رحلة إنقاذ بعيون "هافينغتون بوست".. ماذا استلزم لإنقاذ 26 لاجئاً من وسط البحر؟

تم النشر: تم التحديث:

الهافينغتون بوست انضمت إلى مهمة إنقاذ نفذتها الأمم المتحدة قبالة شاطئ جزيرة ليسبوس اليونانية

بحر إيجة، اليونان - انطلق قارب الإنقاذ في الساعات السابقة للفجر، شاقّاً طريقه عبر المياه الممتدة شبه الزجاجية التي تفصل اليونان عن تركيا، وباحثاً عن مسافرين يائسين.

بالنسبة للمهربين العاملين على طول الشاطئ التركي، تمثل هذه الساعات المعتمة قبل ارتفاع سرعة الريح الوقت المثالي لإطلاق زوارقهم المليئة باللاجئين والمهاجرين الباحثين عن الوصول إلى سواحل أوروبا لبناء حياةٍ أفضل لأنفسهم.

الشهر الماضي، ركب فريق "هافنيغتون بوست" قارب شرطة بحرية برتغالياً يعمل في هذه المياه لأخذ نظرة أولى على الكيفية التي يتم بها التعرّف على هؤلاء المسافرين وإيصالهم إلى بر الأمان.

يعمل فريق الشرطة تحت مظلة منظمة فرونتكس، وكالة حراسة الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. زادت الوكالة من عمليات البحث والإنقاذ التي تقوم بها في هذه المنطقة خلال العام الماضي، بعد وصول أعدادٍ كبيرة من اللاجئين الغارقين إلى السواحل اليونانية بسبب الزوارق البائسة التي سرعان ما تغرق وسترات النجاة المصنوعة من الرمل، التي ترسل الناس إلى حتفهم بعد دقائق من خوضهم في البحر.

في هذه المهمة الخاصة الشهر الماضي، أنقذ طاقم القارب المكون من 3 أشخاص 26 بالغاً وطفلاً، وأوصلوهم إلى بر الأمان في ليسبوس، الجزيرة اليونانية التي تقع على بعد أميالٍ قليلة غربَ تركيا.

إليكم ما حدث:

الساعة الخامسة و20 دقيقة صباحاً: مغادرة ميناء ليسبوس

social media

ينطلق قارب الشرطة البحرية مسرعاً من ميناء في قرية موليفوس على الرأس الشمالي من جزيرة ليسبوس، متوجهاً إلى المنطقة "الساخنة"، حيث تُشاهد غالباً الزوارق التي تحمل اللاجئين.

إنه قارب مدهشٌ في صِغره مقارنة بسفن الإنقاذ الكبيرة في البحر المتوسط، مثل البوارج الكبيرة التي يمكنها نقل المئات وإيواء طاقم لأسابيع في كل رحلة. القارب مقسم إلى مقدمة ومؤخرة، تتوسطها منطقة مسقوفة، حيث يستخدم القبطان تقنية الرادار للبحث عن الزوارق.

توجد أيضاً حجرة صغيرة حيث تُحفظ البطانيات، والملابس العسكرية والسترات الواقية من الرصاص التي تستخدمها الشرطة كإجراء احترازي أثناء إنقاذ الناس.

جزيرة ليسبوس التي كانت ذات مرة جزيرةً هادئة تجتذب السياح من أوروبا الغربية ودارسي الطيور، أصبحت معروفةً فجأة كبؤرةٍ لأزمة اللاجئين العام الماضي بعد وصول آلاف اللاجئين بشكل يومي.

تقلّص الرقم خلال شهر مارس/آذار الماضي بعد أن وقع الاتحاد الأوروبي اتفاقاً مع تركيا لتقليص تدفق المهاجرين واللاجئين الذين يصلون إلى أوروبا، لكن الناس بدأوا مجدداً القيامَ بمحاولاتهم، مجازفين بالرحلة الخطرة.

قال القبطان كارلوس رودريغير: "خلال الأيام القليلة الماضية، قمنا بإنقاء 3 مجموعات من أصل 4".

قال الشرطي ريكاردو بيريرا إن مهنة إنقاذ الأرواح قد تكون عبئاً على الطاقم. منذ بدأت مهمتهم في اليونان منذ حوالي 3 أشهر، تمكنوا من إنقاذ 3 أشخاص واعتقال 5 مهربين، بعضهم اختبأ بين اللاجئين على الزوارق.

"لكننا أقوياء"، أضاف العضو الآخر في الطاقم، ديفيد ميلو. الأفكار السعيدة حول عائلاتهم ووطنهم تبقيهم مستعدين للعمل.

الساعة السادسة و20 دقيقة صباحاً: يرى الطاقم زورقاً متجهاً إلى اليونان

social media

تظهر نقطةٌ سوداء صغيرة على شاشة الرادار، وبدا أنه يقع على يسار عجلة قيادة القارب. بدأ رودريغير بتوجيه القارب نحو النقطة التي ظهرت في الأفق.

حمل بيريرا منظاراً ليلقي نظرة أقرب على الزورق، ثم أشار برأسه موافقاً إلى بقية أعضاء الفريق.

أكد رودريغير "لدينا واحد". أرسل رسالة إلى خفر السواحل اليوناني لإعلامهم بالخبر.

لكن القارب لا يستطيع فعل شيء أكثر من الاقتراب، إذ إن زورق اللاجئين لا زال ضمن المياه الإقليمية التركية التي لا يستطيع فريق الإنقاذ الدخول إليها لأن تركيا ليست عضواً في الاتحاد الأوروبي.

اتصل رودريغيز بخفر السواحل التركي الذي تقع عليه مسؤولية قانونية تجاه إنقاذ الزورق إن كان المسافرون في مياهها في خطر.

قال رودريغير: "لقد اتصلت 10 مرات أو أكثر، لكن أحداً لم يرد".

نزل بيريرا وميلو إلى حجرة التخزين وارتديا سترات واقية من الرصاص.

قال بيريرا: "فقط للاحتياط".

ثم جلسا في جانب القارب، مستعدين للإمساك بزورق اللاجئين القادم، والبدء بعملية الإنقاذ.

الساعة السادسة و45 دقيقة: زورق اللاجئين يقترب من قاربنا

social media

يصل الزورق ببطء إلى المياه اليونانية. يقترب قارب إنقاذٍ سويدي ويطوّق المنطقة لتقديم المساعدة.

صرخ أفراد الطاقم الثلاثة بصوت واحد: "أوقفوا الزورق".

ينطفئ محرك الزورق.

يصف رودريغير قاربه بجانب زورق اللاجئين، ويرمي طوافته باتجاههم.

طيّعين ومرتجفين، يتكلم الرجال والنساء على متن الزورق فقط حين يوجه الكلام إليهم.

يسأل الطاقم بالإنكليزية: "من أين أنتم؟".

نيجيريا، الكونغو وسوريا، قال رجلٌ لعب الدور غير الرسمي كناطقٍ باسم المجموعة.

"كم دفعتم لتأتوا على متن هذا القارب؟".

"ألف دولار"، أجاب الرجل. وحين سُئل عما إذا كانت ثمة أي حالة طبية عاجلة تتطلب رعاية فورية، أجاب بالنفي.

في هذه الأثناء، أخيراً ردَّ خفر السواحل التركي، قائلين إنهم لم يسمعوا جهاز اللاسلكي، ولذا لم يستطيعوا القيام بعملية الإنقاذ داخل مياههم الإقليمية.

لكن رودريغير لاحظ أن الأتراك يستخدمون قوارب أكثر تطوراً بإمكانها الإبحار بسرعة تفوق قاربنا، وكان بمقدورهم الوصول إلى الزورق أسرع منهم.

الساعة السابعة صباحاً: يركب اللاجئون على متن قاربنا، واسمه "آراد".

ثمة 26 شخصاً على متن الزورق، بمن فيهم 3 أطفال. يحمل كل فرد من أفراد الطاقم الثلاثة طفلاً ويضعونهم في المنطقة المغلقة من القارب. ثم يساعدون النساء، ثم الرجال، في الخروج من زورقهم والصعود إلى قاربنا.

إحدى النساء، التي عرّفت عن نفسها باسم "ماري" فقط، قالت بالفرنسية إن عائلتها ساعدتها في الهرب من موطنها، الكونغو. قالت إنها عاشت مع آخرين لمدة أسبوع في غابة تركية قبل ركوب الزورق في ذلك الصباح.

وأضافت أنها لا تملك عائلة أو أصدقاء في أوروبا، وليس لديها أي فكرة عن البلد الذي تريد الاستقرار فيه.

امرأة أخرى تسافر مع الأطفال الثلاثة تبدو قلقةً بشكل واضح. تجلس مع اثنين من أطفالها بجانب رودريغيز.

سأل رودريغيز رجلاً عرض أن يحمل إحدى الصغيرات الثلاث في حضنه: "هل أنت الأب؟"، فهز الرجل رأسه بعلامة النفي.

المرأة التي كانت تبكي بصمت قالت أخيراً إن والد صغارها قُتل في تفجير في سوريا.

أرسل رودريغير رسالة أخرى إلى خفر السواحل اليوناني ليخبرهم بأن القارب سيعود إلى الشاطئ قريباً. ربط بيريرا وميلو زورق اللاجئين بخلفية القارب، كان الزورق مليئاً بالحقائب التي لُفَّ بعضها بالبلاستيك لكي لا تتبلل.

قال لمجموعة اللاجئين: "لنذهب إلى اليونان". لوح الرجال بأيديهم في الهواء علامةً على الشكر. ابتسمت الأم الوحيدة، البعض هزوا رأسهم شاكرين، غير قادرين على التفوه بكلمة واحدة.

جنسيات اللاجئين الذين يركبون قارب "آراد" تزداد تنوعاً، حسب ما قال رودريغيز. حتى أن عملية إنقاذ تمت مؤخراً تضمنت لاجئين من جمهورية الدومينيكان ونيبال.

أضاف رودريغيز "هذه بوابةُ أوروبا الآن".

لكن هذه البوابة مغلقةٌ حالياً. مكّن الاتفاقُ الأوروبي-التركي الدولَ الأعضاء في التحاد من إغلاق حدودها، تاركة اليونان لتتعامل مع أولئك الذين ينجون من الرحلة من تركيا، والذين لا يملكون مكاناً يذهبون إليه الآن. وحسب البيانات التي نشرتها الأمم المتحدة في يونيو/ حزيران الماضي، فإن 44 ألفاً و148 لاجئاً ومهاجراً عالقون الآن في اليونان القارية، علاوة على 8430 آخرين منتشرين في الجزر اليونانية.

الساعة الثامنة و20 دقيقة صباحاً: القارب يعود إلى الشاطئ

المسافرون، والعديد منهم يرتدون معاطف شتوية، حنوا رؤوسهم ليتجنبوا شمس الصباح اللاهبة حين ظهر لهم شاطئ ليسبوس.

لكن صبياً صغيراً على متن القارب ألصق وجهه بالنافذة، ملقياً نظراته الأولى على اليونان.

فقط قبل أشهر، افترشت مئات الآلاف من سترات النجاة البرتقالية شواطئ ليسبوس، وكأن أزمة اللاجئين تركت بصمتها على منظر الجزيرة. قامت السلطات مؤخراً بنقل هذه السترات والزوارق المنقلبة إلى مِكَبٍّ بعيدٍ عن الأنظار، حيث تتجمع الآن في أكوامٍ يصل ارتفاعها إلى عشرة أقدامٍ على الأقل.

في ميناء سكالا الهادئ، شرقي موليفوس، كان المتطوعون من مؤسسة Lighthouse Relief غير الحكومية ينتظرون استقبال الوافدين الجدد.

وحالما رسا القارب، حتى بدأ عمال الإغاثة وبشكل تلقائي بتقديم قناني الماء، البسكويت والبطانيات التي لفها اللاجئون على أنفسهم رغم درجة الحرارة التي كانت تصل إلى 100 درجة فهرنهايت.

أخيراً، سُمح لهم بأن يطؤوا أرض أوروبا. يتدافعون جميعاً، قافزين ليتلقفوا يد المساعدة وكأنهم يخشون أنهم إن أضاعوا ثانية واحدة فقد يعني هذا أنهم لم يعد مرحباً بهم.

يأخذهم متطوعو منظمة Lighthouse إلى منطقة ظليلة، حيث يبحثون بين الحاويات البلاستيكية التي تحوي ملابساً وأحذية. يبحث رودريغير، بيريرا وميلو في الزورق الأسود عن مقتنيات اللاجئين ويعيدونها إليهم.

ثم يتوقف باصٌ سيأخذ اللاجئين إما إلى موريا أو كارا تيبي، معسكرا اللاجئين في ليسبوس.

في هذه الأثناء، يمسك رجال الشرطة الثلاثة بالزورق ويرمونه على شاطئ سكالا الصخري.

- هذا الموضوع مترجم عن النسخة الأميركية لـ"هافينغتون بوست". للاطلاع على المادة الأصلية اضغط هنا.