النوم مع الوحوش أكثر أمناً من النوم بين البشر.. هكذا يعيش أهالي الكونغو الديمقراطية

تم النشر: تم التحديث:
DEMOCRATIC EASTERN CONGO
Ognen Teofilovski / Reuters

أشباح تسير مسرعة باتجاه الأدغال المحيطة ببلدة "بوالاندا" الصغيرة، شرقي الكونغو الديمقراطية.. نساء يحملن صغارهن وقد أدركهم السبات، فارتخت مفاصلهم متدلّية، وغير بعيد عنهن يحثّ عدد من الرجال الخطى، فيما ترتفع الأصوات من حين لآخر، داعية للإسراع بالالتحاق بالغابة قبل تحوّل الغسق إلى ظلام دامس.

هدوء حذر يسود البلدة ومناطق الشرق الكونغولي نهاراً، قبل أن ينقلب السكون إلى جلبة وضوضاء مع حلول الليل.. ففي مثل هذا التوقيت، تبدأ أدفاق السكان بالتوجّه نحو الأدغال لقضاء الليل فيها، خشية استهدافهم للقتل من المتمرّدين المحليين والأجانب والعصابات، الذين تعجّ بهم المنطقة.

وأضحى النوم في البراري مع الوحوش أكثر أمناً من النوم بين جدران يمكن أن تتحوّل إلى منصّة إعدام، بحسب شهادات عدد منهم لـ"الأناضول".


الساعة السابعة إلا ربع


"إنها السابعة مساء إلا ربع، وعلينا الذهاب".. عبارة تتكرّر على لسان القرويين، حتى يتأكّد جميعهم أن منازلهم الصغيرة أقفرت من سكانها، وأن الجميع، وخصوصاً الأطفال، في طريقهم نحو الغابة.

وبصوت خافت لا يكاد يسمع، همس الكونغولي "إسبوار ماغولو"، لمراسلة الأناضول، وكأنه يخشى أن يصل "سره" الصغير إلى مسامع المتمردين، على حدّ قوله: "لقد حان الوقت لتحضير أغراضنا والالتحاق بأسرع وقت ممكن بالأدغال في حال أردنا البقاء على قيد الحياة".

قروية أخرى في الأربعين من عمرها، وقفت غير بعيد عن الشاب، وبدت في عجلة من أمرها حدّ عدم تقديم نفسها، مكتفية بالقول، وهي تتأكّد من وجود أطفالها الـ 5 في محيطها: "عليّ التأكّد من أنهم هنا جميعاً، فلقد حان موعد رحلتنا اليومية".

المشهد نفسه يتكرر كل يوم منذ فترة من الزمن.. فنحو 50 قروياً يغادرون منازلهم كل مساء قبل حلول الظلام، متجّهين نحو وجهة أضحوا يحفظون ملامحها عن ظهر قلب، بل إن كل واحد منهم يدرك جيّداً المكان الذي يتعيّن عليه وضع أطفاله وأغراضه فيه، ومع طلوع الفجر، تبدأ الرحلة العكسية باتجاه القرية.

"لا نخشى الحيوانات البرية مقدار خوفنا من البشر"، يقول "بالوكو موكسوا"، أحد القرويين، وهو يضع اللمسات الأخيرة على علبة كرتونية وضع فيها القليل من الطعام، مضيفاً للأناضول، أن "النوم في الأدغال يعتبر الاستراتيجية الوحيدة التي باستطاعتنا تبنّيها لحماية أنفسنا من قطاع الطرق والمتمردين الذين يهاجمون قرى شمال كيفو".

وفي الواقع، فإن حالة الخوف التي يعيش على وقعها سكان الشرق الكونغولي تعود إلى سنوات مضت، وتحديداً منذ بدء الاختطافات والهجمات المسلحة وغيرها من أعمال العنف التي تستهدف القرويين وتسلبهم أمنهم.


أطماع غزاة الليل


فـ "هنا في بويتو"، يقول القروي "جاك بويرا"، "تضع القوى الديمقراطية لتحرير رواندا (مجموعة مسلحة رواندية) القانون، وأفرادها ينهبون قرانا ويغتصبون نساءنا ويقتلون البعض من السكان، ولمواجهة ما يحدث، قررنا عكس مقاربة يومنا، أي النوم ليلاً في الأدغال والعيش نهاراً في القرية".

حُصُرٌ وسلال أوثقتها أيادي النساء على رؤوسهن، تبدو من بعيد وكأنها تسبح لوحدها في الفضاء.. يد تضبط توازن تلك الأغراض، والأخرى تمسك بقوة طفلاً وحبلاً ربطت في نهايته الماعز أو أي نوع من أنواع الماشية.. لا شيء يتحرك ينبغي أن يتركنه خلفهن في القرية، ويمكن أن يثير أطماع غزاة الليل.. نظرة أخيرة إلى المنازل المظلمة، قبل أن يلتحقن بأزواجهن الذين سبقوهن لـ"اكتشاف المكان"، على حدّ قولهن لمراسلة "الأناضول".

رحلة شاقة نفسياً على الأقلّ، هكذا تعقب "كاتي"، هذه القروية، التي قالت إنه "يتعين عليها السير هذه الليلة لمسافة 3 كيلومترات في الغابة".

"نحاول التحلّي بالشجاعة"، تضيف، فـ "في النهاية نحن نعيش على وقع الهلع على مدار اليوم، ولا أعتقد أن بعض الرطوبة في الغابة سيثير خوفنا".

وعلى بعد بضعة كيلومترات، يقوم زوجها بمساعدة عدد من رجال القرية، بإعداد الخيام المصنوعة من القماش المشمّع، التي يستخدمونها في الأيام العادية لإخفاء محاصيلهم الزراعية. وفي المجموع، فإن 50 عائلة تقريباً تقضي ليلها تحت حماية بعض القرويين ممن يتطوعون بالتناوب لتأمين ذلك الحشد كل ليلة.

ومع انحسار الظلام، يستيقظ القرويون مسرعين، لجمع أغراضهم وسلك طريق العودة. ولدى وصولهم، يبدأون بإحصاء الخسائر التي تسبب فيها اللصوص والمتمردون إثر مرورهم ليلاً.

"انظر إليهم، لقد جاء المتمردون إلى هنا في الليل، فلقد كانوا يعتقدون أننا هنا"، تقول "كاهيندو كومبي"، إحدى سكان القرية لمراسلة "الأناضول"، وهي تشير بسبابتها إلى باب منزلها الذي حولته مديات المهاجمين إلى أشلاء متناثرة.

وبذات الاستياء، أضافت "كومبي": "حتى وإن لم يجدوا أحداً، فهم لا يتوانون عن حمل كل ما يعثرون عليه في طريقهم".

معاناة تشكّل الخطوط العريضة ليوميات هؤلاء القرويين الذين يواجهون العصابات وقطاع الطرق ممن ينتظمون في شكل مجموعات للدفاع الذاتي.

وفي محافظة شمال كيفو، دفع تجدّد الاضطرابات ذات الصلة بالصراع الطائفي بالمنطقة، العديد من الشباب نحو الانتظام ضمن ميليشيات تهاجم السكان وتستولي على طعامهم وممتلكاتهم.


قوى أخرى


وعلاوة على مجموعات "الدفاع الذاتي" تلك وقطاع الطرق، يعاني سكان المنطقة أيضا من هجمات المتمردين الروانديين التابعين لـ "القوى الديمقراطية لتحرير رواندا"، هذه المجموعة المسلحة التي تشكلت عام 2000 للدفاع عن حقوق "الهوتو" (عرقية) الروانديين اللاجئين إلى الكونغو الديمقراطية، والمناوئين لحكم الرئيس الرواندي بول كاغامي.

وبحسب "لوانزو موسافيري"، نائب مدير مدرسة ابتدائية بالمنطقة، فإن "الضحايا يقع استهدافهم على أساس هويتهم العرقية واللغة التي يتكلمون بها"، لافتاً للأناضول أنهم (المتمردين)، "قتلوا مؤخراً زعيم قرية بيتونغي غير بعيد عن منطقة كانيابايونغا الريفية، الواقعة في تقاطع الأراضي بين روتشورو ولوبيرو (شرق)، فقط لأنه لم يذهب لقضاء الليلة في الأدغال، لأن حالته الصحية لم تكن تسمح بذلك".

"لقد أثبتت التحقيقات"، يتابع، "أنه ذبح لأنه ينتمي لعرقية نهاوند، ولم يكن يتحدث بلغة شبيهة بـ(الكينيارواندا) (لغة محلية يستخدمها المتمردون الروانديون)، ومنذ ذلك الحين، طلبنا من جميع أولئك الذين يستخدمون لغات مختلفة عن لغة المتمردين، حزم أمتعتهم والفرار من أجل البقاء على قيد الحياة".

سبب آخر قال "لوانزو"، إنه يقف وراء استهداف القرويين، وهو أن "القوى الديمقراطية لتحرير رواندا تتهمهم بالتعاون مع ميليشيات الماي ماي المنتمية لعرقية الناندي، والتي غالبا ما يشتبكون معها، والماي الماي تضم شبابا يدافعون عن السكان الأصليين، ويعملون على طرد الروانديين، ونحن وجدنا أنفسنا في مأزق وفي سجال لا دخل لنا فيه بين الجانبين".

مواجهات وأعمال عنف مسلح ومجازر، تعيش على وقعها محافظة شمال كيفو، منذ أكثر من عقدين من الزمن، تقودها مجموعات مسلحة محلية وأخرى أجنبية، تتقاطع مصالحها وأجنداتها مع عدد من قطاع الطرق والمهربين، لتصنع توليفة أقضّت مضجع القرويين وروّعت نفوسهم، وذلك رغم انطلاق عملية "سولوكا" 2، منذ مطلع 2015، بقيادة الجيش الكونغولي لمطاردة المتمردين.