كيف تغير ديانتك في 60 دقيقة؟ قسيسة ترحب باللاجئين المسلمين في كنيسة بريطانية ورعاياها ينفرون

تم النشر: تم التحديث:
1
theguardian

كشف تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، أن أعداداً متزايدة من اللاجئين المسلمين يدخلون إلى الديانة المسيحية لأسباب مختلفة، بينها تغيير العقيدة أو طمعاً في الحصول على اللجوء أو بهدف الصدقة والإحسان.

وتساءلت الصحيفة ما إذا كان ممكناً للمرء أن يغير دينه في 60 دقيقة، وهو السؤال الذي حاولت الكاهنة التي تستقبل اللاجئين من إيران وسوريا وبنغلاديش ودول أخرى، أن تجيب عليه في التقرير التالي.

وإليكم نص التقرير..

جماعة المصلين بكنيسة سانت مارك في مدينة ستوك أون ترينت البريطانية يذرفون الدموع. الجدران القديمة تضخم صوت ترانيم شكر الرب المسيحية التقليدية، حيث توشك احتفالية المعمودية على الانتهاء. وبالرغم من أن أجواء الصلوات تبدو قوية ومشحونة بالعاطفة، إلا أن الدموع تنهمر لسبب آخر.

هذا الصوت للمسلم الإيراني أمير ناوجافني الذي ينشد باللغة الفارسية، وهو واحد من 16 من طالبي لجوء سيتحولون إلى المسيحية مساء السبت القادم، حسب تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية.

فأصحاب البشرة البيضاء الذين اعتادوا أن يحضروا هذا الحشد في هذه الكنيسة الصغيرة بمنطقة ستوك، بات يتخللهم مزيج من الإيرانيين والسوريين والعراقيين والبنغلاديشيين الذين يسعون وراء "النجاة" -على حد تعبير الغارديان- باعتناق ديانة أخرى أو يسعون ببساطة وراء الصدقة والإحسان.


مركز للاجئين


2

ترأست الكاهنة سالي سميث على مدار ثلاث سنوات هذا التحول الكلي لكنيسة سانت مارك من كنيسة للطبقة المتوسطة إلى شيء أشبه ما يكون بمركز للتعامل مع اللاجئين.

إنها ليست قضية مستقلة، فقصة سميث تمثل عالماً مصغراً لما يحدث في كنائس أوروبا حيث تتحول أعداد كبيرة نسبياً من اللاجئين إلى المسيحية.

ويتقبل بعض أعضاء الطائفة المحلية الأمر. ومع ذلك، فقد رحل الكثيرون، حيث يذكرون أنهم يشعرون بالغربة بسبب مئات المسيحيين الجدد ولا يشعرون بالارتياح جراء تعدد الثقافات وينزعون إلى الشك في ما يرونه من أناس يستغلون الكاهنة سالي سميث.

وفي بعض الحالات، تقوم سميث بإسكان طالبي اللجوء وإطعامهم وكسوتهم وشراء أحذية جديدة لأطفالهم وتوفير احتياجاتهم الطبية. وقد أدى ذلك اللطف في المعاملة إلى تحول الكثيرين إلى المسيحية – بمعدل ثلاثة إلى أربعة أشخاص أسبوعياً. ويعلن البعض ذلك سراً، بينما يغير آخرون دينهم "عرفاناً بالجميل". وهناك من يبحث عن الراحة الروحانية بعد التعرض للشدائد.

وتذكر سميث "يتمثل التحدي الأكبر في وجهة نظر البعض داخل الكنيسة. واجهتُ الكثير من المعارضة والنقد والآراء السلبية ومحاولة تقويض ما نصنعه، خاصةً من طرف الطائفة البريطانية البيضاء".

"فقدت الكثير من أعضاء الطائفة المصلين بسبب ما حدث بالكنيسة. فهم لا يريدون إزعاجاً ولا أن يتم العبث بالكنيسة. ويرون أن للكنيسة دوراً واحداً محدداً لا يتضمن فتح الباب واسعاً أمام اللاجئين".

وتضيف "يتوقعون أن يتمثل دور القس في رعاية من بداخل الكنيسة وكانت إحدى الإهانات الموجهة لي تقول: إنها تهتم بصورة أكبر بمن هم خارج الكنيسة، هذا هو ما قصدت أن أفعله ويتعين عليهم مساعدتي. لا بد أن نتعاون في هذا الأمر".


ليست ساذجة


تعترف سالي -المعروفة بين اللاجئين في كنيستها باسم الأم سالي- أن البعض قد اعتنق المسيحية لمجرد أنهم يعتقدون أن ذلك سوف يساعدهم في طلب اللجوء. ويذكر آخرون أن المساجد أغلقت أبوابها في وجوههم في وقت الحاجة، مما جعلهم يتضورون جوعاً.

ويتم استقبال اللاجئين بكنيسة سانت مارك بالترحيب، والمبنى مليءٌ بالهبات والمنح المقدمة لتأسيس منازل جديدة ويتم تسليم عبوات الطعام مرتين أسبوعياً.
كما يتم منح اللاجئين تذاكر حافلات عند اللزوم وتصحبهم سميث أحياناً إلى منزلها إذا كانوا بدون مأوى.

وتذكر سميث "الأمر يتعلق بالمملكة المتحدة حيث لا يوجد مسؤولون عن الحدود ولا يوجد جوازات سفر ولا يوجد مراكز لتسكين المهاجرين. يجب أن نكون أسرة عالمية واحدة لا يوجد بينها أي حواجز".

ويجد اللاجئون الذين يقومون برحلات خطرة عبر العديد من القارات أنفسهم مهملين وسط مدينة ستوك. وسرعان ما يجدون أنفسهم أمام سميث. وبمجرد وصولهم، يتلقون الرعاية الصحية والطعام والمأوى والملابس كما يتعلمون الإنجليزية. فما توفره سميث وكنيسة سانت مارك ليس مجرد سبل معيشة وبقاء، بل حياة عائلية.


استبدل دينك في 60 دقيقة


ومع ذلك، هل يمكنك استبدال معتقدات دينية بأخرى خلال ستين دقيقة في عطلة نهاية أسبوع بمدينة ستوك؟ ترى سميث أنه في أجواء العولمة المتزايدة تذوب الفوارق بين المذاهب المختلفة، حسب قولها.

وتضيف سميث "من خلال الانتقال عبر العالم، يصلنا أناس من ديانات أخرى إلى مجتمع علماني. والدين يكون هاماً للغاية بالنسبة لهم. ولا يهمهم كثيراً كيفية التعبير عن تلك الديانة وممارستها" حسب قولها.

وتتابع "في عقلياتنا العلمانية لدينا حواجز كبيرة أمام الأديان المختلفة، لكن ما اكتشفته هو أنهم [اللاجئون] لا يقفون عند حدود تلك الحواجز، بل كل ما يريدونه هو أن يأتوا إلى دار عبادة أياً كانت، لا إشكال عندهم في ذلك بعكس ما توقعناه منهم. مساعدتنا التي نقدمها لهم لا علاقة لها أبداً بتحولهم، فأهم شيء عندي هو أن يتمكن الناس من الصلاة في كنيستنا مهما كان دينهم".

عصر يوم السبت القادم سيتم تعميد 15 طالباً للجوء تعميداً جماعياً، حيث سيقف الرجال البالغون مع ولدين مراهقين وأم مع طفليها في صبر ريثما يحين دورهم للوصول إلى حوض التعميد وسكب الماء المقدس على رؤوسهم. جميعهم في مراحل مختلفة من عملية تقديم اللجوء التي ستبقيهم في بريطانيا.


فقد جنينه


عباس مسيح من إيران يقف مرتدياً قميصاً مقلماً فيما يتدلى صليب معدني ضخم من رقبته. يغلق مسيح عينيه فيما ترسم سميث إشارة الصليب بزيت المتنصّرين المعتنقين للمسيحية فوق رأسه.

مضى على مسيح ابن طهران 6 أشهر في بريطانيا ويزعم أنه منذ سنوات يريد اعتناق المسيحية وأنه ما كان مسلماً في السابق سوى لأنه وُلد مسلماً.

ويروي أنه كان يعقد في بيته جلسات سرية لدراسة الكتاب المقدس وأن زوجته الحامل تعرضت للضرب وفقدان الجنين بعدما علمت السلطات الإيرانية بأمر ميوله المسيحية.

يستعين مسيح بمترجم من الفارسية إلى الإنكليزية عندما يتحدث بحماسة عن معتقده الديني، فقد نبذته عائلته وقطعت صلتها به بسبب اعتناقه المسيحية، والآن يعيش مسيح البالغ من العمر 27 عاماً في سكنٍ وفرته له الكنيسة.

يقول إن الكنيسة "احتضنتني بقلب مفتوح. الأمر ليس مجرد المساعدة المادية بل المساعدة المعنوية التي تلقيتها أيضاً والتي أشعرتني بالاتصال بيسوع. أشعر بالسلام وأنا في كنف المسيحية،" بحسب ما قالته الغارديان.

يوافق مسيح الرأي القائل بأن البعض قد يغيرون دينهم في محاولة لمساعدة ملف لجوئهم وتيسيره، لكنه يزعم أن حالته ليست كذلك ويقول "البعض ممن جاءوا إلى هذه الكنيسة كانوا قد حصلوا على الجنسية. ليس كل من يأتي إلى هنا سببه تيسير اللجوء، بل من أجل السلام والحب".

أما نازيار موراجابي (25 عاماً) وهو إيراني آخر غادر بلاده لأسباب سياسية فقد جرى تعميده تواً. لدى وصوله أول الأمر إلى بريطانيا عام 2014 جرى تحويله إلى نُزُلٍ في برمنغهام شأنه شأن طالبي اللجوء. ثم من بعدها نقل إلى مدينة ستوك ليجد نفسه مشرداً بلا مأوى.

لكن سميث آوته ومنحته الطعام، ثم قبل شهرين جرى تعميده. يعبر موراجابي عن خيبة أمله في مساجد بريطانيا خيبةً يوافقه عليها الكثير من اللاجئين الذين يزعمون أن المساجد أقفلت الباب في وجههم ولم تمد لهم يد العون ساعة عسرتهم.

يقول موراجابي "عندما كنت مشرداً ذهبت إلى مسجد وطلبت منهم أن يسمحوا لي بالمكوث ساعتين فقط وأن يمنحوني بعض الطعام، حيث لم يكن لدي مكان آوي إليه، لكن إمام المسجد قال لي إني لا يُسمح لي بالبقاء هناك لأن المسجد ليس للنوم والسكن".


لدى الكنسية مال أكثر


3

هناك أيضاً لاجئ فلسطيني لا يريد نشر اسمه يقول "احتفظت بالأمر سراً لأن بعض الناس قد يرغبون بإيذائي وتهديد حياتي. أنا خائف لأني غيرت ديني ومما قد يقدم البعض على فعله بي إن اكتشفوا ذلك. أما الكنيسة فيساعدونني في كل وقت ودون أن يطلبوا مني شيئاً بالمقابل. لدى الكنيسة مالٌ أكثر. في إحدى المرات ذهبت إلى مسجد في لندن وكنت مشرداً بلا مأوى وكانت السماء تثلج. كنت وقتها قد قضيت 5 أيام في الشارع وطلبت منهم أن يسمحوا لي بالبقاء هناك ساعتين فقط، ولم أطلب منهم شيئاً آخر، فقط مكان أتدفأ فيه. لكنهم ردوني خائباً".

لكن سميث تستميت في الدفاع عن الجهود الإيجابية التي قدمها مسجد منطقتها "مركز التوحيد" الذي تبرع باللحم الحلال لكل رعية الكنيسة عشية عيد ميلاد السيد المسيح (الكريسماس) والذي يستضيف كذلك غداء خيرياً كل يوم أحد.


يحترمونني أكثر من المسيحيين الأصليين


وسميث التي تبلغ من العمر 58 عاماً تبدأ نهارها بجلسة تأمل صباحية عند الساعة الـ5 فجراً، ثم تقضي يومها مشغولة بمشاكل اللاجئين. يرن هاتفها كل حين بين رسائل واتصالات حوالي 50 مرة في اليوم.

هي ابنة لعامل بنّاء ولموظفة حكومية، وقد بدأت مشوارها العملي ممرضة مسجلة ذات إعاقة قبل أن يأتيها شعور وهاتف خفي "يناديها كي تتجه إلى كهنوت الكنيسة"، لتصبح كاهنة بشكل رسمي عام 2009.

تبنت سميث أكبر بنتيها من سريلانكا، وقضت أول 3 سنوات من الكهنوت ضائعة غير مستقرة في مدينة ستون بمقاطعة ستافورد شير وأجواء "الطبقة المتوسطة ذات البشرة البيضاء" قبل أن تنتقل إلى منصبها الكنسي الحالي.

تقول "لطالما تحليت بأفق عالمي وشعرت أني أرغب أن أكون حيث العوز والفاقة".

تستضيف الكنيسة حالياً 12 شخصاً بالغاً ورضيعين. تعترف سميث أن حملتها لمساعدة اللاجئين قد أوقعت كنيستها في ضائقة مالية، لكن الثواب حسب رأيها أكبر من المال.

تتابع سميث قائلة "لعل أكثر نقطة قوة وإيجابية في الموضوع هي أنه يمس القلوب ويحرك المشاعر، وهو ما لا تشعر به من العمل الكهنوتي المعتاد. الناس الذين نساعدهم يحترمون شخصي ومنصبي الكنسي أكثر من الناس الذين كانوا من رعايا الكنيسة أصلاً حين جئت".

وتختم بتلخيص موقفها المسيحي الخاص بها إزاء قضية اللاجئين بالقول "حاجتهم أكبر".

-­هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.