الانقلابات على الأنظمة الديمقراطية تعقب عادة ازدهاراً اقتصادياً.. لكن ماذا عن فشلها كما حصل بتركيا؟

تم النشر: تم التحديث:
EMRAH GUREL
ASSOCIATED PRESS

مع بداية استقرار الأوضاع في أعقاب حالة الفوضى التي سادت تركيا، طرح المستثمرون العديد من الأسئلة حول تأثير ذلك الانقلاب الفاشل على مستقبل البلاد من الناحية الاقتصادية.

يصعب علينا الآن التكهن بما سيحدث في المستقبل وذلك لكثرة العناصر المتضاربة في المشهد التركي الحالي بحسب ما أظهرته التقارير الإخبارية.

ومع ذلك، في إمكاننا العودة للوقائع التاريخية التي تشير إلى عدم حدوث انخفاض يُذكر لمعدلات النمو الاقتصادي في البلدان التي تتعرض فيها الحكومات المنتخبة ديمقراطياً لمحاولات انقلابية فاشلة.

في العام الحالي، قدم لنا إريك مرسين، عالم الاقتصاد والأستاذ المساعد بمعهد ستوكهولم للاقتصادات الانتقالية، النظرة الأكثر شمولاً فيما يتعلق بالسؤال الذي طرحه المستثمرون، وذلك من خلال ورقة العمل المعنونة بـ"رجل سياسي على صهوة الانقلابات والتنمية" إذ يفسح لنا مرسين المجال من خلال البيانات التي أوردها في تلك الورقة إلقاء نظرة فاحصة على الانقلابات التي تحدث ضد الأنظمة الاستبدادية في مقابل تلك التي تحدث ضد الأنظمة الديمقراطية، وعلى الانقلابات الناجحة في مقابل تلك الفاشلة خلال الفترة من عام 1955 إلى عام 2001.

وعادة ما تؤدى الانقلابات الناجحة، فى الأنظمة الاستبدادية، إلى تحسن فى الأداء الاقتصادي ربما عن طريق استبدال زعيم غير كفء. أما فى البلدان الديمقراطية، فإن الانقلاب الناجح يرتبط بانخفاض معدلات النمو للفرد بمعدلات تتراوح بين 1% إلى 1.3% سنوياً خلال 10 سنوات، فى المتوسط تكون هذه الانقلابات على النقيض مع الاصلاحات الاقتصادية المفيدة وخصوصاً فيما يتعلق بالقطاع المالي.

عندما يقوم الانقلاب بالإطاحة بحكومة مُنتخبة ديمقراطياً، فإنه يميل إلى إحضار قائد عسكري وإحداث تغييرات كبيرة في السياسات وعادة لا تكون هذه السياسات نحو الأفضل. وتوجد ارتباطات طويلة المدى بين الانقلابات الناجحة ضد الديمقراطيات ويصاحبها انخفاض في الاستثمار وانخفاض في التعليم وارتفاع في معدلات الوفيات.

فشل الانقلاب الأخير في تركيا في أقل من 24 ساعة. وبالنسبة إلى الانقلابات الفاشلة في الدول الديمقراطية فإن النتائج التاريخية عادة ما تكون مختلفة تماماً، في الواقع يكون من الصعب التعرّف ما إذا كان النمو الاقتصادى تأثر أم لا؟

وبالنظر إلى غموض الإحصائيات، فإن هذا لا يُثبت أن الانقلابات الفاشلة ليس لها آثار على النمو، ولكن يمكن القول إن الأرقام لا تقدم لنا سبباً واضحاً للقلق، على الأقل خلال السنوات العشر القادمة وفقاً لـ"مرسين". ربما يكون هذا أحد الأسباب التي تجعل أسواق الأصول المالية غير خائفة من محاولة الانقلاب الفاشلة فى تركيا.

ومن المؤكد أن هناك بعض الآثار المحتملة أو الممكنة لهذه الاضطرابات الأخيرة على المدى القصير مثل الانخفاض فى السياحة أو الاستثمار الأجنبي. ومع ذلك فإن البيانات تُظهر أن الأساسيات -طويلة الأمد- للديمقراطيات التى تتعرض لانقلابات فاشلة تميل إلى إعادة فرض نفسها خلال 10 سنوات وأن هذه الاضطرابات قصيرة المدى ينتهى بها المطاف أسرع مما كنا نعتقد.

إن الانقلابات في الدول الديمقراطية والانقلابات في الأنظمة الاستبدادية لها عواقب مختلفة، فالانقلاب -في الأنظمة الاستبدادية- في بعض الأحيان يكون وسيلة طبيعية أو مقبولة لتغيير السلطة من شخص إلى أخر، ولكن عندما ينجح الانقلاب في دول ديمقراطية فإن ذلك يُعد إشارة إلى أن المؤسسات الطبيعية المنوط بها نقل السلطة مُصابة بالخلل وأن الانقلاب إشارة على عدم إمكانية إصلاح تلك المؤسسات ببساطة، وبالتالي فإن الانقلاب في الديمقراطيات يعتبر حدثاً أكثر أهمية على الأقل بالنسبة للنمو الاقتصادي ولذلك فمن الأهمية بمكان أن مثل هذه المحاولة فشلت.

عندما يفشل انقلاب في دولة ديمقراطية، فإن هذا يعتبر دلالة على وجود إشارتين متضاربتين، الإشارة السلبية هي أن حدوث مثل هذا الانقلاب كان ممكناً، أما الإشارة الإيجابية -تتعلق بالاستقرار- هي أن الحكومة الديمقراطية كانت قادرة على رد الصفعة للانقلابيين كما حدث في تركيا.

إحدى الخرافات التي تُثار حول الانقلابات هي أنها تحدث في أعقاب فترات طويلة من التدهور الاقتصادي، وهذا يبدو صحيحاً في حالة الانقلابات التى تحدث ضد الأنظمة الاستبدادية وليس في الأنظمة الديمقراطية.

على النقيض من ذلك فإن الانقلابات في الأنظمة الديمقراطية تحدث في أعقاب فترة طويلة من الازدهار الاقتصادي، وأحياناً مع حدوث أزمة في نهاية مرحلة مزدهرة وكان هذا هو الحال فى انقلاب تشيلي عام 1973 والانقلاب التركي في عام 1980، ومؤخراً -وبأداء مزرٍ- اقتربت تركيا بالكاد من معدلات نمو تصل إلى 4%.

التأثيرات الاقتصادية لا تعبر دائماً عن مُجمل الآثار الاجتماعية والسياسية الناجمة عن الانقلابات بما في ذلك على سبيل المثال الدين والعِرق والنظام القانوني والمكانة الدولية، وذلك ضمن متغيرات أخرى كثيرة. وعلاوةً على ذلك، ما كان يُنظر إليه باعتباره أمراً إيجابياً في حالات حدوث الانقلابات ليس بالضرورة إيجابياً في الحالة التركية اليوم، ومع ذلك إذا أردنا البحث عن سبب للشعور بالقليل من الاطمئنان فإن دراسة "مرسين" قادرة على إعطائنا بعض الراحة في وقت تسود فيه الاضطرابات في كل من تركيا والمنطقة بشكل عام.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Bloomberg. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.