ما الفرق بين فرنسا بعد الهجمات السابقة وفرنسا بعد هجوم نيس؟

تم النشر: تم التحديث:
YY
AP

خلال عامين ونصف واجه الشعب الفرنسي وقادته هجمات مُدمرة بروح اتحاد وصمود جديرة بالملاحظة، ولكن في يوم الجمعة 15 يونيو/تموز 2016، استيقظت البلاد لتواجه مذبحة نيس بمزاج مُختلف.

فقد تساءل المواطنون العاديون ما إذا كان من الكافي ما تم فعله لحمايتهم، وانتقدت المعارضة السياسية جهود الحكومة في مواجهة الإرهاب، فيما وُجِد القليل فحسب من نداءات الحرية والإخاء والمساواة.

فبدلاً من ذلك، كان هُناك اعتراف بالحقيقة الجديدة غير السارة بأن كل شيء حاولت فرنسا فعله حتى الآن قد فشل في حمايتها من الإرهاب.

وذلك الإدراك القاتم ارتقى بدوره إلى إحباطِ جديد وتفرقة جديدة وانتقاد حزبي - على النقيض مما جرى في أعقاب هجمات يناير/كانون الثاني، ونوفمبر/تشرين الثاني، من العام الماضي.


هولاند يواجه تحديات


الرئيس الاشتراكي للبلاد فرانسوا هولاند، الذي حطم أرقاماً قياسية في عدم شعبيته باستطلاعات الرأي، قد ضَعُفَ بشدة، ويواجه تحديات متصاعدة من جانب اليمين المتطرف، وتحديات حتى من داخل حزبه، في مواجهة انتخابات في العام المقبل، والتي من شبه المؤكد خسارته فيها، في حال ترشحه.

وبينما لا يقوم بإبعاد التهديدات الإرهابية، تطارده فضائح هائلة، مثل إنفاق 10 آلاف يورو كل شهر على تصفيف شعره.

وفي الوقت نفسه، قد تُعد فرنسا البلد الغربي الأكثر عرضه لتهديدات الإرهاب.

وذلك المزيج الذي يتوعّد البلاد خلق انتقادات فورية غير معتادة من قِبل زعماء المعارضة، يوم الجمعة، وهذه الانتقادات تلقت استجابة صامتة من جانب هولاند.
تغيرت النبرة جذرياً عما كانت عليه في الأيام التي أعقبت الهجمات الإرهابية السابقة بفرنسا.

فإن كانت الاستجابة التي أعقبت هجوم شارلي إيبدو في يناير/كانون الثاني 2015 مفعمةً بالتضامن الذي أخذ في التلاشي بسبب هجمات باريس التي وقعت في مسرح باتاكلان وخارج المجمع الرياضي في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فإن هجمات نيس استُقبلت بنفاد الصبر لدى العامة.

"ليس بإمكاني إخفاء أنني أشعر بالغضب العميق"، هكذا يقول كريستيان استروسي، رئيس منطقة نيس العضو في الحزب الجمهوري، وهو حزب الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، في حديثه لمحطات تلفزيونية فرنسية، صباح الجمعة.

وأضاف: "كيف من الممكن في بلدنا أنه بعدما قال الجميع إن هناك حالة طوارئ وحالة حرب أن ننسى الأمر بعد شارلي إيبدو، ثم هجمات باتاكلان التي جاءت لاحقاً، وبعد باتاكلان نسينا أيضاً، ثم جاءت هجمات بروكسل، وبعد بروكسل نسينا، فأعقبتها هجمات نيس، لذا فإن هُناك أسئلة في حاجة للإجابة".

وحتى المرشح الأكبر لأن يُنتخب لشغل منصب هولاند العام المقبل، آلان جوبيه، عمدة يمين الوسط بمدينة بوردو، خرج برد فعل غير مألوف بالنسبة إلى سياسيٍ يُعرف باعتداله.
فقد قال في الراديو الفرنسي، صباح الجمعة: "لو كنا اتخذنا كل الإجراءات اللازمة لما كان لتلك المأساة أن تقع".


القليل من الاقتراحات


وكي نكون منصفين، فإن النقاد كان لديهم القليل فحسب من الاقتراحات بشأن ما ينبغي على الحكومة فعله لتجنّب هجوم نيس، حيث إن الجهود المبذولة من قِبل الحكومة جديرة بالاعتبار.

فعلى مدار 8 أشهر، كانت هُناك آلاف الاعتقالات بين صفوف الجالية الإسلامية بفرنسا، فضلاً عن عشرات الإجراءات القضائية، والمراقبة الكثيفة، والقصف المتكرر لمعاقل الدولة الإسلامية، كما كانت فرنسا في حالة الطوارئ قبل نيس، ولا زالت حالة الطوارئ مستمرة.

ومع هذا، لم يمنع ذلك الجهد ولا قوات الشرطة المحلية من وقوع هجوم نيس.

"نحن لا نشعر بالأمان في أي مكان الآن"، هكذا يقول ثييري باريير، الذي يعمل محاسباً في ضواحي باريس، وأتى إلى المدنية لقضاء الليلة بصحبة عائلته، وأضاف مُتسائلاً: "هناك أفعال معزولة، فماذا بإمكاننا فعله للتصدي لها؟"، مُتابعاً أنه على يقين من أن المزيد سيحدث.

ودفع هجوم نيس البلاد إلى الوعي بالقلق المتزايد بأن فرنسا ستضطر إلى العيش مع الإرهاب إلى أجل غير مُسمى، كما أنها ستصبح في مقدمة الدول في النضال العالمي ضد الإرهاب الإسلامي.

وكان هذا ما اعترف به رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس، الجمعة، مثلما فعل المسؤولون الفرنسيون على نحو متكرر خلال الشهور الماضية؛ فقد قال "إن الوقت قد تغير، وستضطر فرنسا إلى العيش مع الإرهاب".

ويزداد الشعور بالعجز من حقيقة أن الهجوم قد تم شنّه من قِبل شخصِ يُعرف لدى الاستخبارات الفرنسية كأحد الجناة البسطاء، وباستخدام شاحنة عادية.

"إنها كارثة. يمكن لأي شخص أن يصبح اليوم إرهابياً، فبإمكان أي شخص استئجار شاحنة وقتل الناس"، هكذا يقول روجر كارفاليو، الفرنسي من أصل برتغالي والذي يعمل في المجال المصرفي الاستثماري.

وعلى نحو متزايد؛ يبدو تهديد فرنسا الوافد من الخارج أقل من ذلك النابع من داخلها، فالجيران قد تحوّلوا إلى قتلة، والأدوات العادية صارت تُستخدم كأسلحة، وأماكن الاستمتاع تحولت إلى مناطق حرب.

فقال سيباستيان بيتراسانتا، العضو الاشتراكي في البرلمان المؤلف المشارك لتقرير جديد يوصي بإصلاح المخابرات الفرنسية، في مقابلة أجراها، إن "ذلك الشخص لم يكن حتى يُعرف بالتطرف".


لم تتمكن الأجهزة من وضع حد


وأضاف "لم تتمكن أجهزة الاستخبارات من وضع منفذ الهجوم تحت المراقبة. في هذا النوع من الحالات، يكون الأمر مثل حادث أورلاندو، بطريقة الأعمال الفردية، ومن الصعب جداً القبض عليه".

وأشار المؤلف المشارك للتقرير، جورج فينيش، وهو عضو في البرلمان من منطقة رون، إلى أن الحكومة الفرنسية عليها أن تنتبه إلى الاقتراحات الواردة بالتقرير، وأن تُمركِز أجهزة الاستخبارات بالبلاد على الطريقة الأميركية.

فقال: "لقد تقدمنا باقتراح مديرية استخبارات وطنية، ولكننا ما زلنا لم نتلق أي رد من الحكومة"، كما أضاف قائلاً "إن أجهزة الاستخبارات لدينا ليست فعالة كما يجب أن تكون".
وتابع أن هناك "افتقاراً إلى الحزم" في تعامل الحكومة مع المُتهمين بالإرهاب، ولكنه ليس من الواضح أن وجود استخبارات أفضل كان سيوقف هجوم نيس.

وما يبدو واضحاً هو فشل استجابة فرنسا لأنصار الدولة الإسلامية الموجودين على أراضيها، رغم أن الشرطة قامت بـ3000 مداهمة، ما أسفر عن قرابة 600 قضية جنائية، وسجن حوالي 60 شخصاً.

ولكن النتيجة الرئيسية لكل عمل الشرطة المحموم هذا كان "التأثير السلبي على استقرار الشبكات الإجرامية الإرهابية"، رغم ذلك "تلاشى هذا التأثير على نحو سريع"، بحسب ما يفيد به تقرير برلماني جديد، فيما كانت دوريات الجنود في الأماكن التي يُحتمل أن تجذب الحشود نوعاً من الاستراتيجية المضللة التي تهدف إلى خلق صورة إيجابية.

وكما لو كان الاعتراف بأن البلاد في حالة طوارئ لم يجعل فرنسا أكثر أمناً، أعلن هولاند بعد ظهر الخميس، وقبل ساعات فحسب من الهجوم أن ذلك سينتهي قريباً.

فقال في لقاء أجراه بينما كانت الجموع تحتشد لحضور احتفالية العيد في نيس "لا يمكننا أن نُمدد حالة الطوارئ إلى الأبد"، ثم بعد وقوع الحادث أعلن أن حالة الطوارئ ستمدد مجدداً.

وأربكت تلك الاستجابة المُحللين للوضع يوم الجمعة، فالحكومة تعود فحسب إلى الاستراتيجية التي أثبتت فشلها حتى الآن.


قانون الطوارئ لم يمنع الأمر


"إن قانون الطوارئ قد فشل في منع الأمر"، هذا ما يقوله فرانسوا هايسبورغ، وهو محلل استخبارات، والذي أضاف قائلاً "إن الاستخدام المكثف للجيش باعتباره شرطة مُساعدة قد أخفق في إيقاف الأمر، والآن سنقوم نحن بقصف الرقّة أكثر مما نفعل، كما لو أن لها أي أهمية خاصة".

وتابع: "أن تفعل الشيء نفسه مراراً وتكراراً وتتوقع نتيحة مُختلفة، هو تعريف الجنون".

وأكثر فأكثر، تبدو البلاد آخذة في الاعتراف على مضض بأنه لا يوجد علاج، عاجل على الأقل، مهما كانت ثمة أوهام بذلك قبل هجوم نيس.

فقبل هجوم مساء الخميس، كانت الحشود قد عادت بعد فترة طويلة إلى الهواء الطلق، بالمقاهي والأرصفة والأسواق والاحتفالات الأخرى التي تُنظم بأماكن عامة، والتي تعد جزءاً من الحياة اليومية بفرنسا.

وقد تم تحذير فرنسا مراراً وتكراراً من قِبل كبار المسؤولين بالبلاد. وقد أذيعت تلك التحذيرات على نطاق واسع، ومع ذلك واصل الفرنسيون مواصلة حياتهم على هذا النحو، رغم أن هؤلاء الذين لا يتبعون أية قيود هم المُستهدفون من قِبل الإرهابيين.

وقبل شهرين من حادث نيس، جاءت كلمات صريحة من أكثر المصادر غير المشكوك فيها بفرنسا، وهو رئيس وكالة استخبارات البلاد الذي قال إن فرنسا ستتعرض للهجوم مجدداً.

فقد قال باتريك كالفر، رئيس وكالة الاستخبارات التي تُعرف باسم المديرية العامة للأمن الداخلي "DGSI"، في حديثه للبرلمان، 10 مايو/أيار الماضي، إن "فرنسا اليوم، وبوضوح، تعد أكثر الدول المُهَدَدة، وبالتالي فإن التهديدات قوية للدرجة القصوى، وأنا أُصر على ذلك".

وأضاف: "إننا نعرف أن داعش تخطط لهجمات جديدة، مُستعينة بمقاتلين في المنطقة، وفرنسا مُستهدَفة بوضوح".

وبحسب ما أشار إليه كالفر، فإن ذلك الخطر يُعد أكثر تركيزاً في البلدان الملغومة بعشرات المقاتلين العائدين من مناطق القتال في سوريا والعراق.

وذلك فضلاً عن آلاف المتعاطفين مع تنظيم داعش وغيره، والذين قد وُضعوا رسمياً على لائحة التهديدات الأمنية لدى ملفات أجهزة الاستخبارات.

وفي كل مرة يواجه فيها رئيس الوزراء صحفيين أجانب، يقول إن فرنسا ستُضرب مجدداً من قِبل الإرهابيين، عاجلاً أو آجلاً، وكان على صواب في ذلك.

تقول جويل نويفل، وهي دبلوماسية متقاعدة تبلغ من العمر 60 عاماً، وتعيش في نيس منذ 15 عاماً: "إنني مصدومة من فشل الحكومة الفرنسية في مواجهة الجهاديين".

وأضافت: "لقد تعرضنا لشارلي إيبدو، وكان لدينا باتاكلان، ولا نفعل شيئاً ضد القتلة، هذا يعني أننا مفتقرون إلى الأمن، والحكومة ببساطة لم تدرك هذا بعد".

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية يرجى الضغط هنا