هجوم ميونخ كشف الحقيقة.. كيف يكون المسلم إرهابياً في أوروبا ومجرّد "معتدٍ" في أماكن أخرى؟

تم النشر: تم التحديث:
S
s

كيف يمكن أن يكون المسلم إرهابياً في أوروبا ولكنه مجرّد "معتدٍ" في جنوب غرب آسيا؟

سؤالٌ طرحه الكاتب البريطاني روبرت فيسك في صحيفة الغارديان عن ازدواجية المعايير في التغطية الإعلامية للإرهاب والعنف في أوروبا والعالم الإسلامي..


نص المقال:


كانت الساعات المروّعة والدموية لليلة الجمعة 22 يوليو/تموز 2016 وصباح السبت التالي في ميونيخ وكابول -رغم مسافة 3000 ميلٍ تفصل بين المدينتين- درساً مفيداً في دلالات ألفاظ ومصطلحات الإرهاب والنفاق. لقد يئستُ من كلمة الكراهية القديمة "إرهاب". فقد أصبحتْ منذ عهد طويل على لسان كل سياسي ورجل شرطة وصحفي ومؤسسة بحثية في العالم.

إرهاب، إرهاب، إرهاب، أو إرهابي، إرهابي، إرهابي.

ومع ذلك، نواجه هذا الفكرة من حينٍ لآخر، مثلما حدث خلال عطلة نهاية الأسبوع. هكذا سارت الأمور: حينما سمعنا عن قيام ثلاثة رجال مسلحين بإطلاق النار عشوائياً في ميونيخ، وجَّه رجال الشرطة في ألمانيا ومراسلو BBC و CNN وFox News أصابع الاتهام "للإرهاب". وعلمنا أن شرطة ميونيخ كانت تخشى أن يكون هجوماً إرهابياً. وأخبرنا مراسلو BBC أن الشرطة المحلية كانت تشارك في مطاردة الإرهابيين.

وكنا نعلم ما يعنيه ذلك: على الأرجح أن يكون الرجال الثلاثة مسلمين وبالتالي "إرهابيين"، ومن ثم متهمين بالانتماء لتنظيم داعش.

واتّضح بعد ذلك أن الرجال الثلاثة ليسوا بالفعل سوى رجل واحد مهووس بالقتل الجماعي. فقد ولد في ألمانيا (رغم أصوله الإيرانية). وفجأة أصبحت مطاردة الإرهابيين بوسائل الإعلام البريطانية وقناة CNN مجرد ملاحقة لشخصٍ واحد قام بإطلاق النيران عشوائياً.

واستخدمت صحيفة بريطانية كلمة "مطلق النار" 14 مرة خلال بضع فقرات. ولا تبدو كلمة "مطلق النار" بمثل خطورة "إرهابي" إلى حدٍّ ما، رغم أن تأثير أفعاله لا يختلف بالتأكيد. كلمة "مطلق النار" لها كودٌ خاص، وهي تعني أن هذا القاتل "ليس مسلماً".


80 قتيلاً


وننتقل الآن إلى كابول، حيث أرسل تنظيم داعش -نعم، داعش الإسلامي السني المروع فعلياً- انتحاريين إلى الآلاف من المسلمين الشيعة الذين كانوا يحتجون صباح السبت 23 يوليو/تموز 2016 على ما قد يبدو تمييزاً رسمياً. فقد رفضت الحكومة الأفغانية تمديد خط كهرباء جديد عبر إقليم الحزرا (الشيعي) الذي تقطنه الأقلية -حيث أخفق كابل كهربائي أقل جهداً في توفير احتياجات المواطنين- وحذرت الشيعة من الرجال والنساء بسرعة إنهاء الاحتجاجات. وتجاهل المحتجون ومعظمهم من شباب العاصمة من الطبقة الوسطى هذا التحذير واقتربوا من القصر الرئاسي لنصب خيامٍ كتبوا عليها "العدالة والإضاءة" و"الموت للتمييز". ومع ذلك، طالهم الموت من خلال انتحاريَّينِ من تنظيم داعش -أحدهما يجر عربة آيس كريم- حيث مزقت المتفجرات التي لديه 80 من المسلمين الشيعة إلى أشلاء وأصابت 260 آخرين.

طالبان ينكر مسؤوليته


في المدينة التي يُطلق فيها على عناصر الحكومة الأفغانية في بعض الأحيان اسم "عناصر طالبان"، حيث تقبع النسخة الأفغانية من تنظيم الدولة الإسلامية، لم يمضِ وقت طويل حتى بدأ النشطاء الذين نظموا تلك التظاهرات، الشكَّ في أن تكون السلطات ذاتها وراء تلك المذبحة.

ونحن في الغرب لم نسمع هذه الرواية من الأحداث بالطبع. فقد ركزت التقارير الصادرة في كابول على هؤلاء الذين استنكروا الفعل أو أعلنوا المسؤولية عنه. فقد أنكر تنظيم طالبان اقتراف تلك المذبحة وأعلن تنظيم داعش المسؤولية عنها.

ولكن انتظروا. لم يشر تقريرٌ واحد أو نشرة إخبارية واحدة إلى مذبحة كابول باعتبارها عملاً إرهابياً. أشارت الحكومة الأفغانية إلى ذلك ولكننا لم نفعل. فقد تحدثنا عن الانتحاريين والمعتدين بنفس أسلوب الحديث عن مطلق النار في ميونيخ.

هذا أمرٌ غريب للغاية. فكيف يمكن أن يكون المسلم إرهابياً في أوروبا، ولكنه مجرّد "معتدٍ" في جنوب غرب آسيا؟ لأن القتلة في كابول لم يعتدوا على مواطنين من الغرب؟ أم لأنهم كانوا يعتدون على إخوانهم المسلمين، حتى لو كانوا من المسلمين الشيعة؟

اعتقد أن كلتا الإجابتين صحيحتان؟ ولا أجد سبباً آخر للعبة دلالات الألفاظ الغربية هذه.

وبينما اختفت هوية الإرهابي في ميونيخ في نفس اللحظة التي اتضح خلالها اهتمام علي سنبلي بسفاح النرويج أندرز بريفك بصورة أكبر من اهتمامه بالخليفة أبي بكر البغدادي بالموصل، أما رجال داعش الفعليون في كابول فقد نُزعت عنهم صفة إرهابيين.

أكثرهم مسلمون


سيتم تشويه هذه التسميات غير ذات المعنى -تأكد من ذلك- حيث يتضح أن أكثر الضحايا الأوروبيين في الاعتداءات على بلدان الاتحاد الأوروبي من المسلمين ذاتهم. فقد لوحظ عدد المسلمين الكبير الذين تعرضوا للقتل على يد داعش في نيس، ولكن ذلك الخبر لم يحتل العناوين الرئيسية للصحف. وتمت إضافة الأتراك الأربعة الذين أطلق علي سنبلي النار عليهم إلى نفس القصة كعمل روتيني ضمن عمليات القتل الجماعي في أوروبا والشرق الأوسط وأفغانستان.

ومن ثم، تمّ عدم التركيز على هوية المسلمين في أوروبا، إذا ما كانوا ضحايا واعتبارها ذات أهمية سياسية كبرى إذا ما كانوا قتلة.

ولكن في كابول، حيث كل الضحايا والقتلة من المسلمين، فإن أزمة الهوية الدينية لا تهم الغرب. ويتم وصف حمّام الدماء بمصطلحات ضعيفة. فقد تمت مهاجمة المعتدين، ولقي 80 من المعتدى عليهم مصرعهم، كما لو كانت مباراة كرة قدم وليست حرباً إرهابية.

وتكون النهاية واحدةً دائماً. إذا هاجمنا المسلمون، يصبحون إرهابيين. وإذا هاجمنا غير المسلمين، فهم قتلة. وإذا ما قَتل مسلمون غيرهم من أبناء عقيدتهم، يصبحون معتدين.

- ­هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Independent البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية٬ اضغط هنا.