مخلوقاتها غير مرئية ويبحث عنها البشر في الشوارع.. هوس لعبة البوكيمون هل له علاقة بديانة يابانية؟

تم النشر: تم التحديث:
POKEMON
theguardian

شهد الأسبوع الماضي عشرات الآلاف من الأشخاص، الذين جابوا الشوارع المختلفة، متفاعلين مع كائنات غير مرئية تسكن مدنهم اليوم.

يتحدث هؤلاء المهووسون بلغة خاصة، مخصصين ساعات لذلك النشاط التعبدي، بالإضافة لمرورهم معاً بلحظات من الفرح والأسف العظيمين.

إنه هوس استولى على حياتهم، كما يقول الكثيرون، وهم مستعدون للتضحية بأجسادهم في سبيله، إذ إنهم يرون العالم بشكل مختلف عما يراه الآخرون الذين لم يخوضوا هذه التجربة.

ما بدا كتحول ديني مفاجئ على مستوى العالم هو في الحقيقة إصدار Pokémon Go، وهي إحدى ألعاب الواقع المعزز المخصصة للهواتف الذكية، التي أثارت موجة جديدة من الثقافة الشعبية للبوكيمون. ومن نواحٍ متعددة لا يختلف البوكيمون عن الدين كثيراً.

من كامي إلى كاترباي.. الأصل الأسطوري لنشأة البوكيمون


مصدر إلهام


تدين بوكيمون بالكثير من فكرتها إلى الولع الطفولي لمؤلفها ساتوشي تاجيري بجمع الحشرات، لكن التاريخين الأسطوري والديني الوثني لليابان وفرا مصدراً خصباً للإلهام أيضاً.

تعتقد الشنتو، أقدم ديانات اليابان، أن العالم يسكنه آلاف الآلهة المعروفة بـ(كامي)، التي تمنح الحظ الجيد في العمل والدراسة والصحة لمن يتقرب إليها بالطعام والبخور، بينما تسيطر عليها الرغبة في الانتقام إذا لم يتم احترامها.

pokemon

وتظهر تلك المتوازيات في حالات متعددة؛ إذ يتشابه البوكيمون المائي الأرضي ويسكاش Whiscash مع نامازو (namazu) سمكة القط التي تتسبب بالزلازل في الأساطير اليابانية، في الوقت ذاته البوكيمون العشبي الظلامي شيفتري Shiftry هو عفريت أو "تينغو".

وتعيش تلك الآلهة (كامي) مع وحوش أكثر شراً بقليل (يوكي) على الأشجار وفي الأنهار ووسط الصخور وغيرها من الظواهر الطبيعية، بما فيها البرق والرعد. تعيش البوكيمونات أيضاً في الأنهار ووسط الأشجار والصخور وفي السماء. في بوكيمون جو يمكنك التحالف مع البوكيمون إذا قدمت له الطعام والبخور، وهو ما يضيف إلى اللاعب نقاطاً وأغراضاً استثنائية، بدلاً من هروب البوكيمون أو مقاومته للأسر.


تكنولوجيا روحية


في 2006، كتبت الباحثة في شؤون اليابان المعاصر آن أليسون في كتابها "الوحوش الألفية" أن ظواهر الثقافة الشعبية مثل بوكيمون تمثل نوعاً من "الروحانية التقنية" التي تصبغ التكنولوجيا الرقمية بصبغة روحية.

وينغرس هذا النوع من الروحانية في السلع ذات النزعة الاستهلاكية، حيث تُستَخدم الروابط العاطفية بين الناس والأشياء لدفع المنتجات، لكنها أيضاً تمثل سبيلاً لمواجهة تفكيك الحياة العصرية عن طريق السماح للمستخدمين بخلق معنى وتواصل وحميمية في حياتهم اليومية.

غريبان يعبران أحد شوارع المدينة المزدحمة، محركين هواتفهم لأسر بلباصور، ويبتسمان لبعضهما بعضاً.

هذه الفكرة الروحانية التقليدية أن العالم المادي يحيا بجوار الكائنات، لها تأثير واسع النطاق في اليابان المعاصرة.

وهو ما يتضح في تفشي "ثقافة اللطف" التي تصف كل شيء بأنه فاتن ولطيف (Kawaii). وهو ما يظهر أيضاً عبر الطلب الذي وجهته ماري كوندو لقرائها لشكر أحذيتهم وجواربهم على عملهم الشاق في نهاية كل يوم، في كتابها "سحر الترتيب القادر على تغيير الحياة.. الفن الياباني في الترتيب والتنظيم". وهذه الروحانية التقنية هي ما تفسر أيضاً، بشكلٍ ما، الترحيب الذي لاقته الروبوتات في منازل اليابانيين وقلوبهم.

When you gotta go, you gotta #pokemongo

A photo posted by Jorge Vallentine (@v.l.n.t.y.n) on


الدين والتكنولوجيا


يميل البعض نحو التفكير في أن الدين يتعارض تماماً مع التكنولوجيا المعاصرة. ووفقاً للمصطلحات الشائعة فإن الدين عتيق، وجليل، ومتسامٍ، ومقدس، ويحتوي بداخله على جميع النواحي غير الملموسة كالأخلاق والاعتقاد. فى حين أن التكنولوجيا شيء ميكانيكي، ومادي، وحديث، ودنس.

لكن الأديان دائماً ما تعتمد على أحدث التقنيات التكنولوجية لنشر البِشَارَات، والدليل على ذلك إنجيل غوتنبرغ – وهو نسخة مطبوعة لترجمة الفولجات اللاتينية للكتاب المقدس طبعها يوهانس غوتنبرغ في ماينتس الألمانية في القرن الـ15 – واختراع الطباعة. ليس مستغرباً اليوم أن نجد الدين قد انتقل للعالم الافتراضي (الإنترنت)، حيث يستطيع المتدينون تنزيل تطبيق iRosary لإقامة الصلاة الكاثوليكية أثناء الحركة والتنقل والاستماع إلى إذاعة بوذادارما وإقامة العبادات، التي كان يقيمها الأسلاف، عبر الإنترنت.

وبحسب مزاعم نظرية التحديث المستلهمة من ماكس فيبر، فإنه ومع تطور المجتمعات، فإن المنطق العلمي يحل محل المعتقدات الدينية. ويُنظر إلى ذلك التحرر الذي يشهده العالم على أنه نتيجة حتمية للرأسمالية. ومع ذلك حسم الدين المسألة وربح في النهاية، باعتراف الجميع، ويستقر الآن بجوار مفاهيم الرأسمالية المعاصرة.

وبالفعل، فإن لعبة بوكيمون غو أصبحت متداخلة بشكل كبير مع اقتصاد السوق وذلك مع وجود عرض بإمكانية الدفع من أجل تخطي مسألة الشراء داخل التطبيق.

إن رؤية الكيفية التي قد تتطور تلك المسألة وفقاً لها هو أمر مثير للاهتمام. وبالفعل، فقد بدأت بعض الشركات والمتاجر التي خُصصت أجزاء منها كي تكون نقاط توقف للاعبي البوكيمون الراغبين في اكتساب النقاط وشراء السلع في تعلم الكيفية التي يستطيعون وفقها جذب هذه الفئة.

وعلى ما يبدو فإن الخطوة المنطقية التالية، وبحسب توقعات مختبرات Niantic، ستكون السماح للمتاجر بالدفع نحو تعزيز الموقف الحالي الخاص لنقاط توقف لاعبي البوكيمون وذلك لجني الأرباح. وبالتالي، كيف سيتفاعل مجتمع بوكيمون غو الوفي مع تلك المسألة المتعلقة باستغلال الموقف الحالي لجني الأرباح الهائلة من ساحتهم المقدسة؟


دمج الواقع بالخيال


ووفقاً لما صرح به الكثيرون، فإن الشيء الآثر فيما يتعلق بلعبة بوكيمون غو هو مزجها بين الواقع والخيال وإزالة الحواجز بينهم. ومن خلال استخدام نظام تحديد الموقع (GPS) والكاميرا بالهاتف الذكي، فإن هذا سيضفي المزيد من الواقعية على أماكن الشوارع المستخدمة في اللعبة، وهو الأمر الذي سيتيح للاعبين اختبار عالميْن: أحدهما جغرافي والآخر واقعي، في الوقت نفسه ما قد ينتج عنه حدوث مزيج بين المرح والخطر عند وقوع التصادم بين العالمين.

بوكيمون غو ليست اللعبة الأولى من نوعها التي تمزج بين الواقع والخيال، فهناك سلسلتا أفلام الكارتون اليابانيتان "يو كاي ووتشي" و"صائد الوحوش" (Monster Hunter) – وكلتاهما تعتمد بشدة على أسطورة الشنتو – التي تمكن القائمين عليها من إقامة بعض التجمعات للمهوسين بها ومكّنتهم من لقاء بعضهم بعضاً في المقاهي والحدائق العامة، بعيداً عن الإنترنت، لاستكمال المهمات التي بدأوها على الإنترنت.

الجدير بالذكر أن ألعاباً مثل BotFighters – وهي نوع من الألعاب على الهواتف النقالة باستخدام تقنية تحديد الموقع – أصبحت تمتلك شهرة واسعة منذ مطلع هذه الألفية.

حدوث هذه المقارنة الحتمية هو مدخلنا للأمر برمته. ففى عام 2013 أطلقت مختبرات Niantic، مبتكرة لعبة بوكيمون غو، لعبة مشابهة أخرى مدعومة بالبيانات من خرائط جوجل. ولأن بوكيمون تمتلك ماضياً يشعر الجميع بالحنين إليه، بجانب أن لها الكثير من المريدين، فقد أطلقت مختبرات Niantic وعوداً بتغيير مسار عالم الواقع الخاص باللعبة على نحو غير مسبوق.

وبعد أن تم إقحام عالم الواقع في اللعبة، فربما يصبح حينها العالم الافتراضي أمراً حقيقياً. فقد رأيت خلال الأسبوع الماضي اثنين من لاعبين بوكيمون غو متوقفين في منتصف الطريق وهما يحدقان باهتمام بالغ لأحد الطيور الحقيقية.

وتساءل أحدهما قائلاً: "ما القوة القتالية؟"، وبالطبع فإن فكرة أن كل اليابانيين أو معظمهم يعتقدون حقاً أن عالمهم تسكنه الآلهة يُعد أمراً مثيراً للسخرية شأنهم في ذلك شأن لاعبي البوكيمون غو.

ليس كل من يعتقدون في ديانة الشنتو يؤمنون بأن الكامي – وهو لفظ في اللغة اليابانية يعني إله أو رب – موجود، وليس كل المسيحيين يعتقدون بأن النبيذ والخبز هما فعلاً من دم وجسد المسيح، ومع ذلك فإن جميع هذه المجموعات تتشارك في أمر واحد وهو تصرفاتهم على نحو كما لو كانت جميع هذه المعتقدات حقيقية.

أريد الاعتراف بأني قضيت الأسبوع الماضي وأنا أجوب المدينة في محاولة يائسة لالتقاط تشارمندر – وهو أحد أجناس البوكيمون المتعددة وهو من النوع الناري – وحتى الآن لا تقف الآلهة إلى جانبي.

- هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.