يوميات العمل والزواج والموت في حظر التجوال.. هكذا يعيش أهل سيناء مع الطوارئ

تم النشر: تم التحديث:
WEEDING IN SINA
social media

أسرع سالم نحو نافذة المنزل بعد أن اهتزت جدرانه وتناثرت قطع وشظايا من الزجاج في كل شبر من منزله جراء انفجار مروّع كالذي اعتادت أذنه على سماعه في الآونة الأخيرة.

كان ذلك قبل شهور.. نظر من النافذة، فشاهد الغبار والأتربة والدخان في الأفق، عاد ركضاً في اتجاه غرف أولاده الثلاثة وزوجته وابنته. كانوا وقتها يستعدون لعُرس ابنته يوم الخميس التالي.

"عدت أفتش عن أفراد أسرتي في غرف المنزل حتى وجدت زوجتي تحتضن أولادي الثلاثة تحتمي بهم من روع الانفجار تحت منضدة من المعدن"، يقول سالم لـ"هافينغتون بوست عربي"، ويضيف: "نظرت إلى أعينهم المرتعبة ولم أسمع لهم صوتاً وكأنهم فقدوا جدوى الحديث أو السؤال عن المستقبل، إذ إنهم فقدوا أمان الحاضر".

اكتشف سالم أن الجميع بخير، عدا ولده الوحيد، الذي أصيب بشظايا من الزجاج المتناثر في وجهه، لكن أين يذهب سالم بابنه وقد بدأت ساعات حظر التجوال، وشوارع منطقة المساعيد، حيث يسكن، تصبح خطيرة في ساعات ما بعد الانفجارات، فهناك دائماً احتمالات بانفجار آخر، أو باشتباكات ومطاردات تالية للانفجار.

قرار حظر التجوال مفروض على بعض مدن العريش والشيخ زويد ورفح بمحافظة شمال سيناء منذ حادثة كرم القواديس في أكتوبر/تشرين الأول عام 2014، الذي يعد أكثر الهجمات الإرهابية التي استهدفت الجيش المصري دموية"، واليوم يبدأ سريانه لفترة جديدة، لثلاثة أشهر أخرى.

لم يستخدم سالم تليفونه المحمول ليطلب سيارة الإسعاف لمساعدة ابنه المصاب؛ لأنه يعلم يقيناً أنه بمجرد وقوع أي انفجار أو سماع تبادل لإطلاق النيران تنقطع كل شبكات الاتصال، فهذا ما اعتاده سكان المدن الثلاث المطبق عليها القرار منذ بداية المواجهات الأمنية بين قوات الجيش والعناصر الإرهابية المسلحة الموجودة بالمنطقة، كما أن تحركات سيارات الإسعاف أيضاً أصبحت محفوفة بالخطر.


هكذا تولد البطالة


مع امتداد الطوارئ وتطبيق حظر التجوال تغيرت حياة الجميع.

الحاج مسلم عودة، أحد المزارعين بقرية الجورة بمنطقة الشيخ زويد، المنطقة التي شهدت الكثير من المواجهات العنيفة، وانتهت بتدمير موارد الرزق للفلاحين.

"كنت أنتج ما يزيد على 150 طناً من الكانتلوب السيناوي المشهور زراعته بتلك المنطقة، وأقوم ببيعه إلى تجار من كل محافظات مصر، وكان دخلي يصل إلى نصف مليون جنيه في الموسم الزراعي"، يقول الحاج مسلم لـ"هافينغتون بوست عربي".

غير أنه بعد تطبيق قرار حظر التجوال، امتنع التجار عن إرسال سياراتهم لنقل الحاصلات الزراعية، بسبب زيادة عدد ساعات الانتظار على كمائن التفتيش المنتشرة على طول الطريق، من مدينة القنطرة شرقاً حتى مدينة الشيخ زويد بطول 185 كيلومتراً.

قرار الحظر أجبر السيارات على المبيت لأكثر من ليلة على الكمائن التي تغلق الطرق في بداية ساعات حظر التجوال من الخامسة عصراً حتى السادسة صباحاً، بمدينتي الشيخ زويد ورفح.

العريش العاصمة الإدارية لمحافظة شمال سيناء التي يغلب عليها الطابع الحضري، تأثر سكانها بهذا القرار عندما بدأ تطبيقه من السابعة مساءً إلى السادسة صباحاً، وبعد تخفيفه على مراحل ليصبح الآن بين الساعة الواحدة صباحاً والخامسة فجراً.

الكثير من المحال التجارية أغلقت أبوابها بسبب الخسائر الفادحة، وتم تقليل عدد ورديات العاملين بالكثير من المشروعات الصغيرة، وهي مصدر الرزق الأساسي لمعظم سكان المدينة. واستمر تحصيل الضرائب والرسوم الحكومية الكاملة بلا أي استثناء للظروف الحالية التي تعيشها المحافظة.

أحمد المصري، شاب في أوائل العقد الثالث من عمره، حديث التخرج من كلية العلوم الزراعية بالعريش، والتابعة لجامعة قناة السويس. ظل عاماً كاملاً يبحث عن عمل، حتى التحق بأحد محال أجهزة تليفونات المحمول، لكن عاد عاطلاً بفضل حظر التجوال. "كان مرتبي 1200 جنيه شهرياً، ورضيت به كعمل مؤقت ولكن منذ تطبيق قرار حظر التجوال، قلّت الحركة التجارية بشكل كبير وتم تقليل عدد الورديات الخاصة بالعاملين وتم الاستغناء عني مثلما حدث مع كثير من الشباب، وأنا حالياً بلا عمل".


الطوارئ مستمرة.. والأفراح أيضاً


رغم كل تلك الظروف والقرار الذي منع المواطنون من إقامة حفلات الزفاف في أوقات متأخرة من الليل، فقد كانت حفلات الزفاف على الطراز الأوروبي، تبدأ في الساعة الواحدة ظهراً وتنتهي قبل الخامسة من مساء نفس اليوم موعد بدء حظر التجوال، فالناس يحاولون انتزاع الفرحة.

محمد الغول، شاب أجبرته الظروف على أن يكون موعد زفافه أثناء حظر التجوال. "لم أستطع تأجيل حفل زفافي الى موعد آخر، فلا نعلم متى سينتهى هذا القرار. اتفقت مع إحدى القاعات على موعد الزفاف في الواحدة ظهراً، وطلبوا مني أن ينتهي الحفل قبل الخامسة حتى يستعد العمال المغادرة قبل ساعات الحظر، وبالفعل حضر الأهل والأصدقاء الى زفافي واستمتعنا كثيراً ولم يؤثر ذلك على فرحتنا".

dh

صورة لحفلات الزفاف النهارية بالعريش



عندما فشل سالم في الاتصال بالإسعاف لعلاج ابنه المصاب، شرع في تضميد جراحه ببعض الأدوات التي يحويها صندوق الإسعاف المنزلي وسط صراخ الولد وبكاء أمه، ومازالت خطوط الاتصال منقطعة بشكل شبه كامل.

بسبب صعوبة المعيشة والتنقل فقد أثار القرار وتجديده المستمر كل 3 أشهر منذ أكثر من عامين تقريباً حفيظة سكان تلك المناطق والأحزاب والحركات السياسية بمدينة العريش، فتم إطلاق هاشتاغ على صفحات التواصل الاجتماعي "#سيناء_تحت_الحظر"، سرد فيه المواطنون الظروف الصعبة والمواقف التي يتعرضون لها بشكل مستمر، ويطالبون فيه الدولة بوقف القرار وتسهيل الحياة داخل المنطقة".

كما قام بعض أهالي العريش والحركات السياسية على مدار العامين الأخيرين بتنفيذ وقفات احتجاجية ومسيرات تندد بهذا القرار، يطالبون فيها رئيس الجمهورية بوقف تجديد القرار ومراعاة المواطنين المدنيين وتسهيل الظروف المعيشية التي يعيشونها مع مزيد من الضحايا الذين يسقطون بسبب تلك الانفجارات المستمرة.

في العشرين من مايو/أيار الماضي، وفي مقر حزب الوفد شمال سيناء، تم تلاوة بيان بتوقيع "بيت العيلة بشمال سيناء"، يرفع إلى المسؤولين 8 مطالب لأهالي سيناء، كان في مقدمتها إنهاء حالة حظر التجوال، وتعيين الخريجين.

ورغم كل ذلك فقد صوّت مجلس النواب المصري بالموافقة على قرار تجديد حظر التجوال بمدن العريش والشيخ زويد ورفح، رغم اعتراض نواب محافظة شمال سيناء على هذا القرار، ومناشدة الجهات الأمنية بتنفيذ توصيات قدمها النواب الى لجنة الأمن القومي بالمجلس بشأن بعض الإجراءات المتخذة بالمنطقة، تسهيلاً على المواطنين في معيشتهم.

في ذلك اليوم اهتزت جدران منزل سالم مرة أخرى بصرخة الزوجة المرعوبة، عندما اكتشفت غياب ابنتها العروس من المشهد، وذهبت تبحث عنها في غرفتها. وجدتها غارقة في دمائها، واكتشفت الأسرة وفاة ابنتهم الشابة جراء اختراق شظية للحائط الذي كانت ترقد خلفه.

منذ ذلك اليوم 25 أكتوبر/تشرين الأول 2014، الذي اختلطت فيه دماء ضحايا كرم القواديس بتراب سيناء، بدأت متاعب حظر التجوال على أهل شمال سيناء، واليوم تبدأ دورة جديدة من الطوارئ، تمتد إلى 3 أشهر، لكنها تبدو بلا نهاية.