هل قطع فان غوغ أذنه فعلاً؟.. وثيقة طبية تكشف أشياء غريبة عن الفنان الهولندي

تم النشر: تم التحديث:
VAN GOGH
ASSOCIATED PRESS

كلنا نعلم أن فان غوغ قطع أذنه اليسرى، لكن الجدل ما زال قائماً بين الخبراء منذ تلك الحادثة الحزينة التي وقعت قبل 128 عاماً حول فداحة الحادثة وهل كان القطع للأذن كلها أم لجزء منها ومن السبب، ومدى التشويه الذي أحدثته الواقعة التي جرت في مدينة آرل بفرنسا في ديسمبر/كانون الأول من عام 1888.

هل تراه قطع شحمة أذنه فحسب أم الأذن كلها؟ هذا ما تساءلت عنه صحيفة نيويورك تايمز الأميركية في تقرير نشرته الثلاثاء 12 يوليو/تموز 2016 رصدت به معرضاً فنياً يستعرض لوحات الفنان ولمحات من حياته.


وثيقة تزيل حيرة العلماء


اكتشفت المؤلفة بيرناديت مورفي المهتمة بالتاريخ - أثناء بحث أجرته لتأليف كتاب جديد عن الفترة الأخيرة من حياة الفنان الهولندي – وثيقة جديدة محفوظة في سجل محفوظات أميركي لعلها تحل المعضلة التي حيرت العلماء.

فالوثيقة كانت ملحوظة كتبها الطبيب فيليكس راي الذي عالج آنذاك فان غوغ في مستشفى آرل، وتحوي الوثيقة رسماً يصوّر الأذن المشوهة ويبدو فيها جلياً تماماً أن الرسام كان بالفعل قد قطع كامل الأذن.

وستعرض الرسالة والرسم الذي تحويه لأول مرة أمام الجمهور في معرض متحف فان غوغ الذي يقام بعنوان "على حافة الجنون" الذي سيفتتح في نيويورك طوال الصيف وحتى 25 سبتمبر/أيلول 2016، لتنضم الوثيقة إلى وثائق أخرى وتحف لم تعرض من قبل، في محاولة لإلقاء المزيد من الضوء على مرض فان غوغ النفسي.

كما سيضم المتحف 25 لوحة ومادة أخرى كمسدس متآكل يعتقد أن الرسام استخدمه لقتل نفسه حسب أقوال القائمين على المتحف.
وقد تلقي هذه الضوء على الفترة الأخيرة من حياة الرسام التي تصاعدت فيها حدة مشاكله من حادثة قطعه لأذنه وحتى تاريخ 29 يوليو/تموز 1890 الذي على ما يبدو أنه أقدم فيه على الانتحار من فوق جسر أوفير سور واز بفرنسا.

لطالما افتتن معجبو فن هذا الرسام المتحدر من مدرسة ما بعد الانطباعية بموضوع مرضه النفسي، غير أن متحف فان غوغ الذي يضم بين جنباته أضخم مجموعة من أعماله في العالم لم يطرح هذا الموضوع بعد.
و مؤخراً ركز المتحف على تطور فان غوغ جمالياً وتكنيكياً، لكن الاهتمام بسيرته الذاتية يدفع بالمعارض الآن لتنحو منحى جديداً في طريقة تناولها لفن الرسام.


لماذا انتحر؟


تقول نايينك باكر القائمة على المعرض وعلى لوحات متحف فان غوغ "إنها فعلاً بداية سلسلة جديدة من معارض أصغر حجماً لكن أكثر تركيزاً، فلا تشغل أكثر من طابق واحد من المبنى، لكنها ستمكننا أن نمنح الزوار المزيد من المعلومات عن حياة فان غوغ. وفي أعيننا بدا أن هذا الموضوع خير ما يمكننا أن نستهل به."

وقالت باكر أن معظم زوار المتحف أرادوا معرفة تفاصيل أكثر عن حياة فان غوغ "لقد كانت أكثر 3 أسئلة طرحت علينا هي: ماذا جرى لأذنه؟ ما نوع المرض الذي عانى منه؟ ولماذا انتحر؟"

ويتزامن المعرض مع إصدار الكتاب Van Gogh’s Ear: The True Story (أذن فان غوغ: القصة الحقيقية) من تأليف مورفي نفسها.

أما المؤرخ الأميركي ومؤلف الكتاب Van Gogh: The Life (فان غوغ: حياته) عام 2011، ستيفن نايفه، فقد قال في رسالة إلكترونية بعد الاطلاع على الوثيقة الجديدة "وددت أن أسايرهم وأنسب إليهم شيئاً من المصداقية بناء على وجود شكوك واحتمالات كثيرة، وأن أقول إنهم اكتشفوا معلومات جديدة عن راي، لكنها ليست جديدة ولا مصداقية لها."

ففي كتابه الذي وضعه عن سيرة حياة الفنان يقول نايفه إن الشهود الذين رأوا فان غوغ بعد لقائه بالطبيب راي، بمن فيهم زوجة أخيه ثيو التي تدعى يوهانا فان غوغ بونغر، والفنان بول سينياك، وطبيب فان غوغ في أوفير سور واز الدكتور بول غاشيه، جميعهم قالوا إن الأذن لم تكن مقطوعة بأكملها.

جاء في كتاب نايفه أن جميعهم "شاهدوا جزءاً متبقياً من أذن مشوهة، وأن الجزء المتبقي منها لا يُلحَظ مقدار الضرر الذي لحق به عند رؤية فنسنت وجهاً لوجه. حتى أن الدكتور غاشيه الذي عاين فنسنت في أوفير عام 1890 وضع رسماً دقيقاً جداً لأذن الرسام المشوهة حين ذاك، أظهر فيه أن صيوان الأذن لم يقطع بالكامل، وأن الجزء المقطوع لم يتجاوز شحمة الأذن."

أسباب كثيرة اقترِحت في الماضي عن دوافع فان غوغ لإيذاء نفسه؛ ففي رواية السيرة الذاتية Avant et Après (قبل وبعد) التي ألفها بول غوغان وصفَ خلافاً شب بينه وبين فان غوغ في آرل عندما عزم غوغان على الرحيل.

يروي غوغان أن فان غوغ لاحقه بشفرة (موس) في يده حتى أوقفه غوغان، عندها عاد فان غوغ أدراجه إلى البيت وأقدم على جرح نفسه.


لماذا قطع أذنه لهذه المرأة؟


أما مورفي التي ولدت في أيرلندا وعاشت في بروفانس على أطراف آرل لعدة سنوات، فقد تمكنت من خلال أبحاثها أن تتعرف على المرأة التي قدم لها الرسام أذنه؛ حيث قالت مورفي أن اسمها غابرييل، وأنها كانت شابة تعمل في بيت دعارة. عانت لعدة سنوات، حسب مورفي، من لقب "عاهرة" الذي لحق بها جراء اتصالها بفان غوغ، وحسب تقرير جاء في صحيفة محلية فقد أغمي عليها على الفور بعدما تسلمت منه أذنه وقال لها "احتفظي بهذا الشيء بعناية".

تقول مورفي في لمحة عن المعرض أن "ثمة عاملاً شبه ديني يكتنف الطريقة التي قدم لها فيها جزءاً من جسمه لكي يصلح لها جزءاً من جسمها، فقد كانت على جسمها ندبة غائرة، فكأنه بفعلته يعطيها نسيجَ جلد طازجاً."

لكن باكر تقول الآن إنها ترى في فعلته تصرفاً فيه مسٌّ من الهذيان واللاوعي طغى على نوبات انهيار فان غوغ النفسية.

ففان غوغ نفسه لم يتذكر الأحداث التي أحاطت بواقعة قطع الأذن، كما قال أن ذكريات أفعاله أثناء نوبات انهياره عادة ما يشوبها ويلفها الضباب.
ففي المستشفى وبعد حادثة الأذن راعه وأخجله ما سمع أنه أقدم عليه، فوضع نفسه على الفور تحت رعاية الطبيب راي.

لكن شهرة فان غوغ لطالما ارتبطت بسيرة حياته المعقدة، خاصة بموضوع جنونه. يقول السيد نايفه في مقابلة على الهاتف "إن معرفة الأطفال بعمر الـ5 سنوات بالفنان فان غوغ سببه إلى حد ما قصةُ تشويهه لأذنه. فلو أنك أردت استخلاص بضع حقائق من قصة حياته لكانت تلك الحادثة إحداها."


ماذا كان مرضه النفسي؟


وقد حاول الكثيرون تخمين المرض النفسي الذي عانى منه فان غوغ. منهم من قال إنه عانى من "صرع الفص الصدغي" الذي يؤدي إلى نوبات وسلوك خاطئ وفقدان الوعي؛ فيما آخرون رأوا أن في أعراضه تشابهاً مع مرض "الاضطراب ثنائي القطب". أما السيدة مورفي فلم تستبعد أن تكون حالته مزيجاً بين هذا وذاك، وخلال فترة المعرض سيستضيف المتحف ندوة سيناقش فيها أطباء آراءهم حول هذا الموضوع.

تقول باكر "لقد تمعنّا في دراسة كل تلك التشخيصات التي ظهرت على مدى الـ126 عاماً التي مرت على وفاته. وبالطبع يصعب تشخيص حالة ميت مضى دهرٌ طويل على وفاته. لكننا نعرف أعراضه لأنه هو وصفها في رسائله الخاصة. فقد قال أنه يعاني من هلوسات ومن التكلم بشكل غير مترابط وأنه لا يدري ما يفعل."

هنالك وثائق وأشياء تعرض لأول مرة مثل تقريرِ شرطة حول حادثة فان غوغ في آرل، والتماسٍ قدمه جيران فان غوغ هناك عام 1889 أهابوا فيه بعمدة المدينة لكي يخلد ذكرى الفنان ويجعل منه جزءاً من تراث البلدة ومؤسساتها.

ستعرض كذلك رسالة د. راي ورسمه لأذن فان غوخ المقطوعة بجانب لوحته التي يصور فيها وجه د. راي التي رسمها في يناير/كانون الثاني عام 1889 والتي أعطيت للطبيب عربون شكر
على عنايته.

هدف المعرض ليس ربط عمله الفني بحالته النفسية، بل توضيح أن الرسام الشهير كان يجاهد لكي يعمل بالرغم من تدهور حالة مرضه.

وتختم باكر بالقول "الأمر ليس أنه كان يعاني هلوسات فرسمها كما يظن كثيرون. بل الأمر المثير للعجب والذهول أنه أنتج كماً من العمل الفني رغم طول الفترات التي عجز فيها عن العمل والإنتاج."

-هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The New York Times الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.