المدينة الأكثر أمناً لم تعد كذلك.. هجمات ميونيخ غيرت مظاهر الحياة فيها.. والسكان: ثقتنا بأجهزة الأمن اهتزت

تم النشر: تم التحديث:
GERMANY
theguardian

في الأوقات المخيفة، يمكن لشعار "هذا لا يمكن أن يحدث هنا" مساعدتنا في مواكبة حياتنا اليومية.

وفي ميونيخ، لطالما كانت هذه النظرة منطقية، فالمدينة حلَّت مراراً في قائمة المدن الألمانية الأكثر أمناً، كما وصفها عمدة ميونيخ، كريستيان أودي، في عام 2012 بأنها إحدى آمن المدن الكبرى في أوروبا.


هجمات غير متوقعة


وتشهد المدينة معدلات منخفضة للجريمة العنيفة والفقر والبطالة، كما أن تواجد الشرطة البافارية القوي وحكم القانون الصارم لهما صيتهما الواسع.

يخاف سكان ميونيخ من توقيف الشرطة لهم جراء عدم التزامهم بالإشارة الحمراء أثناء ركوب الدراجة، أكثر مما يخافون من الوقوع كضحايا لإحدى الجرائم.

ميونيخ هي عاصمة "هذا لا يمكن أن يحدث هنا". لكن كل شيء تغير مساء الجمعة، فبينما ازدحم مركز المدينة بالسياح والمشترين، وحوالي 10 آلاف شخص في الاحتفال بذكرى 500 عام من البيرة البافارية، وردت تقارير تشير إلى إطلاق النار في المركز التجاري الواقع في الجزء الشمالي من ميونيخ، وتبعتها تقارير أخرى عن حوادث عنف في أماكن أخرى من مركز المدينة.

لم تكن التقارير الأخيرة مؤكدة، بل تبين أنها كاذبة فيما بعد. وانتشرت تقارير إطلاق النار، والمهاجمون الفارون سريعاً عبر الشبكات الاجتماعية.

فَزِع الناس وبدأوا بالركض هرباً من مركز المدينة. أغلقت المحال أبوابها وأطفأت أنوارها، كما توقفت كل وسائل المواصلات العامة، واستجابت الشرطة للتقارير بعملية واسعة النطاق؛ انتشرت سيارات الشرطة في مركز المدينة وطائرات الهليكوبتر في سمائها.

أمرت القوات الخاصة من السكان بالبقاء في الداخل، وهو ما أدى إلى حبس الناس في المطاعم والمكاتب لساعات. كانت هذه لحظة من الخوف والذعر شهدتهما المدينة، فزع أسفر عن سقوط عدد من الإصابات كما تبين لاحقاً.

فتح طالب، مختل عقلياً، النار في المركز التجاري ليقتل تسعة أشخاص، معظمهم من المراهقين، قبل أن يقتل نفسه. لم يكن للهجوم أي صلة بالإرهاب، لكن على الرغم من ذلك، فزع الجمعة، مقترناً برد فعل الشرطة الهائل، أظهر أنه في مكان ما تحت السطح، الشعور بأن لا شيء سيئ قد يحدث هنا تعرض لضرر شديد منذ مطلع هذا العام.


تحذيرات سابقة


في الساعة 10:50 في ليلة رأس السنة في ميونيخ، حين أصدرت الشرطة تحذيراً بشأن هجوم إرهابي محتمل، لم يكن هناك فزع. طُلب من الناس تفادي الحشود، كما تم إخلاء محطتين من محطات القطار الرئيسية، وجاءت الشرطة مدججة بالسلاح. وتوقفت المواصلات العامة في الضواحي لساعتين.

كانت الشرطة تحقق حينها في شكوك حول 5-7 أشخاص مشتبه بتخطيطهم لهجوم انتحاري عند منتصف الليل. أما سكان ميونيخ فاحتفلوا بليلة رأس السنة كعادتهم: احتفلوا بالخارج، وأطلقوا الألعاب النارية في الشوارع وفوق جسور نهر إيفسار.

لم يكن هناك فزع، ولم تبتعد الحشود عن وسط المدينة. لم تكن هذه ليلة قضاها الناس محدقين في الأخبار أو في شاشات هواتفهم، بل لم ينتبه لكثير من الناس لهذا التحذير بدايةً، كانوا يشعرون بالأمان المعتاد.

وفي اليوم التالي، الأول من 2016، دارت النقاشات حول الشرطة، وعما إذا كانت قد بالغت في رد فعلها. أما المؤامرة الإرهابية المزعومة فلم يمكن إثباتها.

منذ ذلك الحين، تعرض الناس في بروكسل وأورلاندو للهجوم، بينما استمر شعور ميونيخ بالأمان.

قُتل أشخاص في إسطنبول وفي نيس، وبقيت ميونيخ المدينة "التي لا يمكن لهذا أن يحدث فيها".


هجمات أخرى


بقي الوهم سليماً. أما الإثنين الماضي، فهاجم لاجئ مراهق (17 عاماً) ركاب أحد القطارات الألمانية بفأس وسكين في فورزبرغ، بافاريا. أعلنت الشرطة "وضع الإرهاب" في المدينة منذ الجمعة، ليصبح أمان ميونيخ الموعود محل تساؤل.

بعد يومين من الهجوم، كان بحراً من الزهور قد تشكل في موقع الحادث. جاء آلاف للمركز التجاري للحداد على القتلى كما تم إلغاء فعاليات نهاية الأسبوع. لكن في وسط المدينة، استعادت المدينة توزانها.

امتلأت الشوارع بالسياح مرة أخرى، وضفاف النهر بالباحثين عن الشمس، كما فُتحَت حدائق البيرة من جديد. بدا الناس وكأنهم عازمون على المضي قدماً، وعلى الوثوق في الوعد بأمان المدينة.

هذا التوجه الذي وصفه أحد الزملاء بـ"Je suis au biergarten" قد لا يكون سياسياً، لكن في الوقت الذي تلا الهجوم، بدا فعالاً.

تشتهر بافاريا بـ Gemütlichkeit أو حالة الاسترخاء والتعامل بطريقة اجتماعية ومريحة مع الحياة، وهو الوصف الذي يسري على ميونيخ أيضاً، حتى لو بطريقتها كمدينة كبيرة وحديثة.

ميونيخ هي مدينة لقضاء أوقات الفراغ خاصة في الصيف. تجري الحياة خارج البيوت؛ يحتسي الناس مشروباتهم الإيطالية، أو يقودون سياراتهم المكشوفة عبر المدينة القديمة.

كما يتمتع السكان المحليون بالشمس في الحدائق وعلى ضفاف النهر، وبالإضافة إلى ازدحام حدائق البيرة، هناك أيضاً احتفالات الشوارع والحفلات والأسواق والأفلام التي يمكن التمتع بها في الهواء الطلق.

وتفتخر ميونيخ بنمط حياتها الجذاب، النمط الذي يصر الناس على عيشه.


هجوم بافاريا


هذا ما جرى حتى صباح الإثنين، حين استيقظت ميونيخ على أخبار المهاجم الانتحاري الذي فجر قنبلة في بافاريا مرة أخرى، هذا المرة في أنسباخ، الواقعة على بعد 200 كيلومترا شمال ميونيخ، وهو ما أسفر عن إصابة 12 شخصاً، ثلاثة منهم بجروح خطيرة.

انفجرت القنبلة بالقرب من أحد الاحتفالات الموسيقية، بعدما مُنع المهاجِم السوري من دخول الاحتفال الذي كان يحضره حوالي 2500 شخص في مدينة أنسباخ القديمة.

أنسباخ المدينة الهادئة ذات الأربعين ألف نسمة، المكان الهادئ، مكان آخر آمن بأن "هذا لا يمكن أن يحدث هنا".

وفي ميونيخ، هزت أخبار أنسباخ ثقة الشعب في الأمن. كان على الناس أن يتساءلوا عما إذا كان الوعد بالأمن والمرونة (إن وُجد أصلاً) هو محض وهم، وإن كان عليهم البدء في البحث عن استراتيجية جديدة لمواجهة الموقف. كم سيتحمل شعار ميونيخ بعد الآن؟

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.