دوغين «فيروساً» كما قال. أُعيدَت طباعتها في عشرات الأدلة الإرشادية والكتب الدراسية، خصَّصت كلٌ منها نفسها لنظريات ماكيندر وهوشوفر وآخرين. بدأت المكتبات في روسيا تخصِّص قسماً بعنوان «الجيوبولتيكا»، وأسَّس مجلس الدوما لجنة «جيوبولتيكا» مليئة بنواب من الحزب الديمقراطي الليبرالي المزعوم التابع للقومي المتطرِّف فلاديمير زيرونوفسكي. أنهى الأوليجاركي المؤثِّر وسمسار السلطة من وراء الكواليس، بوريس بيريزوفسكي، ظهوره في برنامج (بطل اليوم) التليفزيوني الحواري عام 1998 بعبارة «أريد فقط أن أقول شيئاً إضافياً: الجيوبولتيكا هي قدر روسيا».

كانت الجيوبولتيكا مثل «برنامج حاسوبي مفتوح المصدر» كما يقول دوغين، فقد كتب هو البرنامج ونسخه الجميع.

- هذا المقال مقتبس من كتاب تشارلز كلوفر الجديد: Black Wind, White Snow: The Rise of Russia’s New Nationalism

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Foreign Policy الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.