محمد خان.. هكذا ترك المخرج الراحل بصمته على السينما المصرية

تم النشر: تم التحديث:
MIKE
social media

فقدت السينما المصرية والعربية واحداً من أهم المخرجين في تاريخها، بعد رحيل محمد خان عن 73 عاماً إثر أزمة قلبية نقل على إثرها إلى مستشفى المعادي جنوب العاصمة المصرية القاهرة، قبل أن تعلن وفاته فجراً.



خان ولد في حي السكاكيني الشعبي بالقاهرة لأب باكستاني وأم مصرية، وبدأ مشواره وهو في العشرينات من عمره حيث روى في أحد لقاءاته أن رحلة الفن استهلت بعبثية، عقب تبادل التحية مع جاره السويسري في بريطانيا التي سافر إليها لدراسة الهندسة المعمارية، بعدها أخبره هذا الجار بأنه يدرس السينما فقرر ترك الهندسة، "وتوترت أحلامي وتحولّت فكرة دراسة البناء المعماري إلى شغف لمعرفة البناء الدرامي".


لبنان.. ثم بريطانيا


عاد المخرج الراحل بعد تخرجه إلى مصر في العام 1963، وعمل في الشركة العامّة للإنتاج السينمائي العربي، تحت إدارة المخرج صلاح أبو سيف.

سافر إلى لبنان بعد أن هزته أحداث حرب 1967، ثم عاد إلى بريطانيا، فأنشأ دار نشر وأصدر كتابين، الأوّل عن السينما المصرية والثاني عن السينما التشيكية، واتجه إلى كتابة المقالات عن السينما.

لكنه عاد إلى مصر في سبعينيات القرن الماضي وبدأ بالإنتاج لنفسه متعاوناً مع كبار نجوم السينما في مصر، مستهلاً هذه الجولة من مشوار حياته بفيلم "ضربة شمس" للراحل نور الشريف عام 1978.

حصل خان على الجنسية المصرية بعد انتظار 71 عاماً، وبالتحديد في العام 2014 بعد أن أصدر الرئيس المصري المؤقت عدلي منصور قراراً جمهورياً قال بعده خان "الإحساس بالانتماء للوطن يأتي من الناس لا من الأرض، فأنا أحب مقولة أحد الأصدقاء بأن الجنسية المصرية جاءتني بعد استفتاء شعبي، وأفلامي هي السبب في ذلك".


السينما النظيفة


ترك خان بصمةً سينمائيةً خاصةً به، خلّدت أسماء فنانين عملوا تحت توجيهاته، فأخرج إلى المشاهد العربي أجمل أعمالهم مثل فيلم "الحريف" لعادل إمام، ورائعته "موعد على العشاء" لسندريلا الشاشة العربية سعاد حسني في فيلم جمعها مع العملاقين أحمد زكي وحسين فهمي، و"عودة مواطن" للفنان يحيى الفخراني.

وعشرات الأفلام التي ترجمت الواقع المصري بأفراحه ونكساته، وما رافق هذا الواقع من تقلبات سياسية واجتماعية واقتصادية، تعايش معها المواطن على اختلاف حكّامه.



لم يؤمن أبداً بمصطلح السينما النظيفة، وقال لصحيفة "الوفد" المصرية بعد الضجة التي أثيرت حول ارتداء هنا شيحة بطلة آخر أفلامه "قبل زحمة الصيف" للمايوه في أحد المشاهد.

"لا توجد ممثلة في السينما لا تقبل البوسة (القبلة)، ولا توجد ممثلة أيضاً ترفض ارتداء المايوه في البحر، لا أري أن تلك المشاهد يمكن أن تقوم بصدمة للجمهور لأنها نوعية من الأفلام لا تختلف عما كان يقدم في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات".

له رؤية واعية في تشريح الوجدان المصري، فهو من جيل الواقعية المصرية، ويقدم مع كل فيلم فكرة مغايرة لما يحدث في الواقع تنقل للمشاهد الحقائق كما يراها من وجهة نظره.


ضربة شمس


يعد في أولى تجاربه السينمائية في العام 1981، قدّم صورة لم يرها المشاهد من قبل، عن واقعية ما يمكن أن يحدث للصحفي إذا قرّر مطاردة قصة بحثاُ عن الحقيقة.

وأدّى دور "شمس" الفنان الراحل نور الشريف، والذي يذهب لتصوير حفل زفاف، ويلتقط صورة لقصاصة ورق تحترق وعليها كلمات تبدو غامضة، تقوده إلى عصابة تتزعمها امرأة لتهريب الآثار للخارج وتزييف النقود، ومن ثم تبدأ العصابة بمطاردته.

وكان هذا الفيلم بمثابة تحذير مبكر من نشاط التهريب بشكل عام، وهو ما أصبح بعدها بأعوام قليلة حقيقة واقعة خصوصاً في تهريب المخدرات.






موعد على العشاء


من إنتاج العام 1982، من أجمل أفلامه وأشهرها، تدور أحداثه في مدينة الإسكندرية حول زواج يفتقد على الحب بين رجل ثري ذو نفوذ وامرأة مغلوبة على أمرها تحاول الحصول على الطلاق فتنجح، ظناً من زوجها أنها لن تستطيع العيش بدونه لكنها تفعل.

وتقع المرأة في حب إنسان بسيط لكنه متمرد، يقتله طليقها فتوهمه أنها تنوي العودة إليه بعد أن خسرت كل شيء لتضع له السم في وجبة أعدتها لموعد العشاء، وعندما يشك في الأمر تأكل من الطعام لتطمئنه!

قال عن شخصية نوال التي جسدتها سعاد حسني، إنها الشخصية النسائية الأقرب إلى قلبه.

ورغم أن الفيلم رومانسي، إلا أنه أيضاً حمل رسالة الظلم في المجتمع المصري، إذ يستطيع صاحب النفوذ أن يرتكب حتى جريمة قتل دون أن يحاسب.






الحريف


من إنتاج العام 1983، تناقش فكرته طبيعة الشخصية المصرية الموهوبة المزاجية، الحائرة بين العمل ومن أجل تحسين أوضاعها المالية، أو البقاء كما هي عليه، والانحناء أمام تقلبات الزمن.

أنهاه خان بجملة على لسان بطله فارس (عادل إمام) وهو يحتضن ابنه قائلا "زمن اللعب راح يا بكر".






عودة مواطن


من إنتاج العام 1986، تدور أحداث الفيلم حول شخصية مغترب مصري "شاكر" العائد من الدوحة بعد غياب 8 أعوام؛ ليجد أخوته الذين عمل من أجلهم قد أخذتهم رياح التغيير التي جرفت روح وعقل ووجدان مصر بعد مرور سنوات على سياسة الانفتاح الاقتصادي التي سمح بها الرئيس المصري الراحل أنور السادات التي سحقت الطبقة المتوسطة.






خرج ولم يعد


من إنتاج العام 1985، عبر من خلال شخصية عطية التي جسدها الفنان يحيى الفخراني، عن مشكلة اجتماعية يعاني ملايين الشباب في المجتمع المصري الذي يريد الزواج دون أن يستطيع بسبب سوء الحالة الاقتصادية.

عطية يعمل موظفاً بسيطاً في إحدى الهيئات الحكومية، لكن حماته تهدده بفسخ خطوبته من ابنتها لتأخره في توفير منزل للزواج.

فيقرر الحصول على إجازة من عمله، ويسافر إلى بلدته ليبيع إرثه من والده، لكنه يقع في غرام خيرية (ليلى علوي)، ابنة الرجل الذي يرعى الأرض، فيقرر عدم العودة للقاهرة مرة أخرى، والاستقرار في الريف.






زوجة رجل مهم


من أهم أفلامه التي جمعت أحمد زكي (هشام) وميرفت أمين (منى) في فيلم "زوجة رجل مهم" في العام 1988، الذي رصد الكثير من الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية إبان حكم الرئيس المصري الراحل أنور السادات، في جو درامي مليء بالواقعية.

فالعقيد هشام ضابط في المباحث يبدو من الوهلة الأولى طيب وودود، لكنه في الحقيقة غير سوي ومتسلط ويستغل سلطته كضابط شرطة بكل الأشكال.

وفور إحالته للتقاعد، يتحول إلى وحش كاسر في المنزل لرفضه واقعه الجديد الخالي من الهيمنة والنفوذ، فيقدم على الانتحار.






أحلام هند وكاميليا


جسد الفيلم حياة سيدتين ورجل يعانيان من الفقر الشديد، فهند (عايدة رياض) أرملة شابة، تعمل خادمة، تحلم بالزواج من رجل ينتشلها من الفقر فتلتقي بعيد (أحمد زكي) النصاب خفيف الدم الذي يحبها، لكنه ويورطها في مشكلات عدة، ويدخل السجن ويترك في أحشائها جنينا دون زواج.

أما كاميليا (نجلاء فتحي) فصديقة هند ولا تقل حياتها بؤساً عنها.

ورغم أن الفيلم يبدو سرداً لحياة الفقراء إلا أنه حمل رسالة واضحة بأن بعض الأغنياء في المجتمع ما هم إلا لصوص تماماً مثل عيد، ويظهر هذا في مشهد لامت فيه كاميليا صديقتها على قبولها مبلغ من المال كمساعدة من سيدة كانت تعمل لديها، التقيتا معاً على باب السجن فالخادمة تزور زوجها والغنية كذلك!


مهرجانات عالمية


يُذكر أن أعمال خان حصلت على جوائز من مهرجانات عالمية عديدة تضمنت، على سبيل المثال جائزة التانيت الفضي، وجائزة أفضل ممثل ليحيى الفخراني عن فيلم "خرج ولم يعد" من مهرجان قرطاج السينمائي الدولي 1984، وجائزة السيف الفضي وجائزة أفضل ممثل لأحمد زكي عن دوره في فيلم "زوجة رجل مهم" من مهرجان دمشق السينمائي الدولي 1987.

وحصل فيلم "أحلام هند وكاميليا" على جائزة أفضل ممثلة لنجلاء فتحي في مهرجان طشقند الدولي بالاتحاد السوفييتي 1988.

وأخيراً، حصل فيلم "فتاة المصنع" على جائزة الصحافة الدولية لأفضل فيلم روائي طويل من مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته العاشرة.