كيف سربت روسيا أسرار اللجنة الديمقراطية الأميركية.. الحرب الجديدة لبوتين هل تهزم الغرب هذه المرة؟

تم النشر: تم التحديث:
IRANIAN SHIP IN THE ARABIAN GULF
Getty Images

اتهمت روسيا بتسريب رسائل بريد إلكترونية خاصة باللجنة الديموقراطية الوطنية الأميركية، فأثيرت عدة تساؤلات مثل لماذا قد تقدم روسيا على فعلة كهذه وما مصلحتها؟ لكن لعل الإجابة على هذا السؤال بالذات قد نلقاها في مقالة بمجلة روسية عسكرية عام 2013 قد لا يكترث كثيرون بمحتواها رغم أهمية تأثيره.

يقول الفريق أول فاليري جيراسيموف رئيس الأركان الحربية العامة الروسية في مقالته التي كتبها بمجلة Military-Industrial Courier "لقد تغيرت حتى قواعد الحرب نفسها."

وأشار تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية إن الفريق أول جيراسيموف يقول أن "الربيع العربي" أثبت أن "الطرق غير العسكرية" قد حلت محل "قوة السلاح في فاعليتها." حيث غدت وسائل الخداع والمعلومات المضللة هي أدوات القوة والسلطة الجديدة، لا الدبابات ولا الطائرات.

كما قال أن استخدام هذه الوسائل الجديدة ما عاد في سياق حروب رسمية معلنة بل في سياق ضباب رمادي لا صراحة فيه يتأرجح بين نور السلم و ظلام الحرب.

أفكار جيراسيموف هذه ظهرت العام التالي في عقيدة روسيا العسكرية الرسمية التي أتت تتويجاً لعام كامل من إعادة الترتيبات الاستراتيجية التي أعادت صناعة قوة روسيا، وذلك استجابة للتهديدات الحقيقية منها والخيالية، حيث باتت القوة الروسية ضرباً من الممارسات والأعمال التي يمكن منطقياً اتهامها باستخدام الهجمات الإلكترونية على الإنترنت للتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية وإحداث البلبلة فيها.


"إننا نحمي سيادتنا"


مقالته التي باتت تعرف بعقيدة جيراسيموف كانت بدايتها مثل كل المقالات العسكرية التي تعيد صياغة الرؤية العسكرية من زاوية أخرى، فقد بدأت على شكل مجهود بذل لحل مشكلةٍ تبدو طارئة.

ففي مطلع الألفية الجديدة خرجت في دول أوروبا الشرقية ووسط آسيا مظاهرات وثورات شعبية أطاحت برؤسائها وقادتها الموالين للكرملين واستبدلتهم بحكومات منتخبة ديموقراطياً تميل أكثر للغرب.

لكن موسكو رأت في "ثورات تغيير اللون" هذه وفي ثورات الربيع العربي التي تلتها موجة عمليات أميركية عدوانية مصممة خصيصاً للإطاحة بحلفاء روسيا وإضعاف روسيا ذاتها.

حيث قال سيرغي شويغة وزير الدفاع الروسي في خطاب له عام 2014 أن تلك الثورات الشعبية "تُستخدم ذريعةً للتخلص من الحكومات ذات النزعة الوطنية واستبدالها بأنظمة يُتحكم بها من الخارج."


الكرملين محاصر


شعر الكرملين أنه محاصر ومهدد من قبل ما بدا أنه مؤامرة أميركية واسعة هدفها النهائي، في استنتاجه، إما إخضاع الدولة الروسية وإما تدميرها عن بكرة أبيها.

ثم في ديسمبر/كانون الأول 2011 خرج الآلاف إلى شوارع موسكو احتجاجاً على انتخابات تشريعية شابتها اتهامات واسعة بالفساد، ورغم أن الاحتجاجات لم تؤدِ إلى أي نتيجة إلا أنها خلقت في صدور القادة الروس خوفاً من أن دورهم وأجلهم آت.

وفي مؤتمر صحفي عام 2014 حذر الرئيس فلاديمير بوتين من أن الغرب يحاول "نزع مخالب" الدب الروسي وإزالة أسلحته النووية بغية استغلال ثروات روسيا الطبيعية. فقال بوتين "عندما تزيل مخالب الدب الحادة يصبح الدب كله بلا فائدة. القضية هي أننا ندافع عن سيادتنا وعن حقنا في الكون والوجود."

ويبدو أن صناع الخطط العسكرية الروسية المهووسين بتلك المخاوف خلصوا إلى أن خير وسيلة للدفاع هي في الهجوم. اعتقدوا أن الأميركيين يشنون حرباً سرية عليهم عن طريق العمليات الاستخباراتية والتضليل الإعلامي وحروب الوكالة التي يمكن التنصل والتبروء منها بسهولة، فما كان منهم إلا أن شرعوا في اتباع نفس الأسلوب.

لقد استخدمت عبارة "حرب هجينة" –والتي هي عبارة شائعة في الغرب يقصد بها أفعال وممارسات روسيا- أول مرة من طرف المحللين والخبراء الروس عندما أرادوا وصف التكتيكات الأميركية المزعومة التي اعتقدوا أنفسهم يواجهونها، أما استراتيجيتهم فأطلقوا عليها اسماً مختلفاً هو "حرب الجيل الجديد."

توسيع نطاق القوة لأبعد من حدود طاقة روسيا وحتى قبل أن تصبح عقيدتها منهجاً رسمياً كانت روسيا قد طوّرت أدوات مكر وحيلة وإخضاع في نموذج يمكن الاستعانة به بشكل أوسع.

منذ عادت قوة روسيا إلى الحياة من جديد تحت قيادة بوتين والدولة كثيراً ما تستخدم وسائل غير متناظرة لتحقيق مصالحها خاصة في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة التي مازالت روسيا تعتبرها "الخارج القريب" ومنطقة مشروعة كي تمارس فيها نفوذها وتبسطه.

ففي عام 2007 ووسط توتر مع أستونيا الدولة الأوروبية الشرقية الصغيرة تناقلت وسائل الإعلام الروسي خبراً كاذباً مفاده أن أفراداً من الأقلية الروسية في أستونيا يحقنون بمواد ويلقون التعذيب على يد الشرطة، ما أثار شغباً أدى إلى جرح العديدين ومقتل واحد. ثم في اليوم التالي شنت مجموعة موالية للكرملين الروسي على الإنترنت حملة هجمات إلكترونية شلت حركة العديد من أهم مؤسسات إستونيا وأوقفت خدمتها.

أحداث عام 2007 هذه لم تستخدم فيها روسيا ولا للحظة أي اعتداء عسكري على جارتها الإستونية، بيد أن قادة إستونيا قالوا أن الممارسات الروسية كانت كناية عن رسالة مفادها أنه حتى لو انضمت إستونيا إلى الناتو والاتحاد الأوروبي فسوف تظل موسكو هي الزعيم الأكبر.


اقتصاد أصغر من كندا


أدوات كهذه مكّنت روسيا من فرض وبسط قوتها إلى أبعاد تفوق مقدرتها وقوتها في إصرار على حماية وتحقيق مصالحها الخارجية رغم أنف السطوة العسكرية الغربية وهيمنة الغرب السياسية.

واقتباساً عن كلمات لمارك غاليوتي الأستاذ في جامعة نيويورك الذي يدرس قدرات روسيا العسكرية، فإن تلك دولة اقتصادها أصغر من اقتصاد كندا أو كوريا الجنوبية، بيد أنها تسعى لامتلاك دور قوة جبارة شبيهة بالصين أو الولايات المتحدة، ولا سبيل للأساليب التقليدية كي تثنيها أو تفت من عضدها.


حرب الإعلام و"تقنية الميدان"


فرضت روسيا "حرب الجيل الجديد" الخاصة بها بشكل ملفت أوائل عام 2014 عندما احتلت منطقة القرم الأوكرانية وأعلنت ضمها إليها مستغلة في ذلك الأزمة السياسية الأوكرانية.

ورغم أن تلك الحادثة كانت بطولتها من نصيب "الرجال الخضر الصغار" –وهو تعبير عن قوات روسية خاصة لا لواء خاص لها أو تتبع فرقة معينة، عملها السيطرة على مناطق هامة في حرب سرية وغزو غير معلن- إلا أنه كانت هنالك أيضاً عناصر أخرى لها دخل ودور أكثر دقة.

فالإعلام الإخباري الروسي الرسمي ملأ فضاء القرم بأخبار كاذبة عن نازيين جدد استولوا على أوكرانيا وباتوا يهاجمون الأغلبية الروسية في القرم بشكل ممنهج. بالتالي رحب الكثير من مواطني القرم بالقوات الروسية غير محددة المجموعة التي دخلت منطقتهم وأحكمت السيطرة عليها، ظناً منهم أن هذه القوات تحميهم من تطهير عرقي محتمل.

وكتب دمينري آدمسكي، وهو خبير اسرائيلي، عام 2015 تقريراً قال فيه أن "الحرب الإعلامية" ركيزة من ركائز الاستراتيجية الروسية الجديدة، حيث كتب قائلاً أن حرب الإعلام هذه "تشمل عناصر تقنية ونفسية معاً مصممة للتحكم بتصور الواقع الذي في ذهن العدو وتغذيته بمعلومات خاطئة مضللة بهدف التدخل في عملية اتخاذ القرار على صعيد الأشخاص والمؤسسات والحكومات والمجتمع."

وفي حين أن القرم كانت أوضح مثال على ذلك حذّر آدمسكي من أن روسيا تمارس تلك الاستراتيجية في وقت السلم أيضاً ضد أية أهداف محتملة ترغب موسكو في بسط نفوذها عليها؛ ولعل الغاية من ذلك هي السعي وراء "هدف استراتيجي" مثل إضعاف الأحزاب السياسية الأوروبية الموالية لأميركا، أو قد يكون الهدف ببساطة إحداث توتر وحالة عدم استقرار تضعف خصومها.


أحد أشكال التخريب


ووصف آدمسكي هذه الاستراتيجية بأنها إحدى أشكال "التخريب" التي "تهدف للتغرير بالضحية وتضليله وتشويه صورة قيادته وإحداث التخبط في صفوف الشعب والقوات المسلحة مع إحباط معنوياتهما."

كل هذا يكشف السبب الذي يجعل روسيا تريد تسريب الرسائل الإلكترونية الخاصة باللجنة الديمقراطية الأميركية، والتي سيكون أكبر آثارها إحداث انقسام وفوضى ضمن أوساط الديمقراطيين السياسية. لكن ذلك لا علاقة له باستقالة رئيسة الحزب الديمقراطي الأميركي ديبي واسرمان شولتز، فلا يظنن أحد أن ذلك جاء نتيجة مطامح ومآرب روسية استراتيجية.

وفي حين يعتقد بعض المراقبين أن موسكو ترى في دونالد ترامب صديقاً محتملاً إلا أن الاستراتيجية الروسية لن تتورع كذلك عن إثارة القلاقل لمجرد حب إثارة القلاقل. هذا هو ما يدعوه آدمسكي "إدارة الاستقرار وعدمه" والذي هو فوضى خفيضة المستوى وفُرقة صف قد تستغلها روسيا يوماً ما.

لطالما رأت روسيا في نفسها ضحية لتلك التكتيكات إياها، متهمة الحكومات الغربية باستخدام تقنية ضبابية اسمها "تقنية الميدان" تستمد اسمها من الساحة أو الميدان الذي شهد اشتعال احتجاجات أوكرانيا عام 2014، حيث اتهمتها بخلق "فوضى مسيّرة يتحكم بها" في البلدان المستهدفة. أما الأخبار المحرجة مثل فضيحة المخدرات الروسية وأوراق بنما فجميعها ينظر إليها على أنها حرب إعلامية أميركية هدفها إضعاف موسكو.

ورأت نيويورك تايمز انه في ضوء هذا، لعل في نشر قادة الكرملين لرسائل الحزب الديمقراطي الداخلية حركة انتقامية من الحرب الغربية الإعلامية على مبدأ العين بالعين والسن بالسن، وهو أمرٌ قد لا يُرى منطقياً في المفهوم الغربي عن السياسة الجغرافية، ولكن على رأي آدمسكي في دراسته عام 2015 أن الأميركيين لطالما حاولوا رسم مفاهيم الاستراتيجية الروسية بطرق فكرية غربية رغم أنها بعيدة كل البعد عن كل ما يمت للغرب بصلة.

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.