مستقبل غزة.. من مدينة محاصرة إلى عاصمة السياحة بالشرق الأوسط

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
Social Media

تحدثت مع باسل عليوة ونحن نشرب مثلجات الفراولة مع الليمون في مطعم Level up في الدور الحادي عشر. لم أجد كلام باسل مستبعداً عندما قال إن مدينته ستصبح قبلة السائحين في الشرق الأوسط.

تطل الشرفة على مشهد ساحر، البحر في الغرب والمدينة في الشمال والشرق، لذلك أصبح المكان تجمعاً للطبقة المتوسطة هنا، شباب وشابات، محجبات وغير محجبات، رجال يحتسون الشاي ويدخنون الأرجيلة، أسر تستمتع بتناول سلطة سيزر وستيك الفلفل يقدمها نادل أنيق. المكان يصلح لأن يكون أحد مطاعم دبي أو شرم الشيخ الفاخرة، ولكنه أكثر رقياً، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

ولكن غزة في الليل حين تنقطع الكهرباء ويلف الظلام المدينة، ربما لثماني ساعات أو أكثر، يمكنك أن ترى أضواء مراكب الصيد على الساحل، وعلى الجانب الآخر، ترى الأضواء المتلألئة في إسرائيل القريبة، والبعيدة في نفس الوقت، بالنسبة لسكان غزة المحاصرين، الذي يصل عددهم إلى 700 ألف نسمة.


أناقة غزة وحضارتها


في تلك الأثناء، يبدو Level Up كالمنارة أعلى برج الظافر بالمدينة، وذلك بسبب مولد الكهرباء الخاص. لقد شهدت غزة حصاراً و3 هجمات إسرائيلية على مدار 9 سنوات منذ تولي حماس السلطة، وفقاً للغارديان.

يبدو أن بعض عناصر غزة القديمة قد استطاعت التشبث بالحياة في ظل تلك الظروف المأساوية، الأناقة والحضارة التي تليق بتاريخ يعود إلى 5000 عام. لا تكاد توجد مدينة حورب من أجلها واحتلت أكثر من غزة. الفراعنة، الرومان، البيزنطيين، العباسيين، الصليبيين، المماليك، الأتراك، البريطانيين، المصريين والإسرائيليين، كلهم قاموا باحتلال غزة. ولكن كانت هناك فترات طويلة أيضاً ظلت غزة فيها مركزاً للثقافة والعلم، وميناءً تجارياً مزدهر.

اليوم، يخبئ الدخان المتصاعد من مبانيها المحترقة من أثر القصف، في الصور التي اعتدنا مشاهدتها عبر الشاشات، صموداً عنيداً، في أكبر مدينة فلسطينية وأكثرها تعداداً.

في غزة جامعتان رئيستان، وفيها فنانون عالميون، ومدرسة موسيقى، ومغنيو راب، وعدة فنادق ومطاعم على مستوى لا يقل عن تلك التي في القدس، وكذلك متحف مصمم بعناية يضم كنوزاً من ماضيها العريق، بناه جودت الخضري، رجل الأعمال الغزي المولع بالآثار.

social media

باسل عليوة متفائل. وهل يمكن أن يكون مالك عدة فنادق ومطاعم في مدينة دمرتها الحرب وخنقها الحصار الاقتصادي متشائماً؟

يأتي مالك Level Up من أسرة لها تاريخها في تجارة القمح، كانت تملك عدة أفدنة من حدائق البرتقال في بيت حانون، شمال قطاع غزة، لكنها الآن دمرت. بدأ رحلته في عالم الفندقة والسياحة عام 1991، كهواية، حينما كان يعمل كمدير للموارد البشرية وخبير للتطوير لدى وكالة إغاثة عالمية.

كان عليوة يعمل في مطعم صغير على الشاطئ، كان يفتح أبوابه لعدة ساعات فقط بسبب حظر التجول الذي يفرضه الاسرائيليون. يتذكر عليوة: "كانت الانتفاضة الأولى وقتها لا تزال مشتعلة. كان الناس يحتاجون لأن يتنفسوا ويستمتعوا بوقتهم".


قصف إسرائيلي


وبعد ربع قرن، يقول عليوة إنهم لا يزالون يستمتعون بوقتهم. افتتح عليوة Level Up عام 2014، قبل الحرب الثالثة على غزة، التي كانت الأكثر دموية. بعد 3 أسابيع، تلقى مسؤول المبنى محمد أبومذكور اتصالاً هاتفياً من ضابط مخابرات إسرائيلي يطالبه بإزالة هوائي اتصالات كانت قد وضعته حماس أعلى المبنى. وجد أبومذكور نفسه في مأزق، فقال إنه لا يستطيع إزالته دون تصريح من وزارة داخلية حماس.

social media

في اليوم التالي، قامت دبابة إسرائيلية بقصف الدور الأخير من المبنى، مسببة تدميراً شديداً، ولكن سرعان ما تم إصلاح ما تهدم وأعيد افتتاح المطعم بعد الحرب.

سرعان ما حقق Level Up نجاحاً بين زبائنه، الذين يصر عليوة على أن يعتبرهم من "الطبقة المتوسطة" وليس من "الطبقة العليا" للمجتمع.

معظم أهل غزة لا يستطيعون تحمّل سعر وجبة هنا، ولكن عليوة يقول إنه يحاول الحفاظ على أسعار منخفضة قدر المستطاع، مع الحصول على هامش ربح متواضع. ربما يكلفك طبق ستيك بالفلفل 10 جنيهات إسترلينية، لكن الحمص أو البابا غنوج مع الشاي لن يكلفك أكثر من 9 شيكل (1.6 جنيه إسترليني).

حين قام عليوة باختيار الموظفين العشرين الأُول، تقدم لشغل الوظيفة أكثر من 400 شاب، دون أن يعلن عنها. لا عجب، فقد أعلن البنك الدولي أن معدل البطالة في غزة بلغ 40%، وهو من أعلى المعدلات في العالم. تبدأ رواتب العاملين في Level Up من نحو 1600 شيكل (حوالي 280 جنيهاً إسترلينياً) لعامل التنظيف، ما يعد راتباً جيداً بالنسبة للعاملين في قطاع غزة، بالإضافة إلى حوافز إضافية.


الخمور


الآن يبلغ عدد الموظفين لدى عليوة 32 ثابتين، وقلما يترك أحد موظفيه العمل، ويخطط لبناء فندق جديد على الشاطئ. فندقه الأول، فندق ويندميل الشهير ذو الخمس نجوم، التهمته النيران في أكتوبر/تشرين الأول عام 2000، حين هاجمه متظاهرون إسلاميون لأنه سمح للنزلاء باحتساء الخمر الخاص بهم داخل المبنى.

لماذا يقدم إذاً على إنشاء فندق جديد – خالٍ من الخمور بالطبع - في مدينة تبلغ نسبة الإشغال في فنادقها 20% فقط؟ يقول: "لأن هذا عملي. في هذا المجال، إذا كنت مميزاً وقدمت خدمة ممتازة على مستوى عالٍ، ستحصل على نصيبك من السوق".

ولكن بعيداً عن حديث رجال الأعمال، لدى عليوة رد آخر، يتسم بالعاطفية، "هذه غزتي، أنا أنتمى لهذا المكان. في يوم ما ستحصل غزة على فرصتها في هذا المجال، وأؤكد لك أنها ستنافس مدناً أخرى في المنطقة، لأن لدينا كافة العوامل الأساسية للنجاح في هذا المجال، الجو الرائع، الشاطئ الساحر، وشعب غزة المضياف بطبعه".

ولكن إذا حدثت المعجزة وتحسنت الأوضاع السياسية، ألن يكون من الصعب إصلاح البنية التحتية في غزة، وتنظيف المياه الساحلية التي لوثها الصرف الصحي، ثم التسويق لغزة كوجهة لقضاء العطلات؟ هل قُدر للمدينة أن تخطط لمستقبل لن يأتي أبداً؟

يقول عليوة: "لقد ضحى الفلسطينيون كثيراً في العقود الست الماضية، ربما تأتينا قيادة تضيء لنا شمعة في نهاية النفق"، مشيراً إلى أن إسرائيل ليست العامل الوحيد المتسبب في مأساة غزة، وأن غياب القيادة الفعالة وانقسام الفصيلين الفلسطينيين الرئيسين من أهم أسباب المشاكل في فلسطين.

وسط كل تلك التحديات، يعمل عليوة بتصميم من أجل "الأجيال القادمة". في كل عام يقوم 18 ألف خريج بالتنافس على حفنة من الوظائف، ما يصيب الجيل الجديد بالإحباط. يقول عليوة: "نحن نحافظ على مستوى عال من الخدمة لكي نتمكن من المنافسة في المنطقة وعلى مستوى العالم".

وهو يحاول الحفاظ على جانب من الاقتصاد في غزة من الانهيار، ويؤكد "حتى إن ساءت الأحوال، مجرد أن أستطيع أن أدفع رواتب الموظفين ومستحقات الموردين هذا يكفي".


مدينة مهدمة


في شرفة Level Up، من السهل أن تنسى حقائق الحياة القاسية في غزة، فـ80% من العائلات تعتمد على المساعدات، المنازل التي تهدمت تم إصلاح 2% فقط منها، من أصل 9000 منزل دمرتها الحرب في 2014، وقتلت أكثر من 2100 فلسطيني، كما وصلت نسبة الشباب المحتمل إصابتهم بالاكتئاب إلى 53%.

ولكن برغم كل هذه الآلام يصر عليوة على أن أهل غزة يحبون الاستمتاع بحياتهم، وفقاً لثقافتهم الساحلية. فيقول: "يمكنك الذهاب إلى الشاطئ يوم الجمعة لترى حتى أفقر الناس هناك، يأكلون شطيرة صغيرة مع كوب شاي. نحن نحب الحياة".

يختم عليوة حديثه ببيت للشاعر محمود درويش، أشهر شعراء فلسطين: "ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.