هل للمال دور في خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.. عالم الفيزياء ستيفن هوكينغ يجيب

تم النشر: تم التحديث:
EU
ASSOCIATED PRESS

دعا عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ إلى إعادة النظر في القيمة التي يمثلها المال والثروة، وتأثيرها على المُستقبل بعد نتيجة تصويت استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

ففي مقال نشرته صحفية الغارديان البريطانية في 29 يوليو/تموز 2016، تحدّث هوكينغ عن تأثير رؤية الناس للمال كأولوية، على النتيجة التي انتهى إليها استفتاء الاتحاد الأوروبي، مُسلّطاً الضوء على الضرر الجسيم الذي قد ينجم عن الاستفتاء فيما يتعلق بتمويل البحث العلمي والعلماء الذي كان سبباً رئيسياً في ما وصل إليه هوكينغ.

وهذا نص المقال

هل المال يهم؟ هل لاتزال الثروة تجعلنا أغنياء؟ قد تبدو تلك تساؤلات غريبة لأنْ يحاول حلّها عالم فيزياء، ولكن نتيجة استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تعد تذكيراً بأن كل الأشياء مترابطة، وأنه إذا أردنا أن نفهم الطبيعة الأساسية للكون، فسيكون من الحماقة أن نغفل إذاً الدور الذي تلعبه الثروة في مجتمعنا.

لقد قلت إبان حملة الاستفتاء إنه سيكون خطأً إن غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي، أنا حزين بشأن النتيجة، ولكن إن كنت قد تعلمت درساً واحداً في حياتي فإنه تحقيق أفضل النتائج مما هو مُتاح.

فالآن يتحتم علينا أن نتعلم العيش خارج الاتحاد الأوروبي، ولكن كي نقوم بذلك بنجاح فنحن بحاجة إلى فهم السبب الذي قام لأجله الشعب البريطاني باختيار الخروج، فأنا أعتقد أن الثروة، أي الطريقة التي نفهمها ونتقاسمها بها، قد لعبت دوراً حاسماً في قراره.
وكما قالت رئيسة الوزاراء تيريزا ماي، في أول أسبوع لها بعد تقلد منصبها: "نحن بحاجة إلى إصلاح الاقتصاد للسماح للمزيد من الناس بالمشاركة في ازدهار البلاد".

نعلم جميعًا أن المال مهم، وكان أحد الأسباب الذي اعتقدت لأجلها أنه من الخطأ أن نغادر الاتحاد الأوروبي، فالعِلم البريطاني في حاجة لكل الأموال التي يمكن الحصول عليها، ولسنوات عديدة كانت المفوضية الأوروبية مصدراً هاماً لمثل ذلك التمويل، فبدون تلك المنح لما أُجريَ ولا أمكن إجراء الكثير من العمل الهام، وهناك بالفعل بعض الأدلة على أن العلماء البريطانيين يُستبعَدون من المشاريع الأوروبية، ونحن في حاجة لأن تعالج الحكومة هذه القضية في أقرب وقت ممكن.

والمال مهم أيضاً إذ إنه يحرر الأفراد، فقد كنت أتحدث في الماضي عن قلقي بأن تخفيض الإنفاق الحكومي بالولايات المتحدة سيقلل من دعم الطلاب ذوي الإعاقة، ذلك الدعم الذي ساعدني في حياتي المهنية. وفي حالتي، بطبيعة الحال، لقد ساعدني المال ليس على جعل حياتي المهنية ممكنة فحسب، بل إنه أيضاً، وبالمعنى الحرفي، أبقاني على قيد الحياة.

ففي إحدى المرّات؛ وبينما كنت في سويسرا في وقت مبكر من حياتي المهنية، أُصِبت بالالتهاب الرئوي، ورتّبت جامعتي "جونفيل آند كيوس" في كامبردج لإعادتي للمملكة المُتحدة من أجل تلقي العلاج. وبدون مالهم ربما لما بقيت على قيد الحياة لأنجز كل الأعمال الفكرية التي قمت بها منذ ذلك الحين، فالمال بإمكانه تحرير الأفراد، تماماً مثلما يمكن للفقر الإيقاع بهم، ووضع حدٍّ لإمكاناتهم، على نحو يضر بهم وبالجنس البشري.

ولذلك؛ فسأكون أنا آخر شخص يستهتر بأهمية المال، ومع هذا، فعلى الرغم من أن الثروة قد لعبت دوراً هاماً في حياتي، فأنا لديّ، بطبيعة الحال، علاقة مُختلفة معه عما هو الأمر لدى معظم الناس، فالإنفاق على رعايتي كرجلٍ شديد الإعاقة، وعلى عملي، أمرٌ حاسم، في حين أن حيازة الممتلكات ليست كذلك، فأنا لا أعرف ماذا سأفعل بجواد سباق، أو سيارة فيراري في الواقع، حتى وإن تمكنت من شراء واحدة.

لذا فأنا أرى المال باعتباره طريقة تسهيل، كوسيلة لتحقيق غاية، سواء كان من أجل أفكار أو صحة أو أمن، ولكنه لم يكن أبداً غاية في حد ذاته.
وعلى نحو مثير للاهتمام؛ صار الآن ذلك الموقف الفكري، الذي طالما نُظِر إليه باعتباره غرابة ممكن التنبؤ بها بالنسبة الأكاديميين في كامبردج، مُتداولاً على نطاق واسع، فقد بدأ الناس يشكون في قيمة الثروة الصافية.

هل المعرفة أو الخبرة أكثر أهمية من المال؟ وهل بإمكان الممتلكات الوقوف في طريق الإنجاز؟ هل بإمكاننا حقاً أن نملك أي شيء، أم أننا مجرد حُراس عابرين لتلك الممتلكات؟ وتؤدي تلك الأسئلة إلى تحولٍ في السلوك مما يُلهم، بدوره، بعض المشاريع والأفكار الجديدة غير المسبوقة. والتي توصف بأنها "مشاريع كاتدرائية"، أي ما يُعادل حديثاً مباني الكنائس الكبرى، التي شيدت كجزء من محاولة بشرية لمد جسرٍ يصل بين السماء والأرض. تلك الأفكار التي بدأها جيل بالأمل في أن يخوض جيل مُستقبلي تلك التحديات.

وأنا آمل وأعتقد أن الناس سيحتضنون المزيد من ذلك التفكير الكاتدرائي من أجل المستقبل، مثلما فعلوا في الماضي، لأننا نعيش في أوقات صعبة، ويواجه كوكبنا وجنسنا البشري تحديات متعددة، وتلك التحديات عالمية وخطيرة؛ كتغير المناخ وإنتاج الغذاء، والزيادة السكانية، وهلاك الأنواع الأخرى، والأمراض الوبائية، وتحمّض مياه المحيطات.

ومثل تلك القضايا المُلحّة تتطلب منّا جميعاً التعاون برؤية مُشتركة ومسعى تعاوني لضمان قدرة البشرية على البقاء على قيد الحياة، فنحن في حاجة للتكيّف وإعادة التفكير وإعادة التركيز وتغيير بعض من افتراضاتنا الأساسية حول ما نعني بالثروة وبالممتلكات وبما هو لي وما هو لك، تماماً مثل الأطفال، سيتعين علينا أن نتعلم كيف نتشارك.

وإذا أخفقنا إذاً؛ فستشتد القوى التي ساهمت في استفتاء "بريكست"، وكذلك الحسد والانعزالية ليسا في المملكة المُتحدة فحسب، بل في جميع أنحاء العام الذي يستند في قفزاته إلى عدم المشاركة، وعلى الثقافات المدفوعة بالتعريف الضيق للثروة والإخفاق في تقسيمها على نحو أكثر عدلاً في داخل الدول وخارج حدودها. وإذا حدث ذلك فلن أكون متفائلاً بشأن التوقعات طويلة الأجل لجنسنا البشري.

ولكن؛ نحن قادرون، وسننجح، فالبشر ذوي حيلة ومتفائلون وقابلون للتأقلم إلى حد لا نهائي، فيحتم علينا توسيع نطاق تعريفنا للثروة ليشمل إذاً المعرفة، المصادر الطبيعية، القدرات البشرية، وفي الوقت نفسه علينا أن نتعلم مشاركة كل من تلك الأشياء على نحو أكثر عدالة، وإن فعلنا ذلك، فلن يكون هناك حدٌ لما يمكن للبشر تحقيقيه سوياً.
أطلق ستيفن هوكينغ مؤخراً موقع: www.unlimited.world

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.