"هنا نيس الحقيقية".. لا مساجد للمسلمين المهمشين و100 جهادي خرجوا منها لسوريا

تم النشر: تم التحديث:
NICE
social

يوجد وجهان لمدينة نيس، الأول هو نيس المنتجع الشهير، حيث أشجار النخيل والمقاهي التي تطل على البحر الأبيض المتوسط، يغمرها نور ساطع برّاق اكتسبته من الفنانين الذين مروا بها عبر القرون.

وتوجد نيس الأخرى، وهي تكشف وجهها حين تتوغل قليلاً داخل المدينة من ناحية شارع Promenade des Anglais، وهو ذلك الشارع المهيب الذي قُتِل فيه 84 شخصاً تحت عجلات شاحنة يبلغ وزنها 19 طناً، كان يقودها مُهاجِر تونسي عمره 31 عاماً.

نيس الثانية هذه مأوى للعديد من المُهاجرين المسلمين القادمين من شمال أفريقيا، بمن في ذلك العلمانيون من الطبقة الوسطى، الذين عاشوا جنباً إلى جنب مع الفرنسيين من غير المسلمين، وهي أيضاً المكان الذي أرسل ما لا يقل عن 100 شاب حسب تقديرات المسؤولين المحليين، للمحاربة إلى جانب المتطرفين في سوريا.


عالمان لا يجتمعان


تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الأحد 17 يوليو/تموز 2016، نقل عن فايزة بن محمد، من منظمة Muslims of the South، المنظمة التي تحارب التطرف، قولها في إشارة إلى الحداد العام السائد، حزناً على المتوفين في هجوم الشاحنة "من النادر جداً أن يختلط هذان العالمان معاً، إلا في لحظات الاحتفالات أو الاتفاقيات، مثل التجمعات التي حدثت يوم السبت 16 يوليو/تموز 2016".

وأضافت فايزة "الضحية الأولى كان مسلماً، وعدد ليس بقليل من الضحايا كانوا من المسلمين أيضاً. وبينما كنت في المتنزه البارحة، أتأمل ما حدث، إذ بأحد الصحفيين يأتي إليّ ليسألني إن كنت هنا من أجل الاعتذار باسم المسلمين. ولكنني قلت له "لا، أنا جئت من أجل القتلى وإظهار الحزن والأسى عليهم، تماماً مثل الجميع".

تُظهر مدينة نيس واقعاً مُتَعَدِّد الطبقات. فسُرعان ما أصبحت المقصد الأشهر للسائحين من بين مدن فرنسا، وهي على بُعد رمية حجر من البحيرات الساحرة التي يقصدها الأغنياء والمشهورون في Cap Ferrat و Monaco.

وتُعَد نيس واحدة من أكبر التجمعات السكانية في فرنسا للسكان لذوي الأصل التونسي. واكتشاف حقيقة أن قائد الشاحنة التي أطاحت بجموع المُحتشدين الذين يحتفلون بيوم الباستيل (Bastille Day)، هو تونسي الأصل يعيش في نيس، تَسَبَّب في تسليط الأضواء على التناقُضات الموجودة في المجتمع.


طبقات المسلمين


المجتمع المسلم ذاته توجد به بعض الطبقات. فهناك قطاع من المتعلمين، المندمجين مع المجتمع الذين يأتون من شمال أفريقيا، ولكن هناك أيضاً قطاع يعيش في الكتل السكنية المنعزلة الموجودة في المناطق النائية للمدينة.
وطبقاً لما أعلنه مكتب الإحصاءات الفرنسية Insee في عام 2013، بلغت نسبة الشباب العاطلين عن العمل في هذه الكتل السكنية ما يقرب من 40%.

وتلك هي الأحياء التي ينشأ فيها الشعور بالاستياء من أثرياء العالم، والتي يعمل عليها المتطرفون المسلمون المحاربون في سوريا من أجل جذب وتوظيف المزيد من المحاربين وتحويلهم إلى متطرفين.

عمر ديابي المنتمي لهؤلاء، وهو من أصل سنغالي مقيم هناك، ومن المرجح أنه يعيش في سوريا الآن، هناك علاقة تربط بينه وبين محمد لحويج بوهلال، الذي قام بمجزرة يوم الباستيل، حسب ما قالته التقارير الإخبارية الفرنسية.


تجنيد الشباب


وقال بعض المسلمين الذين يعرفون أشخاصاً من الدوائر المتطرفة، أن ديابي كان يستهدف الشباب ما بين عُمر 13 إلى 15 عاماً لتجنيدهم من أجل الانضمام إلى القتال الدائر في سوريا، وكان معروفاً باستخدام مقاطع فيديو تحتوي على مشاهد عنف متطرفة، تجعل القتل يبدو وكأنه لعبة لا أكثر.

وأعلنت جريدة Le Monde الفرنسية، وبعض وكالات الأنباء الفرنسية الأخرى، أن السلطات حصلت على سجلات المكالمات الهاتفية لكل من ديابي وبوهلال، والتي توضح أنهم يعرفون نفس الأشخاص، أو على الأقل أجروا بعض الاتصالات معهم.

على مدار أجيال متتابعة، عاش المسلمون وغير المسلمين بجانب بعضهم بعضاً في حالة من السلام النسبي، ولكن بدأ الأمر يتغير مع ظهور الحزب اليميني الفرنسي المتطرف الذي يُسمى "الجبهة الوطنية"، وتقوده مارين لوبان. يحكم نيس اليمين الوسطي، والذي يشمل المؤيدين للنظام الجمهوري، ولكن البعض يقول إن قيادات هذا الحزب يلعبون على سياسات نشر الانقسام بشكل متزايد.

قال سميح عبيد، وهو محامٍ مقيم في نيس منذ فترة طويلة "الفجوة بين المجتمعات تزداد اتساعاً مع الوقت".

عندما يلتقي عبيد بالأشخاص لأول مرة، يقول، إنهم على الأغلب لا يدركون أنه مسلم: فهو يرتدي ملابس غربية ويعمل بشكل أساسي في القانون التجاري. ولكن في اللحظة التي يسمعون فيها اسمه ويدركون أن له أصولاً عربية، يقول عبيد "يمكنني رؤية التغيّر في نظرتهم إليّ. المشكلة هنا تكمُن في وجود تعصُّب طفيف في المعاملة، وأخشى أن يزداد هذا التعصب الآن بعد هذه الأحداث".


لماذا يؤدون الصلاة هنا؟


بعد ما حدث من هياج الخميس 14 يوليو/تموز 2016، قال عبيد إنه سمع بعض الأشخاص في الشوارع يقومون بذم المسلمين المُصَلِّين ناحية الأضرحة الموضوعة بشكل مؤقت للضحايا في متنزه Promenade des Anglais الذي حدثت فيه المجزرة. وقال عبيد "كانوا يقولون "انظروا إليهم كيف يقومون بالصلاة هنا. عار عليهم ما يفعلونه'".

وما يدل على وجود تعصب هناك، هو ما قاله عبيد عن عدم تواجد أي مساجد داخل نيس، لأنه كما قال فإن "مكتب رئيس البلدية ضد بناء المساجد". (ولكن توجد بعض المساجد في المناطق النائية من المدينة).

وأوضح أن الكثير من المسلمين لم يُدلوا بأصواتهم لأنهم ليسوا مواطنين بعد، أو بسبب عدم تنظيمهم سياسياً بشكل جيد، مما يسهّل على الحكومة تجاهُل شؤونهم.


المتطرفون يحكمون



في الانتخابات الاقليمية لعام 2014، فازت الأحزاب اليمينية بنفس عدد أصوات "الجبهة الوطنية" في الجولة الأولى من الانتخابات، ولكن "الجبهة الوطنية" أحكمت السيطرة على نيس بعد فوزها بالمزيد من صناديق الاقتراع في الجولة الثانية.

حاول العميد، فيليب برادال تهدئة المخاوف التي تشعر بها جميع الأطراف. وقال في مُقابلة أن المسلمين في حاجة إلى بذل مجهود أكبر لتوضيح رغبتهم في أن يصبحوا جزءاً من المجتمع الأكبر في نيس، ويحتاج المجتمع أيضاً أن يرى كيف يمكن أن يكون الإسلام مُكَمِّلاً لقيم الجمهورية الفرنسية.

قال برادال، مشيراً إلى النساء اللاتي يرتدين الحجاب، والرجال الذين يرتدون العباءات الإسلامية الطويلة "من المحتمل التعرّض لردود أفعال تنم عن عدم الثقة والرفض عند مواجهة أشخاص يرتدون بكل فخر الملابس التي تدل على انتمائهم للإسلام".

وأضاف قائلاً: "لا بد من إيجاد الطريق الذي يُمَكِّننا من التوفيق ما بين احترام القيم الدينية والقيم الجمهورية.
ويُمْكِننا أن تستنتج مما حدث في يوم 14 يوليو/تموز 2016، أن الشاحنة لم تُفَرِّق بين المسلمين وغير المسلمين. فقد كان هناك ضحايا من الطرفين. الضحايا كانوا من مُختلف الجنسيات وجميع الديانات".


تهميش المسلمين


أما الإمام بو بكر بكري، الذي تحدَّث علناً ضد التطرف، فقد اتفق على أن المواطنين المسلمين عليهم بذل المزيد من الجهد من أجل ردع التمييز ضدهم، ولكنه قال أيضاً إن هناك نكوصاً ملحوظاً إلى الهوية السياسية، حيث يُنظر إلى المسلمين باحتقار.

وقال بكري، الذي يقع مسجده، الفرقان، في L'Ariane، وهو حي موجود في شمال شرق نيس "يجب أن نكوّن كتلة، ونوضّح ذلك جيداً. ويجب أن نمنع من يقومون بحياكة المؤامرات على بُعد ملايين الكيلومترات، من الاستمرار فيها ونشرها وإطلاق القذيفة الناسفة التي تؤثر على مسلمي العالم جميعاً".

وأضاف قائلاً "يجب أن نقوم بذلك الآن. وحتى إن تراجع المُجتمع المسلم قبل ذلك وآثر الصمت، فقد حان الوقت ليبدأ بالحديث".

وقال بعض المواطنين المسلمين، إن أكثر شيء يثير القلق، هو كيفية دفع المهاجرين إلى ضواحي المدينة باستخدام مبدأ التحسين والتطوير (وهو المبدأ القائم على تقديم الأولوية للأغنياء وخروج الفقراء).

يوجد حي للطبقة العاملة وراء الكاتدرائية في نيس القديمة، حيث تقوم الحكومة المحلية بشراء المباني. وقال العديد من المواطنين أن المدينة إما تقوم بالإبقاء على تلك المباني ولا تستخدمها، أو تحولها إلى مقاهي للإنترنت أو مراكز رعاية الأطفال، بدلاً من تأجيرها لأصحاب المحال التجارية المسلمين. وتقول المدينة إنها تريد تجديد المنطقة، وزيادة عدد شوارع المشاة فيها.

لكن المنافسة الشرسة التي كانت دائرة بين العديد من الجزارين من بائعي اللحوم الحلال لامتلاك محل في شارع Rue Italie اقتصرت في النهاية على اثنين فقط.


جزار حلال


قال لطفي بريك، جزار حلال من تونس، إن حكومة المدينة "تحاول إخلاء المسلمين من المنطقة".

وقال بريك إنه فخور بالتنوع الملحوظ بين زبائنه وإخلاصهم له على مدار السنوات، ولكنه يخشى أن تتغير الأمور بعد عملية "التحسين" وبسبب السياسة كذلك.

قال بريك "لدي لحم Charolais، وهو من أفضل أنواع اللحوم في فرنسا، وأبيعه بأسعار معتدلة للغاية. ولذلك يشتري الجميع ما يحتاجونه من اللحوم من عندي: المسيحيون، واليهود، والمسلمون".

وقال إنه يتمنى لو أن الشارع الموجود فيه متجر اللحوم الخاص به، يبقى ولو لفترة قليلة المكانَ الذي يجمع بين نيس القديمة والجديدة.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.