رضيع توفي فيها اختناقاً ومرضى قتلوا على أسرّتها.. المشافي في الجزء المحاصر من حلب طريقٌ آخر إلى الموت

تم النشر: تم التحديث:
HLB
مشافي حلب | social media

كانت الساعة الرابعة تماماً حسب التوقيت المحلي يوم الجمعة 22 يوليو/تموز 2016 في مدينة حلب بشمالي سوريا عندما التقطت الدكتورة فريدة المسلم الهاتف مع أصوات القنابل المتساقطة بالخارج.

وصفت الطبيبة البالغة من العمر 37 عاماً بهدوء الفوضى الجارية حولها "أنا في المنزل، أجلس وسط بيتي، لأن الضربات الجوية تنهال علينا الآن".

وتابعت. "نحن نختبئ بداخل حمامنا".

لمدة أربع سنوات حتى الآن، كانت مدينة حلب- موطن المسلم- نقطة مركزية في الصراع الدائر في سوريا، ويُسيطر نظام رئيس النظام السوري بشار الأسد على غربها وقوات المعارضة على شرقها.

وقد اتسمت هذه الفترة بالمأساوية، وسفك الدماء، والصدمات النفسية الجماعية واسعة الانتشار بين أكثر من 2 مليون شخص يعتبرون المدينة موطنهم عندما بدأ القتال. انحدر الوضع الآن من سيئ إلى أسوأ.


"سوف يقتلون الجميع"


في 7 يوليو/تموز، بعد ساعات فقط من إعلان الأسد وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أيام، استولت قواته على طريق الكاستيلو -الشريان الحيوي الذي يغذي قوات المعارضة بالأسلحة ويوفر المواد الغذائية والأدوية المنقذة لأرواح المدنيين الذين لا يزالون يعيشون في شرق حلب التي تسيطر عليها المعارضة.

قالت فريدة "نحن تحت الحصار الآن".

الحكومة الروسية قالت منذ يومين إنه سيتم فتح ممرات إنسانية للسماح للسكان المحاصرين في مناطق المعارضة بالخروج الآمن، وعلى الرغم من ذلك مازال الناس يتساءلون حول كيفية تنفيذ هذا المُقترح على الأرض.

وبالحديث مع المُعارِضة، وصفت فريدة الظروف القاتمة التي يجد العاملون في المجال الطبي والمدنيون العاديون في حلب أنفسهم فيها. وأضافت "النظام يقتلنا كل يوم"، مستطردةً "إذا استولوا على مدينة حلب، سوف يقتلون الجميع".


استهداف ممنهج للمشافي


اعتاد الأسد وحلفاؤه الروس استهداف المرافق الطبية بشكل منهجي بالضربات الجوية، لينخفض عدد الأطباء في مدينة حلب لبضع عشرات فقط. وعدد الأطباء المتخصصين المتبقين أقل حتى من ذلك.

فريدة المسلم، المتخصصة في أمراض النساء والتوليد، هي إحدى اثنين من الأطباء العاملين في اختصاصها المتبقين في المدينة المحاصرة ذات الثلاثمئة ألف نسمة حالياً.

غالباً ما يعمل المتخصصون بالمهن الطبية في شرق مدينة حلب تحت الأرض، في أقبية الأبنية المتداعية التي تُمثل غرف الطوارئ، وعنابر المرضى، وغرف العمليات وكلها مدمجة في مكان واحد.

استمرت ثمانية من أمثال هذه المرافق في استقبال المرضى في الأراضي التي يسيطر عليها مقاتلو المعارضة.

مستشفى فريدة المسلم -ويدعى مستشفى عمر بن عبد العزيز- ومنذ فترة طويلة هو المنشأة الطبية الوحيدة التي تعمل في الجزء الشرقي من مدينة حلب. وفقاً للأمم المتحدة، فقد خدم المستشفى خلال الفترة الماضية "ما معدله 5,500 استشارة خارجية، و125 حالة توليد، 74 عملية قيصرية و143 عملية جراحية كبرى في الشهر".

hlb


3 ضربات جوية لمشفى واحد


وعلى مدار 45 يوماً هذا الصيف في شهري يونيو/ حزيران ويوليو/تموز، ضُرب مستشفى عمر بن عبد العزيز بما لا يقلّ عن ثلاث ضربات جوية.

كانت فريدة داخل المستشفى خلال اثنتين من هذه الغارات الجوية. كانت تجري عملية قيصرية خلال واحدة من هذه الاعتداءات، وكان يجب نقل مريضتها العاجزة إلى منزل مجاور سريعاً.

وقع الهجوم الثالث والأكثر تدميراً -والذي أدى الى إصابة عدد من الموظفين- في يوم 16 يوليو/تموز، وذُكر أنه شمل وابلاً من البراميل المتفجرة ثم تلاه ضربات جوية روسية. اللقطات التي تهدف إلى إظهار آثار الهجوم أظهرت الأطفال والرضع المصابين في غرفٍ مليئة بالغبار وعمال الإنقاذ مع مصابيح الخوذة يحملون المرضى المُصابين خلال الممرات المظلمة.


قصف كل 3 ساعات


اعتمدت حملة الأسد على استخدام القوة الجوية الساحقة لاستعادة السيطرة على شرق مدينة حلب، جنباً إلى جنب مع الجيش الروسي في الكثير من الأحيان.

ووفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية BBC، قصفت القوات السورية والروسية المناطق التي تسيطر عليها المعارضة بأكثر من 600 غارة جوية في غضون ستة أيام فقط خلال الأسبوع الأول من شهر يوليو/تموز، ما أسفر عن مقتل 126 شخصاً، وردّ مقاتلو المعارضة بإطلاق صواريخ على غرب حلب (الواقع تحت سيطرة النظام)، مما أسفر عن مقتل 58 شخصاً. ومنذ ذلك الحين تُمطر الطائرات الحربية شرق مدينة حلب بالقنابل "كل يوم، كل يوم"، كما قالت فريدة "كل ثلاث أو أربع ساعات".

hlb


هارب من الحصار


منذ استيلاء النظام على طريق كاستيلو، شعر سكان شرق مدينة حلب بتشديد الخناق.

وصف سامر العطار -طبيب أميركي من أصل سوري مُقيم في شيكاغو- إغلاق طريق كاستيلو بأنه "نقطة تحول كارثية" وفصّل التحديات المروعة التي يواجهها الآن المجتمع الطبي والسكان المدنيون في شرق مدينة حلب.

كان العطار، جراح العظام، في مدينة حلب عندما كثف نظام الأسد هجومه في وقت سابق من هذا الشهر، ولحق بإحدى آخر الحافلات الخارجة من المدينة قبل بدء الحصار. قال "رأيت أشياء مروعة - أطفالاً مبتوري الأطراف، مدنيين تظهر أمعائهم خارج بطونهم".

الآن، لا توجد سيارات في الشوارع، من الصعب الحصول على الوقود، والقيادة أمرٌ خطير. الكهرباء غير مُتاحة إلا لمدة لا تزيد على ست ساعات في اليوم.

يقول عطار، ليلة الأربعاء من كل أسبوع "يعتمد مدنيو حلب على حقيقة أن طريق كاستيلو مفتوح للمساعدات الإنسانية والإمدادات الإنسانية والمواد الغذائية وزيت الطهي".


تطوّر "مشين"


الآن مع قطع الطريق الأخير المتبقي والذي يربط شرق مدينة حلب مع العالم الخارجي، تدق جماعات الدعم الإنساني ناقوس الخطر بشأن كارثة محتملة في طور التكوين.

في بيان أمام مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يوم الاثنين الماضي، وصف ستيفن أوبراين- وكيل الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ- التطورات المتدهورة في شرق حلب بأنها "من القرون الوسطى ومُشينة"، مُسلطاً الضوء على الاعتداءات المتكررة على مستشفى فريدة -على وجه الخصوص- كدليل على الأخطار التي يواجهها السكان المدنيون في المدينة الآن.

قال أوبراين "لا أستطيع أن أؤكد بما فيه الكفاية على مدى خطورة الوضع بالنسبة لأولئك المحاصرين في شرق مدينة حلب".

وأكدت ماريان جاسر، أكبر مسؤولي الصليب الأحمر في سوريا، والموجودة في حلب حالياً شعور أوبراين، واصفة الوضع "بالمأساوي".

في الوقت نفسه طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش المسؤولين الروس والأميركيين "بالضغط على حكومة النظام والأطراف الأخرى المتناحرة للسماح بوصول المساعدات دون عوائق" كما أشارت إلى أن تجويع المدنيين عن عمد هو جريمة حرب.


اعتداءان خلال 12 ساعة


واستمرت الاعتداءات على المنشآت الطبية في مدينة حلب خلال نهاية الأسبوع الماضي، وهي أحد الأساليب الموثقة التي تلجأ لها حكومة الأسد، وبينما نجا مستشفى فريدة من هذا الهجوم، قُصفت أربعة مستشفيات على الأقل وبنك للدم في إحدى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، على مدار يومين. ووفقاً لليونيسيف، تعرض مستشفى الأطفال الذي تدعمه المنظمة والوحيد في حي "الحكيم" لاعتداءين خلال 12 ساعة. كما قالت المنظمة في بيانها الصادر يوم الثلاثاء "أشارت التقارير إلى وفاة رضيع عمره يومان في الحاضنة نتيجة انقطاع إمداده بالأكسجين عدة مرات جراء القصف الذي تعرّض له حي الحكيم".

وبعد ساعات من بدء سقوط القنابل خلال نهاية الأسبوع الماضي، خرج الأسد مبدياً استعداده لمواصلة مفاوضات السلام في جنيف المتعثرة منذ أشهر.


إصرار


وعلى الرغم من الاستنزاف السريع للموارد، واصلت فريدة المسلم عملها على أرضية طالتها آثار القصف سواء في المستشفى أو في العيادة الخاصة.

ومع الحصار أصبحت أيامها أكثر تعباً وإرهاقاً، فمع ارتفاع الحرارة إلى ما يزيد على 100 درجة فهرنهايت (38 درجة مئوية) في مدينة حلب، تعمل فريدة في غرف عمليات لا يوجد بها تكييف للهواء.

وقالت "أرى حوالي 120 مريضاً يومياً يأتون للولادة أو للفحص، أو لأي شيء آخر".

وتابعت "يولد حوالي 10-15 رضيعاً في مستشفانا بشكل يومي".

كما أشارت إلى أن الحصار تسبب في قطع إمدادات شحنات الدواء عن الجزء الشرقي من مدينة حلب والتي اعتادت الوصول مرة أسبوعياً. وأشارت، على سبيل المثال، إلى هرمون "الأوكسيتوسين" المُستخدَم لتحفيز الطلق والسيطرة على نزيف المرأة بعد الولادة. وقالت فريدة "إنه دواء مهم لعملية الولادة".

وقدرَّت فريدة أن مخزون المدينة، حتى الأسبوع الماضي، من الأوكسيتوسين قد يكفيها لحوالي 20 يوماً، وتنبأت بحدوث "كارثة هائلة" حين ينفذ هذا المخزون.


حلب "الوطن"


تُعد حلب إحدى أقدم المدن المأهولة بالسكان في العالم، وعلى الرغم من فرار أو فناء الآلاف من سكانها منذ سيطر مقاتلو المعارضة على شوارعها القديمة في صيف 2012، بقيت فريدة المسلم هناك. بالنسبة لها تعد حلب هي الوطن، هنا تلقت تعليمها وهنا تحيا مع ابنتها وزوجها ووالدتها وشقيقتها. إذا رحلت، سيفقد السكان الذين تساعدهم نصف عدد أخصائيات صحة المرأة.

وأضافت "أريد أن أساعدهن"، كما تابعت أيضاً أن طبيعة عملها تسمح لها بلحظات قصيرة بعيداً عن العنف الذي يجتاح المدينة "حين أرى ابتسامة أمٍ بعد الولادة أنسى كل شيء".


ممرات إنسانية مشكوك بأمرها


أعلن وزير الدفاع الروسي يوم الخميس 28 يوليو/ تموز فتح ثلاثة ممرات إنسانية للسماح للمدنيين والمقاتلين الراغبين في تسليم أسلحتهم بالهروب من شرق مدينة حلب.

بينما قالت جولييت توما، الرئيس الإقليمي لليونسيف، في حديثها لـBBC "من المبكر الحكم على مدى فاعلية هذه الممرات وهل ستعمل أم لا؟". كما قال ستافان دي ميستورا مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا أن أحداً لم يستشره بشأن العرض الروسي، وأنه ما زال من المبكر التعليق عليه.

ويأتي حصار مدينة حلب في وقت حرج بالنسبة للحكومات الغربية. وتكثف قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة من عملياتها في المنطقة، قبل العمليات الهجومية العسكرية المخطط لها ضد معاقل تنظيم الدولة الإسلامية في مدينتي الموصل العراقية والرقة التي تمثل العاصمة الفعلية للتنظيم المتطرف في سوريا. في الوقت ذاته، يدفع وزير الخارجية الأميركي كيري باقتراح مثير للجدل من شأنه أن يقود إلى عمل الولايات المتحدة وروسيا جنباً إلى جنب لاستهداف جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية عبر غارات جوية في سوريا، وفي مقابل مشاركة المعلومات الاستخباراتية، ستضغط روسيا على نظام الأسد ليتوقف عن ذبح شعبه.


كابوس


أشار النقاد إلى أن العمل مع الجيش الروسي، الذي دخل الصراع في سوريا دعماً لنظام الأسد الذي يخنق شرق حلب حالياً، قد يرسل رسالة سلبية لقوات المعارضة التي تدعمها الولايات المتحدة على الأرض، والتي استهدفتها الغارات الروسية سابقاً، مما قد يؤدي إلى ترجيح كفة موازين القوى لصالح "الديكتاتور القاتل".

يعتقد عطار، الطبيب الأميركي السوري، أن على الولايات المتحدة اتخاذ موقف علني أكثر حسماً ضد حكومة الأسد وحلفائه الروس. "الجميع رأوا ما يحدث بالتصوير البطيء" وأضاف "الجميع رأى شدة القصف الروسي وتصاعده وتعدي قوات النظام السوري على طريق كاستيلو" متابعاً "لم يفعل أحد شيئاً".

أما فريدة المسلم فلا تشك في أن نظام الأسد لن يفك الحصار إلا حين يحكم قبضته على مدينتها. وحين يفعل، ستكون العواقب وخيمة عليها وعلى من حولها: "إنه كابوسنا".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Intercept الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.