أنا فتاة سعودية.. لديّ وصيّ هو أكبر سند لي

تم النشر: تم التحديث:
YY
AP

"قد تبدو المرأة السعودية في نظر الغرب مخيفة أو خائفة أو ضعيفة، إلا أن الحقيقة أعمق من ذلك وأكثر تعقيداً"، بهذا العبارة وصفت ياسمين باجر (صحفية مالتيميديا) المرأة السعودية في مقال لها بمجلة التايم الأميركية.

الصحفية السعودية وهي إحدى امرأتين سعوديتين تخرجتا في كلية الصحافة بجامعة كولومبيا، أبدت عدة ملاحظات على التقرير الأخير لمنظمة هيومن رايتس ووتش الذي زعم تحكّم الرجل بحياة المرأة السعودية من المهد إلى اللحد.

قالت ياسمين إن ما ورد في تقرير المنظمة الحقوقية لا ينطبق على جميع النساء، فالهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي تسهم في تعريف الغرب بالكثير من "النساء السعوديات الحقيقيات" اللواتي يتحلين بالإرادة، على حد تعبيرها.

وأوضحت أن كل النساء السعوديات لسن سواسية تماماً، مثلما أن كل النساء الأميركيات لسن سواسية.


نص المقال في مجلة تايم الأميركية:


ليس الأمر تهيؤات في خيالك، فالمرأة السعودية فعلاً تبدو في نظر الغرب إما مخيفة أو خائفة أو مهيضة الجناح. أما الحقيقة فهي أعمق من ذلك وأكثر تعقيداً.

فالأسبوع الماضي أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريراً جديداً حول النساء السعوديات ومفهوم "الوصي" الذي يهوله الغرب ويجد فيه إشكالية. التقرير بعنوان Boxed In: Women and Saudi Arabia’s Male Guardianship System (الحبيسات في علبة: النساء في نظام الوصي السعودي)، وبدايته كالتالي: "في السعودية يتحكم الرجل بحياة المرأة من المهد إلى اللحد، فعلى كل امرأة سعودية أن يكون لها وصي، إما أب أو زوج في العادة، وفي بعض الحالات يكون أخاً أو حتى ابناً لها، تكون له السلطة لتقرير عدة قرارات مصيرية بالنيابة عنها". كذلك يضم المقال عدة مقاطع رسوم متحركة.

طوال 79 صفحة إلكترونية، هي طول المقال، تمضي منظمة هيومن رايتس ووتش في توضيح وإبداء بعض المخاوف الحقيقية من طريقة تعامل الوصي مع بعض النساء السعوديات، من مثل ضرورة موافقة المحرم على طلب جواز سفر أو موافقته على قبول بعثة دراسية.

الوصيّ هو رجل من الأقارب يرعى ويحمي من هم دون السن القانونية، فالصبيان بحاجة لوصي حتى بلوغهم سن الرشد، فعندئذ يصبح هؤلاء أوصياء على أنفسهم رغم أن العديد من الصبيان لا يصبحون رجالاً كاملي الاستقلال إلا بعد الزواج. أما بالنسبة للمرأة، فالوصي وصيٌّ عليها إلى الأبد، فهو بالنسبة لها عرابٌ أو أب روحي يقف معها طوال الحياة في كل المسائل، وكثيراً ما يكون هذا الأب الروحي أباها الحقيقي فعلاً، لكنها بمجرد أن تتزوج يصبح زوجها الوصي المسؤول عنها، مع احتفاظ الزوجة دوماً باسم أبيها واسم عائلته.

جهود هيومن رايتس ووتش في تسليط الضوء على بعض القضايا الحقيقية جهود لافتة محمودة، ولكن الحال والوضع الذي أسهبت المنظمة طوال 79 صفحة في شرحه ووصفه لا ينطبق على جميع النساء.

فالهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي تسهم في تعريف الغرب بالكثير من "النساء السعوديات الحقيقيات" اللواتي يتحلين بالإرادة كي يُسجّل لهن التميز في مجالاتهن وتجاربهن المتنوعة. أنا أدرى بهن لأنني كثيراً ما أقتبس كلامهن في عملي، وأنا نفسي امرأة سعودية. لسنا كلنا حبيسات علب في بيوتنا، وكثيرات منا يسرنا الإدلاء بأسمائنا الكاملة عندما يجري أحدهم معنا لقاء أو مقابلة.

ليست كل النساء السعوديات سواسية تماماً مثلما أنه ليست كل النساء الأميركيات سواسية. إني محظوظة بوالديّ الرائعين اللذين دوماً يقبلان بي ويضعانني أمام التحديات. والدتي كوبية أميركية، لكنني نشأت في مدارس السعودية وتربيت على أنني مواطنة سعودية، فهكذا أعرف عن نفسي. صحيح أن ظروفي نادرة، لكنها مع ذلك ليست فريدة من نوعها، ونظرتي للأمور مثلها مثل أي مواطن آخر من أبناء بلدي. جدة لن تكون يوماً لوس أنجلوس وهي أصلاً لا تحاول أن تكون مثلها، وأنا هنا لا أتحدث باسم كل سعودي لأن في ذلك مغالطة أن تطلب من رجل من تكساس أن يتحدث بالنيابة عن كل الأميركيين، لكني فقط أدلي بصوتي.

والدي – الذي هو الوصي علي - وُلد في مكة ولطالما كان خير سند لي داخل وخارج المملكة العربية السعودية. عندما حصلت على أول وظيفة لي في مجال الإعلام والصحافة في السعودية قبل عدة سنوات كان سؤاله الأول لي: "هل لديك ما يكفي من ملابس العمل؟ خبريني إن لزمك الذهاب إلى المول". وربما لأني كنت محظوظة بالعمل في وظيفة ذات طابع غربي (أي لا تفصل بين الجنسين)، فلم يضطر أبي لتوقيع أي أوراق تمنحني "الإذن" بالعمل. كنت أذهب إلى اجتماعاتي بنفسي وأصرف شيكاتي وأذهب من وإلى العمل بنفسي وكل ذلك في السعودية وعلى أرضها.

صحيح أني كنت بحاجة لمن يقود لي السيارة أثناء تنقلاتي، فالمرأة هنا مازالت لا يسمح لها بالقيادة، ولكني تنقلت كثيراً بين المدن بل وحتى البلدان المختلفة دون وجود أبي معي.

لقد شجعني أبي أنا وأخواتي كي نكون ذوات استقلالية في التفكير، لا بل كان يطالبنا بذلك. أما والدته، أي جدتي أو "ستو"، فكانت أقوى امرأة سعودية التقيت بها في حياتي. رغم أنها كانت أمية لا تقرأ ولا تكتب إلا أنها علمتني كيف أعد النقود، وعلمتني ألا أدع أحداً – وخاصة إن كان رجلاً – أن يتحكم بي. كانت تضع أحمر شفاه وتبقشش بسخاء في المطاعم، وكانت لها آراء قوية حول كل شخص وكل شيء. قطعاً لم تكن جدتي حبيسة، ولا أنا أيضاً.

عندما جاءني القبول الجامعي من كلية الصحافة بجامعة كولمبيا قبل 4 أعوام – وكنت من أوائل السعوديين والسعوديات في ذلك – كانت فرحة أبي عارمة، ولم يتردد ولا لحظة في "إرسالي" إلى نيويورك. حضر والداي الاثنان وإحدى أخواتي معي إلى مطار جون إف كينيدي لمساعدتي على الانتقال، وعندما تخرجت كانت أولى كلمات أبي لي: "مبروك، نحن فخورون بك. والآن هيا نأكل." ولم يقل: "هيا الآن عودي معنا، فقد حان الوقت لنزوّجك".

إني محظوظة لأني أستطيع الاحتفاظ بهويتي السعودية وما بها من غرابات وعجائب جنباً إلى جنب مع حلمي الأميركي. أدرك أنه ليس كل سعودي أو أميركي يمكنه الجمع بين هذين المجدين، ولهذا أنتقي كلماتي كي أتحدث باسمي هنا وأكتب في الوقت ذاته عن بقية النساء اللواتي يأتين من كل الخلفيات والظروف.

إنني أدعو أن يكفّ أولئك الأوصياء المستبدين المذكورين في مقالة هيومن رايتس ووتش عن حبس النساء في علبٍ وصناديق وقماقم كأنهن رهائن، فتلك حقيقة واقع الكثيرات، وهذا أمر يستدعي الاهتمام والنظر، لكن من الضروري أيضاً أن يعي الكل أنه ليست كل فتاة وامرأة سعودية تعاني من الاستبداد والقمع، وأنه ليس كل رجل سعودي مستبداً مستملكاً.

إننا معشر النساء هنا وهناك آخذاتٌ تدريجياً في تغيير صفحات التاريخ وصناعة وسرد تجاربنا بأنفسنا. إن الثورة الحقيقية ستأتي من حبر القلم ودهان الفرشاة. فالأميركيات يتحدين سقف ترشح المرأة للرئاسة ويحدثن به صدوعاً، أما نحن السعوديات فنحطم العلب والصناديق والقماقم!

- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن مجلة Time الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.