استاد رياضي احتضنهم بعد أن غصّت بهم مراكز الشرطة.. آلاف الانقلابيين في تركيا ينتظرون جزاء فعلتهم

تم النشر: تم التحديث:
TURKEY COUP
انقلابيون يسلمون أسلحتهم | Reuters TV / Reuters

اعتقلت السلطات التركية نحو 3000 من العسكريين المشتبه بهم السبت 16 يوليو/ تموز وأمرت باحتجاز آلاف آخرين من القضاة وممثلي الادعاء بعد إحباط محاولة انقلاب نفّذها متمردون باستخدام الدبابات وطائرات الهليكوبتر الهجومية في محاولة للإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان.

وهزّ العنف على مدى ساعات مساء الجمعة 15 يوليو أكبر مدينتين في تركيا بعد أن سدّ متمردون من الجيش حاولوا الاستيلاء على السلطة جسراً في إسطنبول وقصفوا مقرّ المخابرات التركية والبرلمان في أنقرة.

وقتل 265 على الأقل في هذه المحاولة. وقال مسؤول إن 161 منهم غالبيتهم من المدنيين وضباط الشرطة بينما كان الباقون وعددهم 104 من مؤيدي الانقلاب.


"هدية من الله"


وقال وزير الدفاع التركي فكري إيشيك إنه تمّ دحر الانقلاب العسكري ولا توجد منطقة خارج نطاق سيطرة الحكومة. لكن إيشيك قال للصحفيين إن من السابق لأوانه القول بأن خطر الانقلاب تلاشى تماماً وحثّ أنصار الحكومة على الخروج إلى الشوارع مجدداً.

واتهم أردوغان مدبري الانقلاب بمحاولة قتله ووعد بتطهير القوات المسلحة التي سبق أن نفذت عدداً من الانقلابات العسكرية الناجحة رغم أن آخرها كان قبل أكثر من 30 عاماً.

وقال أردوغان - الذي شهد أيضاً احتجاجات حاشدة على حكمه قبل ثلاثة أعوام - "سيدفعون ثمناً باهظاً لهذا. هذه الانتفاضة هي هدية من الله لنا لأنها ستكون سبباً في تطهير جيشنا."

وذكرت وكالة الأناضول للأنباء أن من بين من اعتقلتهم السلطات التركية القائد العام للجيش الثاني وبذلك أصبح الجنرال أدم حدوتي أكبر مسؤول عسكري يتم اعتقاله حتى الآن عقب محاولة الانقلاب.

وقال مسؤول وتقارير إعلامية إن السلطات ألقت القبض أيضاً على قائد الجيش الثالث الجنرال أردال أوزتورك وإنه سيواجه تهمة الخيانة بعد محاولة الانقلاب. وأضاف المسؤول أن أوزتورك شارك في مؤامرة الانقلاب.


استاد للاحتجاز


واعتقل مئات الجنود في أنقرة بزعم ضلوعهم في الانقلاب مما جعل مراكز الشرطة تكتظ بالمحتجزين. ونقل بعضهم في حافلات بمرافقة رجال شرطة مسلحين إلى استاد رياضي. وأظهرت صور بعض المحتجزين مكبلي الأيدي ومجردين من الجزء العلوي من ثيابهم يجلسون على سطح إحدى الحافلات.

وأعلنت الحكومة أن الوضع أصبح تحت السيطرة وقالت إن 2839 شخصاً اعتقلوا بين جنود عاديين وضباط رفيعي المستوى وبينهم من شكلوا "العمود الفقري" لمحاولة الانقلاب.

كما بدأت السلطات حملة واسعة النطاق في مجال القضاء على خلفية وجود صلات برجل الدين المقيم بالولايات المتحدة فتح الله غولن حيث عزلت نحو ثلاثة آلاف شخص من القضاة وممثلي الادعاء من مناصبهم وأمرت باحتجازهم بينهم قضاة بالمحاكم العليا.

وقال أردوغان إن محاولة الانقلاب تمت بتشجيع من "هيكل مواز" في إشارة لأنصار رجل الدين البارز فتح الله غولن الذي يتهمه أردوغان مراراً بأنه يحاول تأجيج تمرد داخل الجيش والإعلام والقضاء.

وقال مسؤولون إن عشرة من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء وممثلي الادعاء وعضوين بالمحكمة الدستورية العليا احتجزوا بالفعل.


ماذا لو نجح الانقلاب؟


ولو كانت نجحت محاولة الإطاحة بأردوغان الذي يحكم تركيا منذ 2003 لكانت مثلت أحد أكبر التحولات في الشرق الأوسط منذ سنوات فضلاً عن تحول كبير في أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة بالمنطقة في الوقت الذي تحتدم فيه الحرب على حدودها.

لكن فشل محاولة الانقلاب قد يؤدي أيضاً إلى زعزعة استقرار بلد عضو في حلف شمال الأطلسي يقع بين الاتحاد الأوروبي والفوضى في سوريا في الوقت الذي يستهدف فيه انتحاريون من تنظيم الدولة الإسلامية المدن التركية وفيما تخوض الحكومة حرباً مع انفصاليين أكراد.

وقال البيت الأبيض إن الرئيس باراك أوباما كرر دعمه لحكومة تركيا "المدنية المنتخبة ديمقراطياً" ودعا كل الأطراف المشاركة في الأحداث هناك لتجنب انتهاج أي سلوك من شأنه زعزعة الاستقرار.

وقال الرئيس الفرنسي فرانسوا أولوند أنه يتوقع فترة من القمع في أعقاب الانقلاب الفاشل.


اتهام بمحاولة اغتيال الرئيس


وتوجه أردوغان الذي كان يقضي عطلة على الساحل عندما وقع الانقلاب إلى إسطنبول جواً قبل الفجر وظهر على شاشة التلفزيون وسط حشود من المؤيدين خارج المطار الذي فشل مدبرو الانقلاب في تأمينه.

وفي كلمة لحشد من آلاف المؤيدين في المطار قال أردوغان في وقت لاحق إن الحكومة لا تزال تتولى الدفة رغم استمرار الاضطرابات وقتها في أنقرة.

وقال أردوغان إن مدبري الانقلاب حاولوا مهاجمته في منتجع مرمريس. وتابع قوله "قصفوا أماكن بعد رحيلي عنها مباشرة. اعتقدوا على الأرجح أننا كنا لا نزال هناك."

وقال أردوغان أمام حشد من أنصاره يهتفون مطالبين بتطبيق عقوبة الإعدام السبت إن مثل هذه المطالب قد تبحث في البرلمان.

ولطالما كانت علاقات حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي ينتمي له أردوغان متوترة مع الجيش الذي له باع في الانقلابات العسكرية دفاعاً عن العلمانية رغم أنه لم يسيطر على السلطة بشكل مباشر سوى في 1980.


أردوغان.. ما له وما عليه


وأدّت رؤية أردوغان المحافظة لمستقبل تركيا إلى انصراف الكثير من المواطنين العاديين عنه واتهامه بالاستبداد. واستخدمت الشرطة القوة المفرطة في 2013 لقمع احتجاجات حاشدة تطالب بمزيد من الحرية.

لكن أردوغان يتمتع أيضاً بإعجاب وولاء الملايين من الأتراك ولاسيما بسبب إعادة النظام لاقتصاد كان يواجه أزمات بشكل متكرر. وارتفع مستوى المعيشة بشكل ثابت تحت حكمه وبينما واجه الاقتصاد مشاكل خطيرة في السنوات الأخيرة فقد سجل نمواً فاق المتوقع بنسبة 4.8 في المئة في الربع الأول من العام مقارنة بنفس الفترة من العام السابق.

لكن من المرجح أن يؤثر العنف على قطاع السياحة الذي يعاني بالفعل بسبب التفجيرات والثقة الهشة في قطاع الأعمال.


خطاب من هاتف محمول


في ليلة شابتها الغرابة في بعض الأحيان استخدم أردوغان مواقع التواصل الاجتماعي للحديث إلى الشعب التركي - رغم عداوته المعلنة لمثل هذه التقنيات عندما يستخدمها معارضوه واستهدافه المتكرر لفيسبوك وتويتر.

وفي مرحلة ما استطاع أردوغان أن يلقي خطاباً للأمة عبر خدمة اتصال بالفيديو وظهر على شاشة هاتف محمول ذكي لمذيعة في قناة (سي.إن.إن تورك) والتي رفعت هاتفها أمام الكاميرا في الأستوديو حتى يتسنى للمشاهدين أن يروا أردوغان.

وحث أردوغان واشنطن على ترحيل غولن. وندد غولن الذي كان يوماً مؤيداً لأردوغان ثم تحوّل إلى أحد ألد أعدائه بمحاولة الانقلاب وقال إنه لم يكن له أي دور فيها.

وقال غولن في بيان "بوصفي شخصاً عانى في ظل انقلابات عسكرية عديدة خلال العقود الخمسة الماضية.. فإن من المهين على نحو خاص اتهامي بأن لي أي صلة بمثل هذه المحاولة. وأنفي بشكل قطعي مثل هذه الاتهامات."

وقال وزير الخارجية الأميركي جون كيري إن الولايات المتحدة لم تتلقَّ أي طلب لترحيل غولن.


الجنود يستسلمون


هزت انفجارات وأصوات إطلاق النار إسطنبول والعاصمة أنقرة في ليلة اتسمت بالفوضى بعد أن سيطر جنود على مواقع في المدينتين وأمروا التلفزيون الحكومي بتلاوة بيان أعلنوا فيه السيطرة على السلطة. لكن بحلول الفجر تراجعت أصداء المعارك بشكل كبير.

واستسلم نحو 50 جندياً شاركوا في الانقلاب على أحد الجسور عبر مضيق البوسفور في إسطنبول بعد فجر السبت وتركوا دباباتهم ورفعوا أيديهم في الهواء. ورأى شهود أنصار الحكومة وهم يهاجمون جنوداً مؤيدين للانقلاب بعد استسلامهم.

وبحلول مساء السبت ذكرت محطة سي.إن.إن تورك أن قوات الأمن استكملت عمليتها ضد مدبري الانقلاب في مقرات هيئة الأركان العامة للجيش. كما قالت مصادر أمنية إن الشرطة اعتقلت نحو مئة من ضباط الجيش في قاعدة جوية في جنوب شرق البلاد.

وقالت وزارة الأمن العام وحماية المواطنين في اليونان المجاورة إن السلطات اعتقلت ثمانية رجال كانوا على متن طائرة هليكوبتر عسكرية تركية هبطت في مدينة أليكساندروبوليس شمال البلاد في منتصف النهار السبت وأضافت أنهم طلبوا اللجوء السياسي.

وقالت القنصلية الأميركية في تركيا إن السلطات المحلية تمنع الدخول إلى قاعدة إنجيرليك الجوية والخروج منها. وقالت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاجون) أنها تعمل مع تركيا لاستئناف العمليات الجوية في القاعدة التي تستخدم لتنفيذ ضربات جوية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا المجاورة.


نواب مختبئون


بدأ الانقلاب بطائرات حربية وطائرات هليكوبتر تحلق في سماء أنقرة وتحرك جنود لإغلاق جسري مضيق البوسفور الذي يربط أوروبا بآسيا في إسطنبول.

وأعادت السلطات البحرية التركية السبت فتح مضيق البوسفور أمام ناقلات النفط بعد أن أغلقته في وقت سابق من اليوم نفسه لعدة ساعات في أعقاب محاولة الانقلاب.

وبحلول الساعات الأولى من صباح السبت استمر المشرعون في الاختباء في الملاجئ داخل مبنى البرلمان في أنقرة بعد أن تعرض المبنى لإطلاق النار من دبابات. وقال نائب معارض لرويترز إن البرلمان تعرض لإطلاق النار ثلاث مرات وأن أناساً أصيبوا.

وعندما انعقدت جلسة البرلمان في وقت لاحق من السبت أدانت الأحزاب الأربعة الرئيسية في تركيا محاولة الانقلاب العسكري في بيان مشترك تلي بالبرلمان السبت فيما يمثل ابتعاداً عن المشهد المعتاد للانقسامات السياسية.

والأحزاب الأربعة تنتمي لأطياف سياسية مختلفة في البلاد من اليمين المتمثل في حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية الذي أسسه أردوغان وصولاً إلى حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد والمنتمي ليسار الوسط.

وقال قائد في الجيش التركي أيضاً إن مقاتلات تمكنت من إسقاط طائرة هليكوبتر استخدمها مدبرو الانقلاب فوق أنقرة.

ومع انقضاء الليل تحول الزخم ضد مدبري الانقلاب. وتحدت الحشود أوامر البقاء في منازلهم وتجمعوا في الساحات الرئيسية في إسطنبول وأنقرة ولوحوا بالأعلام ورددوا الهتافات.

وفي حين أخذ أنصار الحكومة في اعتلاء دبابة قرب مطار أتاتورك في إسطنبول قال أحد الرجال "لدينا رئيس وزراء ولدينا رئيس أركان ولن نترك هذا البلد ينهار."

وقال جون كيري أنه اتصل بنظيره التركي وأكد "الدعم الكامل لحكومة تركيا المدنية المنتخبة ديمقراطياً والمؤسسات الديمقراطية."


استئناف الرحلات


واستأنفت الخطوط الجوية التركية رحلاتها من مطار إسطنبول الدولي السبت في أعقاب محاولة الانقلاب فيما ألغت بعض خطوط الطيران الأجنبية رحلاتها إلى هناك خلال اليومين الماضيين.

وفي أوج تحرك مدبري الانقلاب سيطر جنود على قناة (تي.أر.تي) الرسمية التي أعلنت حظر تجول على مستوى البلاد وفرض الأحكام العرفية. وتلت مذيعة بياناً بأمر من القطاع المؤيد للانقلاب الذي اتهم الحكومة بتقويض الديمقراطية وحكم القانون. وقال البيان إن تركيا ستدار من "مجلس للسلام" سيضمن سلامة الشعب.

وانقطع بث القناة بعدها بفترة قصيرة. واستؤنف بثها في الساعات الأولى من صباح السبت.

وتركيا أحد الداعمين الرئيسيين لمعارضي الرئيس السوري بشار الأسد في الصراع الذي يدور في بلادهم. وتستضيف تركيا 2.7 مليون لاجئ سوري وكانت في العام الماضي منصة انطلاق لأكبر تدفق للمهاجرين على أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.

وتخوض تركيا حربا ضد انفصاليين أكراد وتعرضت لسلسلة هجمات بالقنابل وإطلاق النار من بينها هجوم قبل أسبوعين شنه متشددون إسلاميون على المطار الرئيسي في إسطنبول أودى بحياة أكثر من 40 شخصاً.

وشغل أردوغان منصب رئيس الوزراء منذ 2003 ثم انتخب رئيساً للبلاد في 2014 مع خطط لتغيير الدستور لمنح الرئاسة الشرفية إلى حد كبير سلطات تنفيذية أوسع.