أميركا سخرت من "الجهاديين" ثم تستعطفهم: انضمامكم لـ"داعش" يحطّم قلوب أمهاتكم ويمزق أسركم

تم النشر: تم التحديث:
DAASH
Alaa Al-Marjani / Reuters

تجري الإدارة الأميركية تعديلات على برنامج مصمم لثني المقاتلين الأجانب عن الانضمام للمجموعات المتطرفة كتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ويركز على سلسلة من الإعلانات الجديدة والمقاطع المتداولة على الشبكات الاجتماعية التي تخاطب العواطف وتحرك المشاعر بدلاً من المحاججة العقلية.

تمويل البرنامج الذي يديره "مركز التفاعل العالمي"، التابع لوزارة الخارجية الأميركية، تضاعف 3 مرات ليصل إلى 16 مليون دولار هذا العام، بعدما خلص القائمون عليه إلى أن المساعي والجهود السابقة لثني "الجهاديين" عن الانخراط في صفوف التنظيمات الإرهابية باءت جميعها بالفشل.

البرنامج يعد أحدث حلقة في سلسلة المساعي التي بذلتها إدارة أوباما في إطار ما يفضل الدبلوماسيون والمسؤولون تسميته "التفاعل مع الجمهور"، بدلاً من الإشارة المباشرة إلى "مكافحة الإرهاب"، إذ إن جميع البرامج السابقة أثبتت فشلها في جذب الجمهور المستهدف (الجهاديين). فالاعتداءات الأخيرة في كل من تركيا والعراق وفرنسا وبنغلاديش تظهر أن التطرف في انتشار متزايد.

لكن شيئاً واحداً تغير مقارنة بجميع المساعي السابقة المشابهة؛ المبادرات الجديدة لا تُظهر انخراط الحكومة الأميركية فيها، حتى أن علاقة السلطات في واشنطن ببعض هذه المبادرات تكون بمثابة سر دفين، والسبب وراء كل ذلك هو أن الدعم الأميركي الصريح لتلك المبادرات جاء بنتائج عكسية تماماً لدى الجمهور المستهدف.

المبادرة الجديدة تقوم على مقاطع فيديو في فيسبوك وإعلانات إنستغرام وغيرها من الشبكات الاجتماعية في محاولة لإقناع الشباب بأن انضمامهم للجهاديين سيحطم قلوب أمهاتهم ويمزق أسرهم وسيترك حسرة لدى المقربين منهم.

كانت المساعي السابقة من الإدارة الأميركية تهدف إلى ردع "الجهاديين" بالترهيب والتحذير من أن شن حرب على الغرب ستبوء بمقتلهم جميعاً، لكن المسؤولين استنتجوا لاحقاً أن هذا المحتوى التحذيري أسهم عكسياً في تغذية الروح القتالية.


"فكر ثانية، تراجع"


كما كانت العديد من البرامج السابقة معلنة الارتباط بحكومة الولايات المتحدة الأميركية، منها مقطع فيديو يحمل ختم وزارة الخارجية الأميركية من ضمن برنامج "فكر ثانية، تراجع" واسم ذلك المقطع "أهلاً بكم في أراضي الدولة الإسلامية"، حيث يظهر المقطع الذي يضم صوراً ولقطات مروعة مشاهد ذبح وصلب وإعدام رمياً بالرصاص، مع موسيقى تنذر بالشؤم وتعليق ساخر يقول بالإنكليزية: "اركض ركضاً، لا مشياً، نحو دولة داعش"، حيث سيتعلم المقاتلون مهارات مفيدة لهم، حسب ما يقول المقطع.

يقول مقطع الفيديو أيضاً إن المهارات التي سيتلقنها المقاتلون تضم أيضاً "تفجير المساجد، صلب وإعدام المسلمين، نهب الأموال العامة، التفجيرات الانتحارية داخل المساجد، السفر تكلفته زهيدة لأنك لن تحتاج لتذكرة عودة".

ثم ينتهي الفيديو بعبارة: "فكر ثانية، تراجع"، ويظهر ختم وزارة الخارجية الأميركية على الشاشة.

وكان مايكل لمبكين عضواً سابقاً في الوحدات العسكرية التابعة للبحرية الأميركية، ثم بعث به أوباما من البنتاغون إلى وزارة الخارجية في يناير/كانون الثاني الماضي بغية إصلاح البرنامج.

غطرسة وسخرية


ويستدير لمبكين بعد انتهاء عرض المقطع المصور إلى مراسل صحفي وراءه، فيبادره المراسل بالسؤال: "ما الشعور الذي انتابك بعد مشاهدته؟ فيجيبه لمبكين بأن الفيديو يترك لدى المشاهد شعوراً بالضيق من غطرسة سخريته الناقدة بدلاً من أن يشعر بالجزع للصور المروعة على الشاشة".

كذلك يضيف لمبكين أن كون العمل إنتاجاً أميركياً يحمل اللمسات والأختام الأميركية عليه أمرٌ يقضي تماماً على أي فرصة لإقناع المقاتلين الأجانب بالتراجع عن الانضمام للجماعات الإرهابية، "فنحن لسنا خير من يحمل هذه الرسالة مصداقيةً".

في السابق كان لمبكين على رأس فريق وزارة الدفاع في الاستجابة لأزمة الإيبولا عام 2014، ثم جاء تعيينه هذه المرة هنا في وزارة الخارجية بغية توحيد الجهود بشكل أفضل؛ بيد أنها ليست وظيفة سهلة، حيث إنه في ديسمبر/كانون الأول الماضي قالت مجموعة صوفان للاستشارات الاستخبارية إن أعداد المقاتلين الأجانب القادمين من غرب أوروبا والمنضمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) قد تضاعفت منذ يونيو/حزيران 2014، في حين أن أعدادهم من أميركا الشمالية ظلت كما هي نسبياً.

أطلقت وزارة الخارجية الأميركية حملة "فكر ثانية، تراجع" في ديسمبر 2013، بيد أن حملتها هذه سرعان ما طالتها الانتقادات الحادة من قبل خبراء الإرهاب الذين قالوا إنها لا تزيد المجموعات الإرهابية جرأة وتحدياً فحسب بل تلمع كذلك من وجودهم على فيسبوك وتويتر وتزيدهم تألقاً.


"العبد الأكبر للرأسمالية "


في 11 سبتمبر/أيلول 2014 مثلاً، نشر زعيم تنظيم القاعدة على تويتر تغريدة قال فيها: "في مثل هذا اليوم من عام 2001 خرّ أرضاً أكبر نُصُبٍ أميركي اقتصادي وأصنام الرأسمالية". فجاء الرد سريعاً من وزارة الخارجية الأميركية على تويتر بنشر صورة لأبي بكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية داعش يرتدي في معصمه ساعة رولكس وتغريدة تقول: "العبد الأكبر للرأسمالية وثمارها هو الذي يسمي نفسه خليفة داعش".

لكن النقاد قالوا إن ذلك الرد لم يسهم سوى بتعزيز الرسالة الأصلية المنشورة على تويتر، وإنه لم يحقق شيئاً في مجال ثني صغار الشباب عن الالتحاق لا بالقاعدة ولا بتنظيم الدولة الإسلامية، كما قال ريتشارد ستينجيل مساعد وزير الخارجية في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات العامة: "لم تكن الرسالة مقنعة، فضلاً عن أن الحكومة الأميركية لا يجدر بها تبني نغمة النقد الهجومي، فنحن لسنا خير ولا أكفأ من يؤدي هذه الرسالة، وما من تغريدة تصدرها الخارجية الأميركية ستثني شاباً عن الالتحاق بداعش".

لكن لمبكين كان أكثر وصفاً في تعبيره حينما قال عن تغريدات تويتر هذه إنها "مثل مصارعة خنزير، فالخنزير يروق له الأمر، أما أنت فلا ينوبك سوى الاتساخ بالقذارة".


مركز "صواب"


لهذا تتجه الإدارة الأميركية حالياً إلى العمل مع منظمات أجنبية لتوصيل الرسالة لكن من دون بصمة أميركية عليها، منها مركز "صواب" في أبوظبي، حيث تقدم الإمارات العربية المتحدة التمويل الكامل للمشروع، فيما الخارجية الأميركية تقدم موظفي خارجيةٍ اثنين بدوام كامل للعمل في ذلك المركز من أجل مكافحة حملات التجنيد والرسائل التي يبثها داعش.

وبالإضافة إلى مركز "صواب" وشركة أخرى ستفتتح قريباً في ماليزيا، فإن الإدارة الأميركية تموّل أيضاً عمليات صغيرة في أوروبا والشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا.

وقال لمبكين إن مسؤولي الإدارة ألقوا نظرة على دراسة أجرتها مجموعة كوانتوم والتي هي شركة اتصالات مقرها لبنان، حيث كشفت الدراسة أن العديد من المقاتلين الأجانب المنضمين لداعش لا يلتحقون لأسباب أيديولوجية فكرية، بل لعدة أسباب أخرى تتدرج من حب المغامرة وحتى البحث عن الخلاص.


خطاب عاطفي


كما أشار لمبكين إلى مقطع فيديو آخر نشرته في نيسان/أبريل الماضي مؤسسة كويليام التي هي مؤسسة بحثية تعنى بقضايا مكافحة الإرهاب مقرها لندن، تظهر في الفيديو عائلة مسلمة من 4 أشخاص متحلقة حول مائدة العشاء المعدة لـ5 أشخاص. تظهر العائلة منشغلة بالثرثرة اليومية والتذمر من الهواتف المحمولة بينما هم على المائدة ثم تعليق بأن "هلمّوا نأكل قبل أن يبرد الطعام". وعندها يومئ أحد الأبناء إلى المقعد الخاوي المعد لشخص خامس، فتستشيط ربة الأسرة غضباً.

تزمجر قائلة: "إياك أن تجرؤ. هذا مقعد سلسان، وأنت تعرف كم يحب طبخي".

فيجيبها ابنها: "لكنه ليس هنا يا أماه"، فتعاجله بالرد في إصرار: "سيعود قريباً، فهو لا يفوّت هذا الطعام".
فيرد الابن: "لكن مضى عامان".

وهنا يعتم المشاهد تدريجياً حتى يتلاشى وينتهي فيما المعلق يقول: "سنشتاق إليهم أكثر مما قد يظنون".

يعلق لمبكين على هذه النوعية من المقاطع المصورة بالقول إن رسالته قد تكون أكثر كفاءة وفاعلية في إقناع "الجهاديين" بأن الاتحاق بداعش سيتسبب بالألم لأمهاتهم.

أما في العاصمة الألبانية تيرانا، فينتظر بليندي سالاج، الذي هو مذيع برنامج على الراديو، الرد من وزارة الخارجية الأميركية على العرض الذي قدمه لهم بطلب 9700 دولار لتمويل مشروع رسائل إعلامي لقي الموافقة والقبول. ففي العام الماضي قال تقرير صدر عن المعهد الألباني للدراسات الدولية إن عدد المقاتلين الألبان من المنضمين إلى داعش عام 2014 تراوح بين 90 و150 شخصاً.

وقال سالاج إنه يريد مخاطبة من يودون الانضمام إلى "الجهاد" عبر سلسلة رسائل إذاعية يناقش فيها قادة دينيون موضوع التسامح مع الأديان، وسيعمل سالاج على إذاعة هذه الرسائل في برنامجه الإذاعي ومن ثم يدعمها بروابط على الشبكات الاجتماعية، ويختم بالقول: "سوف نصل إلى جوهر العيش مع الآخرين بالتسامح، نستطيع تحقيق ذلك".

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.