بلا خمور وبملابس سباحة محتشمة.. سياحة "إسلامية" تلقى رواجاً وتثير الجدل في تونس

تم النشر: تم التحديث:
SYAHTHLAL
سوشيال ميديا

للصيف الثالث على التوالي اختار وجدي العيادي (مدير عام بشركة زراعية) من محافظة صفاقس جنوباً الانضمام برفقة عائلته لما أصبح يعرف في تونس بمصطلح "السياحة الإسلامية"، حيث ارتأى القائمون على هذه المبادرة خلق وجه آخر للسياحة العائلية البديلة، كما يقولون، بلا خمور وبلا ملاه ليلية، وبأزياء سباحة محتشمة؛ تحترم خصوصية العملاء.

المبادرة التي بدأها في العام 2012 مجموعة من نشطاء المجتمع المدني والأئمة وجمعيات قرآنية من صفاقس، تقوم على دعوة الأشخاص والعائلات للتجمع والاتفاق مع أحد الفنادق على إشغاله لفترة معينة، شريطة أن يلتزم بضوابط هذه "السياحة الإسلامية" خلال فترة بقائهم، وقد وقع الاختيار هذا العام على فندق "سيروكوبيتش" بمحافظة المهدية شرقاً.

ويعبر العيادي؛ الأب لثلاثة أبناء، في حديث "لهافينغتون بوست عربي" عن سعادته وشعوره بالرضا لقضاء عطلة الصيف مع عائلته في هذا الفندق، مضيفاً "أشعر بالاطمئنان على أطفالي، وهم في سن المراهقة، في أجواء ترفيهية محتشمة، بعيدا عن الموسيقى الصاخبة، والملابس المثيرة، والخمور، التي نجدها في باقي النزل، وتشعرنا بالإحراج وعدم الراحة كعائلة".


خلق سياحة بديلة


وسعياً لاستقطاب العملاء إلى فندق سيروكوبيتش كنموذج لـ"السياحة الإسلامية" خلال هذا الصيف، بعد نجاح التجربة في مدينتي الحمامات والمنستير العامين الماضيين، ينشر القائمون على المبادرة إعلانات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، يروجون فيها للفندق باعتباره "نزلاً بدون كحول.. وسط أجواء عائلية محافظة.. ومتميزة".


البداية كانت.. منع ارتداء "البوركيني"


هشام قيدارة؛ ناشط في المجتمع المدني من مدينة صفاقس وأحد المؤسسين لمبادرة "السياحة الإسلامية"، يوضح للهافينغتون بوست عربي: "البداية كانت باستطلاع رأي قمت به شخصياً، سألت خلاله العائلات في محافظة صفاقس عن سر اختيارهم للإقامات السكنية بدلاً عن التوجه للفنادق خلال فصل الصيف، فكانت الإجابة أنهم يتحرجون من مرافقة عائلاتهم في وجود مظاهر غير محتشمة داخل النزل، لا تنسجم مع طبيعتهم المحافظة، فضلاً عن القوانين التي يفرضها أصحاب بعض النزل وتمنع النساء المحجبات من السباحة بالبوركيني (مايوه المحجبات)، وهو منع نراه غير قانوني".


فتح الوحدات الفندقية المغلقة.. بشروط


قيدارة انطلق –بحسب قوله- على ضوء نتيجة الاستفتاء، في العمل على خلق "بديل سياحي إسلامي" في تونس، عن طريق الاتفاق مع أصحاب الفنادق، التي قررت غلق أبوابها خلال الصيف بسبب الأزمة الاقتصادية التي عصفت بهذا القطاع في تونس بعد الأحداث الإرهابية مؤخراً، حيث يتم فتح هذه الوحدات السياحية بشروط ومعايير تستجيب لخصوصية عملائه من العائلات المحافظة والمتدينة، على غرار منع تقديم الخمور، وغياب مظاهر أخرى كارتداء "البيكيني"، أو استعمال الموسيقى الصاخبة.. وغيرها.

قيدارة دعا في ذات السياق وزارة السياحة التونسية إلى "الاستفادة من هذه السوق السياحية الحلال، والتي تستقطب نحو 15 بالمائة من السياح في العالم، وذلك عن طريق تقنين هذا القطاع البديل وتشجيع أصحاب النزل ووكالات الأسفار في تونس على الاستثمار فيه بعيداً عن الحسابات الإيديولوجية الضيقة" وفق تعبيره.


دعم التجربة والتسويق لها


نجاح التجربة الأولى سنة 2012 بأحد النزل بمدينة الحمامات، شجع أصحاب هذه المبادرة على دعمها ومواصلة العمل بها في محافظات أخرى -كما يقول قيدارة- لافتاً في الآن ذاته على أن التسويق والحجز لهذا النموذج السياحي الإسلامي تم منحه لوكالة أسفار وحيدة، وهي التي تتكفل بإطلاع العميل بشروط الإقامة، وطبيعة الأنشطة والأجواء الموجودة في هذه الوحدة الفندقية، حتى يكون على علم مسبق ويتحمل مسؤولية اختياره.


جدل حول المبادرة


من جهة أخرى يكشف القائمون على هذه المبادرة عن وجود ضغوطات تمارس عليهم من أطراف ترفض هذا النوع من السياحة في تونس وتعتبره مسيئاً لصورتها في الخارج، لاسيما في دول أوروبا، ويؤكدون أن فرق المراقبة الاقتصادية ومندوبي السياحة متواجدون بشكل شبه يومي لمعاينة أجواء النزل وتسجيل المخالفات في حال حدثت.

ثابت شرف الدين مسؤول عن التنظيم والحجوزات في هذا المشروع يوضح في تصريح "لهافينغتون بوست عربي" أن "القائمين على هذا المشروع السياحي البديل أرادوا الاستفادة من مناخ الحريات العامة التي كفلها دستور ما بعد الثورة، ويسعون لتطوير هذه السياحة الإسلامية والتسويق لها عربياً".
ولم يخف شرف الدين امتعاضه من أصوات بعض النخب الليبرالية ووسائل الإعلام التي تحاول "شيطنة" المبادرة وتصويرها على أنها تهديد للمشروع المجتمعي في تونس وللقطاع السياحي بشكل عام.

يقول "لدينا مع الأسف في تونس نخبٌ تراها مدافعة شرسة عن الحريات التي تتعلق بقضايا أخرى، لكن حين يصل الأمر لكل ما له علاقة بالإسلام والتدين، يصبح أمراً مرفوضاً، وتتجند له الأبواق لعرقلته، والتخويف منه"، مختتماً "أنا مثلاً أرفض أن أجلس رفقة عائلتي وزوجتي وأطفالي في مكان تقدم فيه الخمور، وهذا أعتقد حقٌّ يكفله لي القانون".

الانتقادات الموجهة لهذه النوعية من السياحة الإسلامية دفعت بأصحاب النزل إلى نشر بيان توضيحي أكدوا خلاله أن أبوابه مفتوحة للجميع لكنهم يمتنعون عن تقديم الكحول.


بين الديني والاقتصادي


على الجانب الآخر يرى الخبير الاقتصادي محمد زروق أن مثل هذه النوعية من السياحة "الإسلامية" من شأنها أن "تضر بصورة القطاع السياحي في الخارج وأن تساهم في تعزيز الفرقة بين المجتمع التونسي على أساس الحلال والحرام"، وفق تعبيره.

ويستطرد "دستورنا أعطى حرية الضمير وكفل الحريات العامة للأفراد لكننا لا نحبذ هذا التوجه الجديد في قطاع حساس في تونس يمثل 7 بالمائة من الدخل القومي الخام ويشغل الآلاف من العاطلين عن العمل نحن مجتمع وسطي معتدل ومثل هذه المظاهر الدخيلة على نزلنا من شأنها أن تعطي فكرة مختلفة توحي بالتشدد".

زروق دعا أصحاب النزل التونسية إلى "عدم الانسياق وراء هذه المشاريع التي يتداخل فيها الديني بالاقتصادي، وهناك شواطئ في تونس مخصصة للعائلات، ويمكن السباحة فيها، وتكون وجهة عائلية بامتياز، دون اللجوء لمثل هذه المبادرات المسقطة من دول أخرى، وتعدّ دخيلة على المجتمع التونسي"، على حد قوله.