الحرب تفرق العشاق.. فتيات سوريات يروين قصص حبهن لشباب يقيمون في مناطق المعارضة

تم النشر: تم التحديث:
SOCIAL MEDIA
social media

يجب على النساء السوريات المقيمات في محافظة اللاذقية التي تسيطر عليها الحكومة، الاختيار ما بين الحب والخطر إن أردن الزواج بالرجال الذين اخترنهم، وخاصة إن كان هؤلاء الرِجال يعيشون في إحدى المُحافظات التي تسيطر عليها المُعارضة السورية.

رنيم يجب عليها اتخاذ القرار. ففي المرة الأخيرة التي قابلت فيها رنيم حبيبها -وهي فتاة تأتي من مدينة حماة السورية وتبلغ من العمر 26 عاماً- طلب منها الزواج حينها. وقد وافقت بدورها على الزواج منه. ولكن أهلها رفضوا خطبتها إليه. وكان ذلك عام 2015، بعد أربعة أعوام من بدء الصراع في سوريا، عندما وقعت رنيم في حُب الرجل الذي ظَنّ والداها أنه يعرضها للخطر.

تقرير نشرته النسخة الأميركية لـ"هافينغتون بوست"، الثلاثاء 19 يوليو/تموز 2016، نقل عن رنيم قولها: "لم تدرك عائلتي الموقف الذي تسببوا في وضعي فيه. فأنا لا أستطيع الزواج بأحد غيره. أنا أحبه كثيراً ولكنهم لا يأبهون لذلك. فقد رفضوه فقط لأنه يُعارِض النِظام السوري".

تعيش رنيم مع عائلتها في الجزء الذي تسيطر عليه الحكومة السورية في مدينة حماة. أما خطيبها، والذي رفضت ذِكر اسمه لأسباب تتعلق بسلامته، يأتي من مدينة إدلب الريفية، وهي منطقة تسيطر عليها المُعارضة السورية. كان القلق الذي يسيطر على عائلة رنيم، إذ إنها إن تزوجت منه، فيجب عليها الانتقال للعيش معه في إدلب، وهي المدينة التي كثيراً ما يستهدفها القصف الجوي للحكومة السورية.


معارضة الأهل


القرار الذي يجب على رنيم اتخاذه صعب للغاية -فإما أن تختار مُعارضة أهلها، أو تتنازل عن الزواج من حبيبها.

وإن اختارت مُعارضة أهلها، فيجب عليها إيجاد خطيبها أولاً. فقد مضت سنة كاملة على تقدمه إليها للزواج. مرّ 365 يوماً على المرة الأخيرة التي تحدثا فيها سوياً.

عندما رفض أهلها طلب الزواج، هرب سريعاً من المنطقة التي تسيطر عليها الحكومة السورية. ومنذ ذلك اليوم، دائماً ما كانت رنيم ترفُض كُل من يتقدم إليها للزواج، وقضت العام الماضي بأكمله باحِثة عن حبيبها.

ويشاركها في اختيارها هذا، العشرات من الفتيات الشابات المُقيمات في سوريا. فهناك عدد كبير من الفتيات المقيمات في المناطق التي تحكمها الحكومة السورية، وقعن في حُب الرجال الذين درسوا معهن في الجامعة، أو أولئك الذين قابلنهم قبل بداية الصراع السوري، ويعيش معظم هؤلاء الرِجال في مناطق أطلقت عليها الحرب "المناطق التي تسيطر عليها المُعارضة".


خطر الاغتصاب


وكلما زاد الانقسام في البلد نتيجة الصراع، أصبح من الصعب الحِفاظ على العلاقة بين هؤلاء الفتيات والرِجال: يتعرض الرِجال إلى المُضايقات أو يتم ضمهم إلى الجيش السوري إن اختاروا البقاء، أما الفتيات فيتعرضن إلى الخطر واحتمالية الاغتصاب إذا سافرن عبر المدن السورية.

قابلت سلمى البالغة من العمر 25 عاماً، خطيبها منذ 4 أعوام إذ كانوا يذهبون إلى نفس الكلية. هي تأتي من مدينة اللاذقية، التي تُعَد معقلاً للحكومة، بينما يأتي هو من ريف إدلب. وبعد أن تقدم إليها للزواج، ازداد الأمر سوءاً في اللاذقية، وأصبح وجوده في المدينة يُشَكِّل خطراً عليه بسبب مساندته للمُعارضة السورية. فهرب إلى مدينة إدلب، ولكنه لم يصطحب سلمى معه.

وقالت سلمى "بدأ بزيارة أهلي، ثُم طلب يدي للزواج، ولكنه اختفى بعدها. وكان إقناع أهلي للموافقة عليه صعباً للغاية. ولِذا، فأنا الآن أعيش تحت ضغط شديد. تطالبني عائلتي بإنهاء الخطوبة، ولكنني لا أنتوي الزواج بغيره".

لا تدري سلمى متى يمكنها أن ترى خطيبها مرة ثانية، وينتابها الخوف الشديد من انهيار خطوبتها ومشروعها للزواج منه. فقد أصبح التنقل ما بين المنطقتين شبه مستحيلاً. كانت تخطط للانتقال إلى إدلب بعد عرضه للزواج، من خلال قلعة المضيق، والعبور شمال شرق مدينة حماة، ولكن أهلها حذّروها من تَعَرُّض النِساء للاغتصاب عند نقاط التفتيش.

أصبحت نقاط التفتيش تلك، تُمَثِّل خطراً على النساء عبر سوريا، واللاتي يتعرضن فيها إلى التحرش الجنسي، والابتزاز، أو حتى الاعتقال، في بعض الحالات.

وطبقاً للتقرير الذي أصدرته الرابطة الدولية للمرأة من أجل السلام والحرية، ففي حادثة بعينها، وقعت عند واحدة من نقاط التفتيش التابعة للحكومة في مدينة درعا، اعتقلوا النساء، وقايضوا الفصائل المسلحة لتسليم هؤلاء النِساء في مُقابل الأسلحة.


ابتزاز


ولا يُعَد الخطر الجسدي هو العائق الوحيد الذي ينتظر النساء عند نقاط التفتيش. فقد دفع البعض مبالغاً كبيرة من المال، وصلت إلى مليون ليرة سورية (ما يقرب من 4,600 دولار)، للوصول إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

أما عن مروة، التي تبلغ من العمر 25 عاماً، وتأتي من مدينة حمص، فاستمرت في رحلة طويلة لعبور ثلاث مدن سورية من أجل الوصول إلى الرجل الذي تحبه.

فسافرت إلى الشمال مع والدتها ووالدة زوجها من مدينة حمص إلى مدينة حماة، ومنها إلى مقصدها الأخير، مدينة إدلب. وتعرضوا للتحرش والمضايقات من ضباط النظام، الذين أخذوا الخاتم الذهبي الذي كانت ترتديه مروة، مُقابِل السماح لهن بالعبور، كما قالت والدتها.

وأضافت والدتها ذات الـ45 عاماً "لم نَكُن نمتلك أي خيار آخر. عرضنا عليهم دفع 25,000 ليرة سورية [115 دولاراً]. فقد كان هذا هو كُل المال الذي نمتلكه، ولكنهم أخبرونا أنه لا يكفي، ولِذاـ عرضت مروة عليهم خاتمها الذهبي الذي أهديته إليها".

وبعد عملية التبادل، تَمَكَّن الثلاثي من عبور منطقة التفتيش ووصلوا إلى إدلب، انتظاراً لزوج مروة، الذي من المفترض أن يقابلهم ويقلّهم إلى بيته، للبدء في حفلة الزواج.

قالت والدة مروة "أفهم جيداً ماذا يعني للفتاة أن يأتي اليوم الذي تتزوج فيه الرجل الذي تحبه. فعندما نكون مع أَحِبّتنا، نستطيع مواجهة جميع الصِعاب التي تقابلنا ونَتَغلَّب عليها".


رجال يتعرضون للاغتصاب


أما عن الحل البديل الذي ينتظر الأطراف المُشارِكة في تلك العلاقات، فهو ليس خياراً أفضل بكثير. إذ إن الرجال المؤيدين للمُعارضة السورية، والذين يقررون البقاء في مسقط رأس خطيباتهم وزوجاتهم التابع للحكومة السورية، يتعرّضون في مُقابِل ذلك إلى أشد المُضايقات والعقوبات على اختيارهم هذا.

وبالنسبة للنساء المقيمات في تلك المناطق، فإن زواجهم من الرجال النازحين إلى الأراض التي تسيطر عليها الحكومة، ليس خياراً قابلاً للتطبيق. ووفقاً لما قالته سلام، المرأة ذات الـ25 عاماً من منطقة جبلة السورية، وهي مدينة ساحلية تابعة لمدينة اللاذقية التي تسيطر عليها الحكومة، فإن السبب وراء ذلك هو أن هؤلاء الرِجال يتعرضون للابتزاز والاغتصاب بصورة يومية.

في عام 2015، كانت سلام تتجوّل مع خطيبها عبر إحدى ممرات المدينة، عندما أوقفهم بعض ضباط الأمن التابعين للحكومة. وتعرضت سلام "للتحرش اللفظي" من قِبَل الضباط، وخطيبها، والذي كان من النازحين القادمين من المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، كان عاجزاً عن الدفاع عنها.

فالضباط التابعون للحكومة كان بإمكانهم أن يعاملوه بعنف إن حاول ذلك، ويرسلوه إلى السجن، أو يعتقلونه بسبب التهرُّب من التجنيد الإلزامي في سوريا.

وقالت سلام "هناك خطورة في محاولة مواجهتهم. ولكن تلك الحادثة تركت فيه تأثيراً بالغاً. فقد شعر بالعجز التام، وأنه لن يتمكن من الاستمرار في علاقتنا لأنه لا يستطيع حمايتي".

لا توجد أرقام دقيقة لعدد الرجال الذين تركوا المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، أو الذين هربوا من سوريا تماماً، ولكن من ناحية أخرى، لا يوجد لدينا عجز في كم الأسباب التي توضح السبب وراء عدم ظهور الرجال في المشهد عندما ننظر إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة. وذلك لأنه بجانب التمييز الذي يتعاملون معه بشكل يومي، فقد بدأ الرجال في ترك الجماعات التي ينتمون إليها منذ أن بدأت الحكومة في اتخاذ إجراءات جديدة لفرض التجنيد الإلزامي، ومنع جميع الذكور الذين ولدوا بين عامي 1985 و1991 من مغادرة البلاد.


المطلوبون للتجنيد


وطبقاً لموقع زمان الوصل، وهو موقع إخباري سوري مُستقل، فإن عدد الرجال المطلوبين للتجنيد في اللاذقية، وصل إلى حوالي 17,000 رجل.

وبعد الحادثة التي تعرضت لها سلام وخطيبها على أحد ممرات المدينة في سوريا، هرب خطيبها إلى بلدة تسيطر عليها المُعارضة، والتي رفضت سلام ذِكر اسمها لأسباب تتعلق بسلامته.

وقالت سلام "لا يزال مُصِراً على الزواج بي، ولكن أولاً، يجب علينا إيجاد طريقة آمنة لكي أنتقل إلى هناك".


أصعب بكثير


الأمر ليس مستحيلاً بالنسبة لسلام، وذلك لأن خطيبها انتقل إلى مدينة أخرى في الداخل السوري، ولكن الأمر يختلف كثيراً مع بعض النساء الأُخريات، لأن الرحلة التي تنتظرهم ليخوضونها من أجل اجتماعهم مع الرجال الذين يحبونهم، أصعب بكثير.

فعلى الرغم من أن رنيم لم تستطع رؤية خطيبها بعد محاولته الفاشلة للتقدم للزواج منها، فهي تعلم الآن أنه في تركيا. وقد قام بالفعل بعرض أمر انتقالهما سوياً إلى تركيا إن تزوجا على أهلها، وذلك من أجل استرضائهم وتهدئة خوفهم من انتقالها إلى إدلب. ولكن بعد عام كامل، ومجموعة من المُحاولات الفاشلة لعبور الحدود، وصلت رنيم حديثاً إلى دولة مُجاوِرة، وتعيش الآن مع أخيها، والذي ترك سوريا لتفادي الصِدام مع النظام السوري.

وتمضي رنيم أيامها في محاولة التواصل مع أصدقاء حبيبها، أملاً في تحديد مكانه والتَمَكُّن من الوصول إليه. وتقول أنها واثقة من أنه لا يزال في انتظارها، وأنه لم يتزوج بعد.

وقالت: "أتمنى أن أجده يوماً ما. وإن حدث ذلك، فلن يستطيع حينها أن يمنعنا أحد من الزواج".

- هذا الموضوع مترجم عن النسخة الأميركية لـ"هافينغتون بوست". للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.