كيف أضاع ترامب فرصة الهرب من الشخصية الكاريكاتيرية المتصورَة عنه؟

تم النشر: تم التحديث:
BB
Alamy

كانت هذه هي فرصة دونالد ترامب الأفضل للهرب من الشخصية الكاريكاتيرية المرسومة عنه، لكنه لم يفعل.

بعد 40 عاماً من العمل العام أمام أعين الجمهور، قرر ترامب في المؤتمر الذي عقده يوم الخميس 21 يوليو/تموز 2016، أنه ليس مهتماً أو راغباً في الإفصاح للشعب الأميركي عن حكايات نشأته أو الدروس الصعبة التي علمته إياها الحياة أو صراعاته الداخلية المغطاة بقناع خارجي من الغطرسة، وفي هذا الخطاب الذي جاء بعد 401 يوم في سباق الرئاسة بدا كشخص لا يتعلم من أخطائه، واعداً بالحلول السريعة بين عشية وضحاها ومتسبباً بالفوضى. لم يقدم ترامب أي اعتراف أو دفاع أو تفسير لجمهور الناخبين الذي لايزال قلقاً بشأن سلوكه وصدقه وشخصيته.

كان خطاباً هاماً سيظل في الذاكرة، بسبب ما غاب عنه، وليس ما تضمنه فقط. بدا أن الرسالة التي يود إبلاغها من وراء ما غاب عن خطابه: أنه راضٍ بالناخبين الغاضبين الذين فاز بتأييدهم، وهللوا له وابتهجوا، وغير مكترثٍ بالتودد لغيرهم، فبالنسبة لهؤلاء الباحثين الآملين في علامات جديدة من التواضع والسماحة والعمق؛ لم يقدم ترامب شيئاً يُذكر، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

وفي "كويكن لونز أرينا" بكليفلاند في ولاية أوهايو حيث ألقى الخطاب، وفيما تلوح خلفه مجموعة كثيفة من الأعلام الأميركية؛ صوّر ترامب نفسه مراراً وتكراراً كمخلِّص مسيحي يُعد نفسه لإنقاذ البلاد من شرور الجريمة المدنية، والهجرة غير الشرعية والإرهاب العالمي.

وقال: "يمكنني إصلاح ذلك كله، وحدي".

لكنه لم يقدم حقيقة أياً مما يؤهله لقيادة أكبر اقتصاد وأقوى جيش في العالم، ولم يقل سوى إنه رجل ناجح يعرف كيف يجعل كل شيء أفضل.


فرضة ضائعة


وهو ما أثار استياء كُتّاب خطابات الحملة من كلا الطرفين، فقد قال مات لاتيمر، الذي كتب خطابات الرئيس جورج دبليو بوش: "إنها فرصة ضائعة"، وإنه كان يتوقع أن يتحدث بعمق عن حياته الشخصية والمهنية وهذا النوع من الحكايات التي من شأنها تحويله - في عيون المشككين والقلقين - من صورة كاريكاتيرية إلى إنسان من لحم ودم، "فالقليل من الإنسانية والحكايات الذاتية عادة ما تكون إضافة قوية جداً للخطابات".

كما علّق بول بيجالا، الاستراتيجي الديمقراطي وأحد كتاب الخطابات، بعد قراءته لخطاب ترامب قائلاً إن غياب التفاصيل الشخصية "خطأ كبير"، مضيفاً "يحتاج الشعب الأميركي لمعرفة الجوانب الشخصية والأسطورية في حياة رئيسهم".

لكن لا يبدو أن ترامب قادر على التقاط ونقل تعقيدات حياته، حتى بعد بلوغه الـ 70 ، فدائماً ما يتجنب تحويل سيرته - من الوالد العنيف والأخ الذي دمر نفسه، إلى الحياة المهنية المليئة بالنجاحات والعثرات - إلى قصة حية يمكن روايتها بشكل مؤثر.

فعند ذكر طفولته يقول إنه تعلّم فيها "احترام كرامة العمل"، أما والداه فيقول إن والده أحب شركة النجارين والكهربائيين التي أنشأها، ووالدته كانت "خبيرة في معرفة الشخصيات"، وكان كل ما قاله عن وظيفته: "كانت لي مسيرة عظيمة حقاً في العمل"، كما قال عن زوجته ميلاني: "أنا محظوظ بكونها إلى جانبي".

من الجدير بالذكر أنه دائماً ما اعتمدت أقوى الخُطَب على رواية الصور شفهياً واستعادتها من الماضي، والكشف عن اللحظات الحميمية المؤثرة غير المعروفة في رحلة الشخص.

ففي عام 2012، تحدّث ميت رومني الذائع الصيت بخطاباته المُحبطة عن الرابطة الرومانسية بين والديه، وعن الوردة التي يتركها والده جورج كل صباح على الوسادة لزوجته لينور، وأضاف: "هذه هي الطريقة التي عرفت بها موته، فقد نهضت للبحث عنه لإنها لم تجد الوردة في ذلك الصباح".

وكذلك انتبه جورج بوش الأب إلى نقاط الضعف الشائعة عنه، مثل بعض النخبوية وافتقاد الكاريزما، وحولها لنقاط قوة لصالحه في عام 1988 حين قال: "أنا رجل هادئ، لكنني أسمع الهادئين الذين لا ينتبه الناس لهم".

أما ريتشارد نيكسون فدفع الناخبين الذين عرفوه كسياسي منبوذ يشعر بالمرارة إلى التفكير فيه بدلاً من ذلك على أنه الصبي الصغير الفقير الذي كبر في مزرعة للليمون وكان يحلم "بالذهاب للأماكن البعيدة التي يحبها".


افتقد للهجته العاطفية


كما قال ديفيد جيرغن الذي عمل مستشاراً لأربعة رؤساء منهم 3 جمهوريين، عن خطاب ترامب الذي استلهمه من خطاب نيكسون الشهير، إنه افتقد للهجته العاطفية ورسالته المُلهمة، وأضاف أنه يدفع قبضته إلى الأمام مثل نيكسون، غير أن نيكسون أحاطها بقفاز مخملي بينما رمى ترامب القفاز.

لكن بدلاً من ذلك أظهر ترامب ثقة بالنفس وسلطة وقوة لا تتزعزع، وأظهر منافسته الديمقراطية هيلاري كلينتون كشخصية لا أخلاقية وغير جديرة بالثقة.

وعلى أية حال لم يبد ترامب كشخص قاسٍ وخالٍ من المشاعر تماماً، فقد وعد بأن يعطي الصوت لعمال المصانع المُسرّحين، وللرجال والنساء المنسيين في بلادنا، كما أظهر الشفقة لعائلات الضحايا المقتولين على يد مهاجرين غير شرعيين وغضب لأجلهم، وقال: "ليست لهذه العائلات مصالح خاصة لتمثيلها، فلن يتظاهر أحد لصالحها، ولن تلتقي بهم منافستي أو تشاركهم آلامهم"، وأضاف "كانت هذه الأسر الأميركية الجريحة وحدها دائماً، لكنها لم تعد كذلك بعد الآن".

كما لعبت حفنة من الذكريات الشخصية مع أبنائه دوراً في تحويله لشخص حقيقي "ثلاثي الأبعاد" فحكى عن العبارات المشجعة التي تركها على بطاقات تقاريرهم المدرسية، ولعبهم بألعاب المكعبات تحت مكتبه بينما يقوم والدهم بالعمل مع الخرسانة والصلب.

لا يعني ذلك بطبيعة الحال أن التحول من مرشح مستقطب إلى زعيم محبب هو شيء تبرع فيه المنافسة هيلاري كلينتون، فعلى مدار العامين الماضيين بدت كشخص لا تلائمه الحكايات الشخصية ويتهرب منها، وما يلائمها بشكل أفضل هو الحديث عن خطط العشر نقاط ، بدلاً من تقديم اللمحات عن سنوات عمرها الأولى أو حسابات صريحة عن حياتها ونضالاتها المهنية، لكنها بدأت في الإعداد لمؤتمرها المقرر عقده الأسبوع القادم والأخذ في الاعتبار ما توقعه الجمهور في خطاب ترامب وخيّب آمالهم، كما اعترفت ببعض الأخطاء، منها أن العديد من الأميركيين لا يثقون بها، وأن لها دوراً في الحرب الحزبية التي اعتزل بعض الناخبين الانتخابات بسببها.
أما ترامب فلم يقدم أي تنازلات في خطاب الخميس كما لم يعترف بأي أخطاء، بل قال إن "أميركا الخاصة به، ستكون أكبر وأفضل وأقوى من أي وقت مضى"، مثله وحسب.

- هذه المادة مترجمة عن جريدة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.