مستقبل هولاند السياسي في خطر بعد هجوم نيس

تم النشر: تم التحديث:
FRANCOIS HOLLANDE
ASSOCIATED PRESS

جاء رد فعل الرئيس الفرنسي "فرانسوا هولاند" على هجوم "نيس" مشابهاً للموقف الذي اتخذه بعد هجوم تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، الذي أسفر عن مقتل 130 شخصاً في باريس في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

لكن الحقيقة أن تعرّض فرنسا للهجوم مرة أخرى - مع وجود أكثر من 80 قتيلاً على الأقل- بعد 8 أشهر فقط من هجمات نوفمبر/تشرين الثاني المدمّرة على استاد باريس والبارات وحفل موسيقى الروك؛ يمثّل أزمة حقيقية لرئاسة "هولاند" للجمهورية، بحسب تقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية، الجمعة 15 يوليو/تموز 2016.

وكان هولاند قد ظهر شاحب الوجه في خطاب تلفزيوني بُثَّ من القصر الرئاسي قبل الرابعة فجراً، أي بعد حادثة دهس سائق شاحنة للمحتفلين في الحشد الضخم الذي كان مجتمعاً على شاطئ مدينة نيس لمشاهدة عرض الألعاب النارية الخاص باحتفال يوم الباستيل.

وقال في خطابه "إن فرنسا كلها تحت تهديد الإرهاب الإسلامي، ولن يُثنينا شيء عن عزمنا على محاربة الإرهاب، وسنعزز من عملياتنا في سوريا والعراق "في إشارة إلى الضربات الجوية الفرنسية الحالية ضد داعش، وأضاف "سنواصل الهجوم على هؤلاء الذين يهاجموننا على ترابنا وأرضنا، وستكون فرنسا قوية دائماً، أعدكم بذلك، ستكون أقوى من كل متطرف يريد مهاجمتها".

وفي نيس قال برنارد سيزين، وزير الداخلية، "نحن في حالة حرب مع الإرهابيين الذين يريدون استهدافنا بأي ثمن، وهم عنيفون للغاية".

كما قال نيكولا ساركوزي، الرئيس السابق الذي أعلن نيته للترشح مرة أخرى في انتخابات 2017، "نحن في حرب ستستمر طويلاً، ونواجه تهديداً يجدد نفسه مراراً وتكراراً".

وأعلن هولاند الرئيس الاشتراكي - الذي كان بالفعل قد شدد على احتياطات الأمن القومي بعد هجمات نوفمبر/تشرين الثاني - أنه سيعزز ويزيد من أمن الحدود كما سيدعم إجراءات الأمن الداخلية القائمة بالفعل.


تمديد الطوارئ


وأعلن أيضاً أن حالة الطوارئ، التي أُقرّت في نوفمبر/تشرين الثاني، سيتم تمديدها لـ 3 أشهر أخرى، وهي تسمح للشرطة بمداهمة المنازل وتفتيشها دون إذن أو إشراف قضائي، كما تعطي مزيداً من الصلاحيات للمسؤولين لوضع الأشخاص تحت الإقامة الجبرية واحتجازهم في المنزل. كما سيتم زيادة وتعزيز العملية العسكرية المعروفة باسم "سنتينيل"، وتشمل 10 آلاف جندي يجوبون الشوارع في دوريات ويحرسون المواقع الهامة في جميع أنحاء البلاد، بالإضافة إلى إعداد قوات الاحتياط لمساعدة قوات الأمن.

لكن هولاند الذي سيجري محادثات أمنية طارئة في الإليزيه هذا الصباح قبل السفر إلى نيس، سيكون عليه التعامل مع الرعب والألم الذي تواجهه الأمة التي عصفت بها 3 هجمات دامية خلال الـ 18 شهراً الماضية، بالإضافة إلى العديد من الهجمات الأصغر نطاقاً.

ستضيف نيس 80 قتيلاً على الأقل لحصيلة الوفيات التي بلغت 147 شخصاً في هجمات عام 2015، بدءاً من إطلاق النار على مكاتب تشارلي إبدو في يناير/كانون الثاني، ومحل البقالة اليهودي (كوشير) وحتى الهجمات المنسقة في 13 نوفمبر/تشرين الثاني.

أما وجود أطفال وسط القتلى والمصابين ذوي الحالات الحرجة في نيس فقد عمَّق من الأسى والحزن الذي تشعر به فرنسا.

لن يواجه هولاند مناخاً أكثر صعوبة، فبعد انتهاء فترة الحداد الوطني، من المرجح أن يتصاعد الجدل السياسي حول السياسات الأمنية والمخابرات. ويُعد الأمن هو أحد المصادر الرئيسية لقلق الناخبين مع اقتراب الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجري بعد 9 أشهر.


تراجع شعبيته إلى أدنى مستوياتها


تراجعت شعبية الرئيس الفرنسي إلى أدنى مستوياتها، وفي المقابل، حققت مارين لوبان، زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف، معدلات مرتفعة في استطلاعات الرأي الأخيرة والتي تظهر أنها ستكون قادرة على بلوغ الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها في أبريل/نيسان، ومايو/أيار من العام القادم، على الرغم من أن الاستطلاعات توقعت عدم فوزها بمقعد الرئاسة. ويتسابق الجمهوريون حالياً (حزب ساركوزي اليميني) في السباق التمهيدي لتحديد مرشحه للرئاسة.

وحتى وقت مبكر من صباح الجمعة، لم تؤكد السلطات الفرنسية الدافع المحدد وراء هجوم نيس الأخير.

خلال الأشهر الأخيرة، يرى رئيس الاستخبارات الفرنسية أن بلاده هي الأكثر عرضة لخطر الإرهاب الجهادي، وقد أكدت الحكومة أن السلطات الفرنسية أحبطت مخططات لتنفيذ هجمات مختلفة خلال العام الماضي. وفي الوقت الحالي، سيصبح السؤال عن كيفية منع تلك الهجمات جزءاً هاماً من الجدل السياسي خلال الأشهر المقبلة.

ويأتي هجوم نيس الأخير بعد أيام من نهاية بطولة الأمم الأوروبية لكرة القدم "يورو 2016"، والتي شارك في تأمينها عدد غير مسبوق من رجال الأمن بلغ 90 ألف شخص، لتحتفي البلاد بمرور البطولة بسلام.

وقبل ساعات من الهجوم، تحدث هولاند، والذي يبدو مستعداً لخوض انتخابات الرئاسة لفترة أخرى إلا أنه من المتوقع ألا يعلن عن ترشحه قبل حلول نهاية العام الجاري، في لقاء تلفزيوني أثناء العيد الوطني "يوم البستيل" معلناً عن شعاره الجديد وهو "الأمور تتحسن". وذكر خلال اللقاء أن حالة الطوارئ في البلاد لن يتم تمديدها بعد 26 يوليو/تموز الجاري، عقب نهاية حدث رياضي كبير آخر وهو سباق فرنسا للدراجات، إلا أن هولاند أصبح مجبراً على مراجعة ما قاله بعد وقوع هجوم نيس.

وكانت الشكوك قد تكاثرت في الأيام الأخيرة حول خطر الإرهاب وقدرة فرنسا على التعامل معه. الأسبوع الماضي، أظهر تحقيق برلماني فرنسي أن هجمات باريس في نهاية 2015 شهدت إخفاقات متعددة للأجهزة الأمنية الفرنسية.

وأشارت اللجنة البرلمانية التي عقدت لتقييم فشل السلطات في منع سلسلة الهجمات التي وقعت العام الماضي إلى "فشل كبير" للاستخبارات الفرنسية، وأوصت بإصلاح شامل لأجهزة المخابرات، بما في ذلك إنشاء وكالة وطنية خاصة لمكافحة الإرهاب على غرار ما تقوم به الولايات المتحدة.

وفي تصريح لجورج فينيش، رئيس اللجنة البرلمانية التي أجرت التحقيق، قال "بلادنا لم تكن مستعدة. الآن علينا أن نكون جاهزين".

تملك فرنسا ست وحدات استخباراتية تابعة لوزارات الداخلية، والدفاع، والاقتصاد.

وشبه فينيش جهاز الاستخبارات الفرنسي متعدد الطبقات والمرهق بجيش يرتدي جنوده أحذية من الرصاص تثقل حركتهم، كما قال إنه دون وقع ذلك الفشل الاستخباراتي، كان يمكن منع هجوم مسرح باتاكلان في باريس والذي راح ضحيته 90 شخصاً.

ورفض وزير الداخلية الفرنسية هذا الأسبوع فكرة إحداث إصلاح شامل لأجهزة الاستخبارات، وأكد أن بعض التوصيات الأخرى التي أوصت بها اللجنة يجري العمل عليها بالفعل.

هذا الأسبوع أيضاً، ذكر أحد محامي ضحايا هجمات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أن أسر الضحايا يخططون لمقاضاة الدولة لفشلها في تفادي هجمات نفذها مسلحون معروفون لدى الأجهزة الأمنية.

وفي قضية منفصلة، وجدت المحكمة أن الدولة كانت على خطأ، جزئياً، في واقعة مقتل جندي فرنسي في 2012 على يد محمد مراح، وهو أحد المتشددين الذين تتبعتهم الأجهزة الأمنية لفترة. في البداية، قتل مراح ثلاثة جنود دون أن تتمكن الشرطة من إيقافه، قبل أن يقتل ثلاثة أطفال ومدرساً خارج أحد المدارس اليهودية في تولوز بعدها بأيام، لتقوم الشرطة بعد ذلك بقتله في إطلاق نار أثناء محاصرة شقته.

هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.