كيف يفكر ترامب وأنصاره؟.. تفاصيل ما دار في مؤتمر الحزب الجمهوري يساعدك في التعرف عليهم

تم النشر: تم التحديث:
S
s

"احبسوها!"، هكذا ردّدت الحشود الغفيرة في مؤتمر الحزب الجمهوري الأميركي الذي انعقد في 18 يوليو/تموز 2016، بعد أن دوّت هتافات وخطابات لم يتورّع أصحابها عن تصوير المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون بالكاذبة الأفّاقة، ونعتتها بالمجرمة التي تهدد أمن البلاد القومي، بل وحتى بأنها من أصحاب إبليس.

وأشار مقال لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية عن أجواء المؤتمر إلى أنه كان المفروض أن يكون أشبه بحفل تتويج يستعرض فيه أحد أقوى وأعرق حزبين سياسيين في أميركا كل قوته وثقله السياسي استعراضاً براقاً باهراً ليتباهى بتقديم مرشحه الرئاسي الذي اصطفاه الحزب وعقدت عليه العزم حشودُ المؤتمرين.

بيد أن أجواء المؤتمر كانت محملة ومثقلة بهواء مختلفٍ أشبه بمدرج روما الشهير (الكوليسيوم) المفعم برائحة لا تخطئها الأنوف: مزيجٌ من الترقب والتوجس تحمله أصداء صرخات المصارعين، وسياسات كحفر الدببة المصارِعة يشتد فيها التنافس، وهذا كله على وقع صرخاتٍ تتوعد بالويل والثبور للأعداء وتنذر بنار الثأر، حسب المقال.

فجندي سابق رفع عقيرته في المؤتمر منادياً نداءً يفوح عدوانية بتكثيف الغارات في الشرق الأوسط، وإجماعٌ على أن اللاجئين السوريين ما هم إلا مندسون دواعش من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ثم هزأت حفنة من المتحدثين الأميركيين الأفارقة من مجموعات حقوق السود واستخفوا بها، ولم يكتمل المشهد إلا بجملة خطابات هاجمت بأقسى الكلمات مرشحة الخصم الديمقراطي اللدود، هيلاري كلينتون.

ترددت في المؤتمر كلمة "احبسوها!" من قبل الحشود الغفيرة وتعالت أصواتهم في إيقاع منتظم وسط التسيب والهرج والمرج الذي ساد القاعة أمام الخطابات اللاذعة في ذم كلينتون.

الحضور كان من ممثلي الحزب ونوابه – الذين أغلبيتهم الساحقة هي من كبار السن البيض – وكانت حالهم حال من ينتظر إطلالة قاضٍ مهيب يطل بأثواب فضفاضة تجلله لينطق بالحكم إما بالموافقة وإما بالرفض.

صاح عمدة نيويورك السابق رودولف جولياني بصوت متهدج رعباً يتوعد إرهابيين إسلاميين لم يحددهم: "نعرف من أنتم حق المعرفة، ونحن قادمون للنيل منكم!"، في هتاف قامت له القاعة ولم تقعد من فرط الهياج الذي اعترى الجمهور.


تقسيم البلاد


ومن وراء بحر الهياج المتلاطمة أمواجه ربض دونالد ترامب، ذلك الملياردير الذي استقطب الرأي العام وأزاح جانباً عن طريقه قيادةَ الحزب الجمهوري التي لطالما كان معقل قوتها العاصمة واشنطن، والذي صنع لنفسه قوة سياسية جديدة عنوانها الغضب الجامح وتسخير سخط العامة، فبات الآن مرشح الحزب للظفر بأعلى مراتب الدولة الأميركية على الإطلاق بل وأقوى منصب في العالم أجمع.

من المزمع أن يعلن ترامب رسمياً قبوله الترشحَ عن حزبه ليلة الخميس 21 يوليو/تموز التي لعلها تكون لحظة حاسمة تغير وجه السياسة الأميركية.

فالحزب العتيد، الذي كان يوماً حزب أبراهام لنكولن والذي تأسس على ميثاق وعهدٍ بوقف انتشار العبودية، بات اليوم يترأسه مرشح قسّم البلاد ونسيج الجمهوريين أنفسهم انقساماً لم يشهد له مثيل منذ عقود.

ظاهرياً يبدو الجمهوريون كأنهم يُجمعون صفهم ويتحلقون حول طقوس مؤتمرهم الغريبة التي يقدسونها ويبجلونها طيلة فترة المؤتمر التي تبلغ 4 أيام.

هنا في ممرات وردهات قاعة Quicken Loans Arena الفسيحة الرابضة بجانب بحيرة مدينة كليفلاند حيث ينعقد المؤتمر، ترى المكان يعج بجموع النواب وممثلي الحزب يتضاحكون ويهللون استبشاراً، معظمهم يعتمر قبعات غريبة الشكل مثل شجرة عيد الميلاد (الكريسماس) أو مثل الفيل (رمز الحزب)، فيما جاءت امرأة من ولاية تينيسي وعلى رأسها جلد حيوان الراكون.

تصيح امرأة أخرى متقاعدة من ولاية ويسكونسن اسمها بابرا فينغر: "نحن أجبان ويسكونسن هنا!"، بينما تعتمر على رأسها قبعة تشبه قطعة جبن هي رمز المنتج الذي تتميز به تلك الولاية.


غياب للقيادات


لكن وراء الأكمة ما وراءها، ووراء الواجهة التي ظاهرها وحدة الصف باطنٌ متهالك متهتك الأوصال متآكل الأطراف بدا جلياً في منظر أليم للأعين.

نجاح ترامب الساحق حدا بالعديد من كبار الحزب، ومنهما الرئيسان السابقان بوش الأب والابن، بالنأي بأنفسهم بعيداً والتغيب عن محفل حزبهم التقليدي.

ولفت التقرير إلى أنه بينما فشلت محاولة يائسة أخيرة لممثلي مجموعة "أوقفوا ترامب" التي خرجت عن سرب حزبها وتمردت عليه، فإن تمردهم وخرقهم لصفوف حزبهم هذا خلف وراءه طعماً مراً.

فبعد يوم واحد تصادف مرور مجموعة من الجانب الآخر من أعضاء الحزب مع مرور السيناتور ميتش مكونل من ولاية كنتاكي، الزعيم الكبير والقوي المخضرم وقائد الأغلبية في الحزب وهو معارضٌ لترامب، فما كان منهم إلا أن قابلوه بوابل من صيحات الاستهجان والتصفير.

كذلك بات من المغضوب عليهم ممثل الحزب بول رايان من ويسكاونسن، الذي أصبح متحدثا باسم الحزب ورئيس هذا الاجتماع ، فقد أدلى بخطاب غريب مضطرب خلال المؤتمر حُشِر بين شهادات منمقة أدلى بها ممثلو مسلسلات تلفزيونية سابقة وبين صغار الرياضيين وامرأة تدير متاجر ترامب للخمور.


استغلال للغضب


لكن ما يجمع الكل عليه هو أن النجاح المذهل الذي حازه ترامب سببه هو قدرته على تسخير سخط الشعب الأميركي ليصب في مصلحته.

يقول عن ذلك جيسبون أنافيتارت، الممثل الجمهوري عن ولاية جورجيا الذي كان ضمن حملة أحد المنافسين الحزبيين لترامب، سيناتور فلوريدا ماركو روبيو، يقول إن ترامب "حول الغضب والإحباط إلى منتج" سيمكن بيعه والترويج له خلال موسم الخريف هذا.

وقال عن أزمة العقارات والاقتصاد الأميركية: "هنالك العديدون ممن لم يتمكنوا من التعافي من أزمة عام 2008 وهم يشعرون بالانعزال عن وسط السياسة العام. ترامب يخرج كم الغضب ذاك المتراكم في نفوس الناس ويطلقه بفمه".

وافقته الرأي لورا فيي (57 عاماً) من نيفادا والتي هي ناشطة في حركة "حفلة الشاي" المحافظة التي كانت في الماضي قسمت صفوف الجمهوريين، إذ تقول: "إنه أول من يقول علناً أشياء نتحدث عنها نحن في الخفاء بجانب برادات المياه".

شعر بعض منتقدي ترامب، الذين أزعجهم خلطه بين الأساليب المتهورة والخطابات المتسلطة وتناول الحقائق بصورة عابرة، بالارتياح عبر الأطلسي في الآونة الأخيرة من خلال تصويت بريطانيا لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي.


خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي


ويرى خبراء أن هناك عوامل مماثلة تحرك السياسة الداخلية في كلتا الدولتين: غضب الخاسرين من العولمة والشعور بالإحباط من النخبة التقليدية والقلق بشأن الهجرة ورهاب الأجانب.

وكان السياسي البريطاني المناهض للهجرة نايجل فاراج الذي كان بمثابة قوة دافعة وراء "خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي" وجيرت ويلدرز عضو البرلمان الهولندي اليميني المعروف بانتقاداته للإسلام بين الضيوف الأجانب الموجودين في كليفلاند هذا الأسبوع.

وذكر روبن نيبلت، مدير منظمة تشاثام هاوس البحثية في لندن "إنه مزيج بين الديمقراطية والهوية". وأضاف أن الناخبين في المناطق المتصارعة في كلا البلدين كانوا يواجهون التحول في السيادة الوطنية "يشعر الناس أنهم فقدوا السيطرة".

وقف كريستوفر كوكس، مؤسس مجموعة راكبي الدراجات البخارية من أجل ترامب Bikers for Trump، خارج قاعة اجتماعات كليفلاند لالتقاط الصور مع أعضاء الوفود القادمة، بينما كان جون دينفر يغني بصوت مرتفع في الخلفية.


فحص السوريين


وأعلن كوكس أن السلامة السياسية "قد قيدت لسان أميركا. وساعد دونالد ترامب المتحمسين الوطنيين على التصدي وإعمال العقل دون الخوف من الاتهام بالعنصرية".

وأضاف "يخشى راكبو الدراجات البخارية الإسلام المتطرف وسوف يقاتلون تنظيم داعش"، "نريد أن نرى جداراً يتم بناؤه وأن يتم فحص السوريين. هذه ليست عنصرية، بل وطنية".

كان راكبو الدراجات وسط عشرات المجموعات التي جاءت إلى كليفلاند هذا الأسبوع: حيث شارك الأناركيون (الفوضويون) والمسيحيون الإنجيليون ومناصرو حقوق الإنسان والمحتجون وشباب الرأسماليين والاشتراكيون في مناقشات محتدمة.


جدار ترامب


وتقول إحدى لافتات المحتجين على عبارة "ابنوا جداراً يحتجز ترامب"، مشيرة إلى مقترح ترامب ببناء جدار على امتداد الحدود المكسيكية. وحمل آخرون السلاح جهراً، حيث يسمح قانون ولاية أوهايو بذلك. وصاح أحد الدعاة محذراً من اللعنة، بينما أحضر رجل آخر حيوان الإيجوانا الأليف.

وتجمع الحاضرون في ميدان بابليك سكوير بكليفلاند أسفل النصب التذكاري للحرب الأهلية الذي يستعرض أبراهام لينكولن أثناء تحريره لأحد العبيد. وكان الجدل يمزج بين الجدية والهزلية. وكانت الحشود تتسم بالسلمية غالباً.

ومع ذلك، تحول الصياح إلى مواجهة بين المجموعات المنافسة في مرحلة ما يوم الثلاثاء، مما أدى إلى تدخل مئات من رجال الشرطة على الأقدام أو راكبين الخيول أو الدراجات.

وفي البداية، تجمع رجال الشرطة في الميدان ثم شرعوا في مطاردة الأناركيين على الدراجات البخارية في أحد الشوارع الخاوية. وانتهت المطاردة خارج متجر لبيع السجائر.

وكان عدد المصورين يتجاوز عدد المحتجين وانتهت المواجهة بعد مشاجرات قليلة. وخطب فيرمن سوبريم وهو يرتدي سروالاً قصيراً في رجال الشرطة من خلال بوق، قائلاً "على رسلكم يا قوم، فلنكن لطفاء بعض الشيء".

­- هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The New York Times الأمريكية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.