هل ردّت إسطنبول الجميل لأردوغان وأنقذته من الانقلاب؟

تم النشر: تم التحديث:
TURKISH CHIEF OF STAFF
social media

عندما قطع الجيش حركة المرور في إسطنبول ليلة الجمعة الماضية عن طريق إغلاق جسرين في المدينة في اللحظات الأولى للانقلاب، أمرت البلدية عبارات النقل بالعمل دون توقف، كما قطعت الشاحنات الطرق القريبة من ثكنات الجيش، في حين نقلت الحافلات والمترو الركاب مجاناً، وساعد المسئولون المحليون وخطباء المساجد في حشد مؤيدي الحكومة إلى الشوارع.

ومع ظهور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للعامة، عقب ساعات دارت فيها الشكوك التي تشير إلى أنه قد اعتقل على يد المدبرين للانقلاب على حكومته في أحد الفنادق، ليتوجه بعد ذلك –ليس للعاصمة أنقرة- ولكن إلى إسطنبول، وهناك حيث مكث في تلك الأيام وحتى الآن بحسب تقرير لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية.

ربما تكون أنقرة هي مقر الحكومة التركية، إلا أن سطوة أردوغان هي في إسطنبول، تلك المدينة التي شغل منصب عمدتها سابقاً، والتي لعبت دوراً حاسماً في إحباط الانقلاب.

وفي أعقاب محاولة الانقلاب الفاشلة، احتفل أنصار الرئيس التركي في الشوارع، والمساجد، والميادين العامة في إسطنبول، وفيها عزّز أردوغان قبضته على الحكم.

تمثل المدينتان حالة الانقسام التركية العميقة من عدة جوانب، فبينما تملك إسطنبول قلوب الإسلاميين وتعد المدينة التي تريد تركيا عرضها للعالم، تظل أنقرة مكاناً خاصاً بالنسبة للعلمانيين في تركيا.

يقول يوسف موفتو أوغلو، والذي شغل منصب مستشار الرئيس السابق عبد الله غل، وعمل لفترة قصيرة مع أردوغان "إسطنبول تتحوّل إلى ما يشبه العاصمة الثانية للبلاد، كما أنها كانت فعالة للغاية في منع الانقلاب".

كان مسرح دراما محاولة الانقلاب الأخيرة في مدينتين، بالإضافة إلى استخدام الجو فوقهما (الطيران). الأولى هي إسطنبول، تلك المدينة الكبيرة مترامية الأطراف التي ترمز لماضي البلاد كمقر للإمبراطورية الإسلامية، والثانية هي أنقرة، العاصمة الفعلية لتركيا والتي كانت مقراً لمؤسس العلمانية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك.


إسطنبول كانت حاسمة


شهدت أنقرة الكثير من أعمال العنف، حيث قامت عدة فصائل مختلفة من الجيش بالاشتباك لبسط السيطرة على مباني الحكومة، إلا أن الأوضاع في إسطنبول كانت حاسمة ضد الانقلاب، وفيها القنوات الخاصة التي بثت التغطية المضادة للانقلاب وأعطت فرصة الحديث للقيادات المنتخبة ومن بينهم أردوغان.

وخلال فترة وجوده في الحكم، قضى أردوغان وقتاً أكبر في إسطنبول مما قضاه سابقوه في الرئاسة، كما كان شاهداً على تأسيس أكبر المساجد التركية في المدينة.

ساهم أردوغان أيضاً في إعادة تأسيس جهاز الشرطة، والذي يقع مقره الرئيسي في إسطنبول.

ومن زيادة قوة الموالين له وتطهير المشتبه في عدائهم له، تمكن أردوغان من خلق قوة موازية للجيش ذي التاريخ الطويل في الانقلابات العسكرية على الحكومات المدنية.

كانت قوات الشرطة الخاصة أهم من دافع عن الحكومة خلال محاولة الانقلاب تلك، إذ واجهوا الفصائل العسكرية المنشقة من الجيش.


إسطنبول تزدهر


وقبل أيام من محاولة الانقلاب، كان من الممكن استشعار الكآبة بوضوح عندما تسير في أرجاء المدينة ذات المواصفات الفريدة، من التلال السبعة، إلى وقوعها في قارتين، وصولاً إلى كونها عاصمة لثلاث إمبراطوريات سابقة.

ربما يكون الحزن مرادفاً تاريخياً لتلك المدينة في السنوات التي تلت سقوط الإمبراطورية العثمانية، إلا أنه عاد مؤخراً، بعد أن انتهت سنوات الحلم التي شهدت قوة متزايدة لتركيا على الصعيد العالمي، لتتحول إلى قلق من خطر الإرهاب والصراعات الداخلية.

وبعد إسقاط محاولة الانقلاب بشكل قاطع، تدفق مؤيدو أردوغان إلى شوارع وميادين إسطنبول للاحتفال، ليعود الشعور بالقوة إلى الشوارع مجدداً، إلا أن حالة السعادة تلك تغطي خلفها حالة القلق العميق التي تلف المدينة.

في إسطنبول، حيث تتزاحم المساجد والكنائس القديمة مع ناطحات السحاب الشاهقة ومراكز التسوق التي تشكل أفق المدينة، أعادت حكومة أردوغان الإسلامية تشكيل المدينة، ليخلق صورة متلألئة لها يهددها عدم الاستقرار الحالي.

تبنت الحكومة ماضي تركيا العثماني والإسلامي كفترة تاريخية أسطورية وأعادت تخطيط إسطنبول لتصبح العاصمة الحقيقية لتركيا، إذ استثمرت الحكومة بقوة في مشاريع الأشغال العامة، ومراكز التسوق الجديدة والمباني الإدارية، في الوقت الذي اتخذت فيه أنقرة خطوة للخلف.

يقول كايا جينك، الروائي والكاتب التركي "أعتقد أن المدينة قُدِمت بتلك الصورة المثالية بدون مشاكلها. ربما كانت كذبة، ولكننا نفتقد عودة إسطنبول الحقيقية".

يقصد جينك بذلك أن يفتقد إسطنبول الحقيقية والتي ارتبطت حديثاً بالماضي غير المستقر من الانقلابات العسكرية، والعنف السياسي، والأزمة الاقتصادية.


أرض للعجائب الحضارية


في السنوات الأخيرة، بنت الحكومة صورة ذهنية عن إسطنبول باعتبارها أرضاً للعجائب الحضرية ذات التاريخ المبهر، والهندسة المعمارية والمطبخ العظيمين، والسياحة المزدهرة.

ويضيف جينك أنه آمن بتلك الرؤية كغيره من الليبراليين والمثقفين، ويقول "أُعِيد استحداث الماضي، وتجميعه من جديد كتاريخ عظيم متعدد الثقافات حيث لم يكن هناك مكان للصراع".

حتى قبل محاولة الانقلاب العسكري الأخيرة، كانت تلك الصورة الوردية يشوبها امتداد الحرب الأهلية في سوريا، من إرهاب وتدفق للاجئين، إذ انتقل مئات الآلاف منهم إلى إسطنبول وحدها، وهو ما يضع المدينة على حافة الهاوية.

يقول كاراجا بورار، أحد أصحاب محلات الأنتيكات بأحد شوارع الجانب الأوروبي من إسطنبول، وتحديداً بالقرب من متحف البراءة الذي يملكه الروائي والكاتب التركي أورهان باموك "كل شيء يجري تعريبه في المدينة".

وبسؤاله عن الحالة العامة في المدينة، والتي شهدت عدة هجمات إرهابية مدمرة على يد تنظيم "الدولة الإسلامية"(داعش) قبل محاولة الانقلاب، يجيب بورار قائلاً "الحالة مريعة. نحن لسنا سعداء. أنا لا أشعر بالراحة". وواصل حديثه قائلاً "لقد كنا الدولة العلمانية المحترمة الوحيدة وسط منطقة سيئة".

ومع تعدد التهديدات، يتم فحص من يسيرون في الشوارع بدقة، ما يرتدونه وما يحملونه، فقد تكون حقيبة الظهر قنبلة في الحقيقة، في حين أن سترة أو معطفاً في وقت الصيف قد تعني أنها تخفي حزاماً ناسفاً.

في الوقت الحاضر، يبدو أن كل صراعات تركيا القديمة –أبرزها الفجوة بين الإسلاميين والعلمانيين- وصراعات متعددة جديدة، ستصعد إلى السطح.

الحدث الأكثر درامية كان تلك الليلة التي شهدت حالة عدم يقين مع تحليق الطائرات المقاتلة في السماء، وسماع دوي إطلاق النار في أنحاء المدينة، وحشود المحتجين الرافضين لنزول الجيش للمدينة.

ولكن قبل ذلك، كانت الصدمات النفسية واضحة بشدة في إسطنبول، في المحادثات المريرة حول السياسة، وفي قرارات الانتقال المؤلمة لخارج المدينة، أو في التظاهرات السريعة التي تحبطها الشرطة.


الأوضاع تحسّنت


في ظهيرة أحد الأيام مؤخراً، قال علي أردوغان، وهو رجل عسكري متقاعد في نهاية الستينات من عمره (لا تجمعه أي علاقة بالرئيس)، بينما كان يجلس على مقعد بمتنزه جيزي والذي زُرِعت فيه أشجار جديدة، وازدهرت الأزهار الوردية، أن حياته تحسنت منذ وصول أردوغان للحكم منذ أكثر من عشر سنوات.

أخرج بطاقة المتقاعدين الخاصة به والتي يستخدمها لركوب المترو في إسطنبول مجاناً، والتي استحدِثت في السنوات الأخيرة بالتزامن مع تحديث نظام الرعاية الصحية في تركيا. يقول "كل شيء جديد وبراق"، وأضاف أن الأهم بالنسبة له أنه يمكنه التعبير عن رأيه الديني بحرية، وهو ما لم يكن ممكناً عندما حكمت النخب العلمانية البلاد على مدار عقود.

وقال الرجل أنه عندما كان في الجيش –راعي العلمانية- كان عليه أن يخفي تدينه، إذ يقول "كان علي أن أكذب حول كوني أصلّي 5 مرات في اليوم. كان علي إيجاد ركن سري للصلاة".

تعد منطقة الفاتح أكثر المناطق المحافظة في إسطنبول، وتقع على امتداد خليج القرن الذهبي الواقع في الجزء الأوروبي من إسطنبول. هناك، تحدث الرئيس التركي أثناء تشييع جنازة يوم الأحد الماضي بينما احتشد أنصاره في ساحات المدينة.

ومع ذلك، يبدو أن المنطقة مازالت بعيدة عن أن تصبح متجانسة. في أحد أحياء منطقة الفاتح، وهو حي بلاط، وهو حي يتميز بشوارعه الضيقة وبمحلات التحف، تتزايد حدة التوتر التي تظهر التنوع الاجتماعي.

يقول حكمت باردوك (63 عاماً)، وهو من المقيمين في الحي لسنوات طويلة "دائماً ما كانت إسطنبول تبدو كقرية. أنا لم أعد أعرفها حالياً. يعيش الكثير من الفقراء هنا، في حين يبحث الأغنياء عن مكان لإيقاف سيارة من طراز فيراري".

يقول باردوك أنه توقف عن شرب الخمر عام 1994 عندما بدأ يتجه للدين، ووجه اللوم للعلمانيين الأتراك في حالة الاستقطاب التي تمر بها البلاد لأنهم "متعجرفون وغير محترمين" على حد وصفه، ومع انتقالهم إلى الحي الذي يعيش فيه، يخشى باردوك من أن تتحول المنطقة إلى ما يشبه أمستردام في غضون خمس أو عشر سنوات.

يفكر الكاتب والروائي التركي كايا جينك في تأليف كتاب جديد عما يسميه "إسطنبول الجديدة"، والذي يؤرخ لصورة إسطنبول الجديدة بما فيها من اختلاف مثل تحولها للصناعة، وظهور أحياء جديدة بنيت على حدود المدينة في عهد أردوغان.


إسطنبول تدعم أردوغان


حظي أردوغان سابقاً بدعم الكثير من المفكرين والنخب في إسطنبول، إلا أن بعضهم يصفه حالياً بالديكتاتور، على الرغم من معارضتهم للانقلاب. كان هؤلاء يؤمنون بأن بإمكان أردوغان أن يشفي انقسامات البلاد، مستمدين ذلك من حالة التفاؤل التي عمت إسطنبول.

حالياً، وبعد محاولة الانقلاب الأخيرة، يسأل هؤلاء ما إذا كان سيصبح أردوغان مستبداً؟ أم أنه سيغتنم الوقت لرأب الصدع الذي أصاب شرائح المجتمع الساخطة.

سيتضح ذلك خلال الأيام والأسابيع المقبلة. أما الآن، سيحاول الأتراك فهم محادثة في نهاية الأسبوع الماضي.

في الصباح التالي لمحاولة الانقلاب، استيقظ جينك مبكراً، وذهب في مشية على جسر البوسفور، ليصف ذلك في مقاله لصحيفة نيويورك تايمز قائلاً "الممر المائي في الخلفية. تلقي الشمس الحارقة أشعتها على جسرين يفصلان بين قارتين، هناك حيث أطلقت الدبابات نيرانها قبل ساعات قليلة".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة New York Times الأمريكية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.