"دوائر الاشتباه" تسيطر على شمال سيناء.. شهادات أبناء الشريط الحدودي عن التهجير القسري والاعتقالات والموت عن طريق الخطأ

تم النشر: تم التحديث:
SINAI RAFAH
سيناء | ASSOCIATED PRESS

قبل أيام من عيد الفطر، انتشر هاشتاغ #الحرية_لعبدالغفار_سويلم على مواقع التواصل الاجتماعي، يطالب بالإفراج عن هذا المواطن، ليقضي العيد مع أسرته.

لاقت الحملة تعاطفًا واسعًا، لكن بعد معرفة حكاية ومكان القبض عليه، أصبح عبدالغفار مثلا حيًا لأي مواطن سيناوي، حكايته ببساطة أنه مُهجر من بيته بالشيخ زويد بسبب الحرب، ثم مقبوض عليه بلا تهمة، بينما مات أخوه قتيلاً قبل عام في كمين عن طريق الخطأ.

إنها الأزمات الثلاث التي يعاني منها المواطن السيناوي: القبض العشوائي، والقتل العشوائي، وأخيرًا التهجير القسري من مناطق النزاع المسلح مع الجماعات المسلحة.

الإعلام لا يتحدث عن الملفات الثلاثة؛ لأن سيناء من المناطق المحظور الحديث عنها، قانونًا، وكذلك بالرقابة الذاتية التي يمارسها الصحفيون على كل الأخبار التي يكون الجيش طرفًا فيها، وهذا التقرير يرصد معاناة أهالي سيناء، الواقعين بين رحى تلك المعركة، فهم متهمون مرة بإيواء الإرهابين، ومرات بمساندة الأمن في مطارداته للإرهابيين، وبين هذا وذاك يعانون الأمرَّين.


التوقيف دون أوامر كتابية


"المواطن الذي يحمل بطاقة، أي هوية، مدون بها أنه من سكان رفح أو الشيخ زويد لا يمر من أي كمين ويتم توقيفه للتحري عنه".

عبد الرحمن اسماعيل، أحد سكان مدينة الشيخ زويد، يقول في حديث مع "هافينغتون بوست عربي" إن مواطني المدينتين لا يمرون بسهولة من الأكمنة القوات المسلحة والشرطة على الطرق، ودائماً هم عرضة للشك، لأنهم من رفح أو الشيخ زويد.

يحكي إسماعيل عن "مداهمات متواصلة للمنازل، يتم القبض فيها على مواطنين مشتبه فيهم، اعتمادًا على نظرية توسيع دائرة الاشتباه الأمني. وبعض من المقبوض عليهم يتم الإفراج عنهم بعد ساعات أو بعد أيام، ومنهم من يبقى مختفيًا لشهور"، وحالة عبدالغفار ليس إلا مجرد مثالًا لتلك الحالة.

في إطار الحملة التضامنية مع عبدالغفار قرر الشاعر والناشط السياسي عمر حاذق، وهو أحد أصدقائه على فيسبوك، أن يحكي حكايته. وقال إن عبدالغفار سويلم عليان، من سكان رفح المصرية، واضطر للنزوح إلى العريش نتيجة العمليات العسكرية هناك.

في التغريدة يشير عمر إلى أن عبدالغفار من المهتمين بالعمل الخيري بقريته، ومعروف بسعيه لتزويد كتّاب القرية باحتياجاته الأساسية بعد هدم المدارس أثناء الحرب.

يحكي أحمد صقر، عن جانب آخر من شخصية عبدالغفار، فهو "الشاب اللي ساعد كل الشباب اللي اشتغلت عمل خيري في الكام سنه اللي فاتت في شمال سيناء، وياما قاوم الفكر المتطرف اللي كان بينتشر وسط أهله وَيْاما كلمنا نشوف وظيفه لشاب في الإسماعيلية ولا القاهرة علشان يبعده عن حد ملموم عليه يغيب دماغه يشيل سلاح ضد بلده".

ويقول الناشط السيناوي سعيد عتيق إن القبض العشوائى مازال مستمراً نظراً لأنه مازال موجود أنصار بعض الجماعات التكفيرية، ولفت في حواره مع "هافينغتون بوست عربي" إلى أن "أغلب المقبوض عليهم من الشباب ليسوا مذنبين ولا يوجد مبرر حقيقي لاعتقالهم، مضيفًا أن السجن في الغالب يحول الشاب العادي إلى شخص ناقم على المجتمع والدولة ويكون من السهل وقوعه فريسة للجماعات التكفيرية".

عمليات القبض تتم دون أي إخطار كتابي، كما يلاحظ النائب حسام الرفاعي عن محافظة شمال سيناء، ما يعرض المقبوض عليه لفقد وظيفته، وقال إنه ضرب مثالًا أمام لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب بمواطن، تم القبض عليه لمدة 6 أشهر فقد فيها وظيفته لتغيبه عن العمل دون وجود أوامر كتابية تفيد بالقبض عليه.


القتل عن طريق الخطأ


الحكاية التي حكاها أحمد صقر عن مقتل شقيق المعتقل عبدالغفار سويلم، تكشف عن أزمة أخرى يعاني منها أبناء سيناء، وهي القتل العشوائي.

ليست حالة فردية، فقبل أيام أعلنت مواقع إخبارية محلية بسيناء مقتل طفلة وشقيقها، وإصابة أختهم نتيجة سقوط قذيفة على منزلهم، ولم يتسنّ لـ"هافينغتون بوست عربي" التحقق من التفاصيل.

وهناك حالات كثيرة مشابهة، كما يقول أحمد عبدالستار، أحد سكان قرية الحسنة بسيناء.

"القصف العشوائي على المناطق التي يعتقد أن بها عناصر إرهابية، يؤدي إلى وقوع العديد من الضحايا، ونحن نتأذي بالتأكيد من تلك العمليات، لكننا نرى ما يتعرض له الجنود من عمليات استهداف، وقنص من قبل الإرهابيين، وطبيعي أن يكون الرد قاسياً. كل ما نريده هو أن تكون هناك دقة في تحديد الأهداف، حتى لا يقع ضحايا من المدنين".

في مثل هذه الظروف يصبح المواطن عرضة للقتل لأسباب كثيرة، مثل القصف العشوائي، والقتل الخطأ في الأكمنة، "لكننا أيضاً مهددون من الجماعات الإرهابية التي توزع في أحيان كثيرة قائمة اغتيالات تنوي تنفيذها ضد مدنين، بتهمة التعاون مع الأمن".

لا توجد إحصائية رسمية لعدد الضحايا من المدنين أو حتى الإرهابيين في سيناء، بينما قال اللواء أركان حرب محمد الشهاوي، مستشار كلية القادة والأركان بالقوات المسلحة، في حوار مع جريدة "الوطن" المصرية في بداية يوليو/تموز الجاري، إن القوات تمكنت من قتل 5630 عنصراً إرهابياً حتى الآن، منهم 3500 إرهابي قُتلوا قبل بدأ إطلاق العملية العسكرية "حق الشهيد" يوم 7 سبتمبر/أيلول 2015، وقتل 2130 إرهابياً بعد إطلاق مراحل العملية المختلفة، منهم 1100 قتلوا فى تبادل لإطلاق النيران مع القوات، و450 أثناء الهرب من الكمائن، و580 أثناء مداهمات القوات الجوية، والصاعقة، والمظلات، وقوات التدخل السريع لمناطق وجود العناصر الإرهابية.


التهجير أسهل الحلول الأمنية


في الرابع عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2014، قتل 33 جندياً في عملية إرهابية بمنطقة كرم القواديس بسيناء، في واحدة من أكبر العمليات ضد القوات الأمنية في سيناء. وبعد هذا الهجوم بيومين أصدرت السلطات المصرية قراراً بإقامة منطقة حدودية عازلة مع قطاع غزة بعمق 500 متر وبطول 14 كيلومتراً، وعدل القرار أكثر من مرة حتى أصبحت تشمل كيلومترين حالياً.

القرار الوزاري تعهد بتوفير أماكن بديلة لكل من يتم إخلاؤهم وتقدير تعويضات مستحقة للمتضريين من القرار. وفي بيان لمحافظة شمال سيناء في يونيو/حزيران الماضي، قال اللواء محمد السعدني، سكرتير عام المحافظة المساعد، إن آخر احصاء "للمنقولين" من الشيخ زويد ورفح يشير إلى أكثر من 21 ألف نسمة، من أكثر من 5300 أسرة.

وأحصى تقرير منظمة هيومان رايتس ووتش في سبتمبر/أيلول 2015 أكثر من 3200 منزل سكني وتجاري وإداري هدمته السلطات المصرية ما بين يوليو 2014 وأغسطس/آب من العام الماضي، في كامل شبه جزيرة سيناء، وبطول الحدود مع غزة.

تحدث التقرير عن الإخلاء القسري لآلاف الأشخاص، وعن "عائلات كان أفرادها يعيشون بجوار بعضهم بعضاً منذ عشرات السنين، اضطروا للتخلي عن بيوت متعددة الطوابق كانوا قد بنوها بجوار أقاربهم، وتوارثوها عبر الأجيال. وصارت بعض العائلات بلا مأوى، فسكنت الخيام أو الأكشاك المقامة في الخلاء، أو في تجمعات عشوائية".

المواطن السيناوي إبراهيم صالح، أحد ضحايا التهجير القسري، طلبوا منه إخلاء منزله بقرية الخروبة شمال العريش، كما يحكي لـ"هافينغتون بوست عربي" في 24 ساعة.

"جاءتنا قوة أمنية، وحاولنا الحديث معهم عن صعوبة ذلك، لكن الضابط كان حاسمًا: إما أن تخلي البيت أو سنهدّه على مَن فيه. أخلينا البيت ولم توفر لنا المحافظة أي وسيلة لنقل أمتعتنا".

يتذكر صالح أن المحافظة منحت كل أسرة 900 جنيه بدل إيجار لمدة 3 شهور، "ولما نزلنا العريش ندور على سكن لقينا الأسعار ارتفعت للضعف".

محافظة شمال سيناء أكدت مراراً أنه تم تعويض كل مواطن تم تهجيره بدفع 1200 جنيه للمتر لأصحاب المباني الخرسانية، و750 جنيهاً للمتر لأصحاب مباني الحوائط الحاملة، و100 جنيه للمتر عن قيمة الأرض، إضافة إلى 900 جنيه بدل إيجار 3 شهور.

لكن الأزمة ليست في التعويض على البيوت فقط، كما يقول لـ"هافينغتون بوست عربي" المواطن السيناوي أحمد مراد. "لدينا أزمة أخرى بأننا لم نحصل على تعويضات مجزية لأرضنا التي تركناها، وكانت مصدر رزقنا الوحيد".

مأساة أحمد، وهو مزارع هُجّر من قرية الجورة، ويقيم حاليا بإحدى قرى محافظة البحيرة، في دلتا مصر، ليست حالة منفردة بل تشبه مئات الحالات الأخرى التي اضطرت إلى ترك مناطقها، بما فيها محالهم التجارية أو أراضيهم الزراعية، وهو ما يصعب تعويضه.


والعودة لن تكون إلى الوطن


منير أبوالخير، مدير عام التضامن الاجتماعي في محافظة شمال سيناء، ومسؤول الإعانات بالمحافظة، قال إن المديرية مسؤولة عن منح تعويضات لأهالي الشهداء، وللمصابين، ولأصحاب الممتلكات التي تضررت في المواجهات، بين القوات المسلحة والجماعات الإرهابية.

وأضاف في تصريحات لـ"هافينغتون بوست عربي" أن المديرية لا تمنح مرتبات شهرية للمتضررين، وإنما تمنحهم إعانات وهي متغيرة طوال الوقت، لافتاً إلى أن المديرية دفعت في شهر واحد مليوناً وربع المليون جنيه، وفي شهر آخر دفعت 300 ألف جنيه فقط. "المديرية غير مسؤولة عن تعويض أصحاب المحال التجارية أو أصحاب الأراضي الزراعية التي تركوها نتيجة العمليات العسكرية".

يرى رحمي عبدربه، عضو مجلس النواب عن دائرة شمال سيناء، أن أوضاع المهجرين الآن مستقرة، لكن كل من تم نقله من المنطقة الحدودية لن يستطيع العودة إلى مكانه الأصلي.

نحو 685 هكتاراً من الأراضي الزراعية بالمنطقة الحدودية تم تجريفها حسب تقرير هيومان رايتس ووتش، أي تجردت من الزيتون والنخيل وبساتين الموالح. حتى لو عاد المزارعون إلى قراهم ذات يوم، فإن "شجرة الزيتون لا تطرح بين يوم وليلة كباقي الزراعات"، كما يقولها أحمد مراد، فلاح قرية الجورة من منفاه بالدلتا.