ماذا يريد السيسي؟.. زيارة وزير الخارجية المصري إلى إسرائيل تثير التكهنات

تم النشر: تم التحديث:
EGYPT
GALI TIBBON via Getty Images

ترى هل يتحضر الإسرائيليون والفلسطينيون للعودة مجدداً إلى محادثات السلام؟ خذ نفساً عميقاً واحبسه إذاً؛ فالطريق المسدود منذ عقود يوشك أن يُفتح ويتابع قدماً.

آخر اللاعبين المنضمين هو الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي أرسل وزير خارجيته إلى القدس عصر يوم الأحد 10 يوليو/تموز 2016.

أما على جانبي الطريق فيقف مُرحباً حالياً على الأقل وزير الخارجية الأميركي جون كيري وفريق البيت الأبيض اللذان فعلياً استسلما وتخلّيا عن كل محاولات التوصل لاتفاق وركنا للقعود في الأشهر الأخيرة المتبقية من رئاسة أوباما. كيري مثلاً رحّب بذراع السيسي الممدودة إلى القدس، بحسب تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأميركية,

أما سامح شكري، وزير الخارجية المصري، فقد التقى برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليس مرة واحدة، بل مرتين اثنتين يوم الأحد، أولاهما كان لقاءً ثنائياً عاماً، أما اللقاء الثاني فكان عشاءً حميماً في منزل رئيس الوزراء الرسمي، حيث شاهد الوزيران دقائق من مباراة كأس أمم أوروبا النهائية معاً، تشهد بذلك الصور التي نشرها المكتب الإعلامي للحكومة الإسرائيلية.

زيارة شكري هذه إلى إسرائيل هي الأولى لرئيس وزراء مصري منذ 9 أعوام، وهي حدثٌ جللٌ في يومنا هذا في الشرق الأوسط.

وترى الصحيفة الأميركية أن الدبلوماسيون الإسرائيليون قالوا إن أهمية الزيارة تنبع من كون اللقاءات أجريت علناً في وضح النهار ضمن فريق زيارة رسمية أصدر بيانات رسمية. يقول إسحاق ليفانون السفير الإسرائيلي السابق إلى مصر "مصر هي اللاعب المنطقي بعد الولايات المتحدة لكي تضطلع بدور المكوك الدبلوماسي بين الاسرائيليين والفلسطينيين".


شكري في رام الله


قبل 10 أيام كان شكري في رام الله بالضفة الغربية يجتمع بهدوء مع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي أعيته الحيلة لمواجهة احتلال إسرائيل الذي ناهز 50 عاماً، كما يجد عباس نفسه في موقف لا يُحسد عليه مع تدني مستوى شعبيته إلى أدنى مستوياتها حسب استطلاعات الرأي العام الأخيرة.

يقول الدبلوماسيون الفلسطينيون والإسرائيليون إن السيسي يهمّه توصل الطرفين إلى اتخاذ تدابيرلإعادة "بناء الثقة" التي من شأنها تخفيف حدة واحتقان الصراع الذي نكأت جراحه 10 أشهر من اعتداءات بالسكاكين والمسدسات والعربات التي نفذها "ذئاب منفردون" شبان فلسطينيون ضد جنود ومدنيين إسرائيليين، لقيت ردوداً إسرائيلية عنيفة و"أخطاء" أطلق فيها جيش الاحتلال النار على سيارات يركبها أبرياء.

من تدابير بناء الثقة تلك تجميد بناء المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ووقف علميات الطعن التي يقوم بها الفلسطينيون.

وبحسب واشنطن بوست فإن كلمات وزير الخارجية المصري جاءت متوافقة مع ما يدور في أذهان جميع دول العالم، إذ قال: "منذ توقف المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين عام 2014 والوضع على الأرض من سيئ إلى أسوأ على كافة الأصعدة الإنسانية والاقتصادية والأمنية، وحلم السلام والأمن يغدو بعيد المنال أكثر مع استمرار الصراع".

من جهة أخرى ومنذ الانقلاب العسكري المصري عام 2013 الذي وضع السيسي في سدة الرئاسة وقادة الجيش العسكري، لا يفتؤون يقولون للصحفيين إن التعاون العسكري لم يكن يوماً أفضل حالاً من اليوم بين الجيشين المصري والإسرائيلي وأجهزة استخباراتهما.

فالبلدان تواجهان العدو نفسه المتمثل في التطرف الإسلامي بشبه جزيرة سيناء التي بايعت فيها القبائل المناوئة لنظام القاهرة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، وأعلنت ولاءها له وأن سيناء ولاية تابعة لخلافة المسلحين الإرهابيين.


التكهنات مفتوحة أمام الجميع


ترى في أي اتجاه ستذهب مساعي مصر؟ التكهنات مفتوحة أمام الكل. فمن الممكن جداً أن تنحى المساعي الجارية بين البلدين تجاه العلاقات المصرية الإسرائيلية لا القضية الفلسطينية.

فإسرائيل تجد نفسها أمام اتحاد أوروبي مضطرب يدعم المبادرة الفرنسية الساعية إلى رسم اتفاقية سلام مع نهاية هذا العام ستكون نتيجتها المحتملة سحب كافة الجنود الإسرائيليين وتأسيس دولة فلسطينية، كما أن هنالك شائعات وهمسات تدور حول استصدار مجلس الأمن الأممي لقرارات جديدة حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

أمام هذا المشهد عبّر نتنياهو، الذي يرأس حكومة إسرائيلية يمينية هي الأكثر تطرفاً نحو اليمين في تاريخ إسرائيل، عن معارضته للمبادرة الفرنسية وغيرها من المساعي الدولية كتلك التي توازيها في الأمم المتحدة، قائلاً إن "المحادثات الثنائية وحدها من دون شروط مسبقة" هي التي قد تنتج لنا سلاماً دائماً.

من جهتهم يملؤ نفوس الفلسطينيين الشك، فجميعهم يشيرون إلى العهد الشهير الذي قطعه نتنياهو عشية انتخابه غير المسبوق في التاريخ ليرأس الوزراء للمرة الرابعة، حينما تعهّد بأنه لن تبصر دولة فلسطينية النور طالما هو في منصبه.

فقد قال دبلوماسي فلسطيني تحدث لـ"الواشنطن بوست"، مشترطاً عدم ذكر اسمه نظراً لحساسية القضية: "الاسرائيليون يفعلون ما بوسعهم لإثبات أن المبادرة الفرنسية لا داعي لها" التي يدعمها عباس.

أما المراقبون والمحللون فيرقبون الوضع وفي أعينهم الحذر.

فصحيفة "المصريون" القاهرية نقلت عن أكاديميٍ رأيه بالمبادرة المصرية مندداً بأنها "تدق مسماراً جديداً في نعش العرب"، فيما الصحيفة نفسها نقلت قول محلل آخر إن مبادرة السيسي "خطوة إيجابية لحل الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية".


قضية ثلاثية


الأستاذة المحاضرة في تاريخ الشرق الأوسط وإفريقيا بجامعة تل أبيب، ميرا تزوريف، قالت: "هذه ليست قضية إسرائيلية فلسطينية، بل هي قضية إسرائيلية مصرية فلسطينية". وتابعت القول إن مصر لاعبة فريدة على الساحة لأنه "قد تكون هناك مبادرة فرنسية أو أخرى سعودية، غير أن المبادرة المصرية فقط هي التي يقبلها الطرفان. هذه رسالة واضحة للأميركيين مفادها أن السيسي قائد في وسعه تحقيق إنجاز ليس داخل مصر فحسب بل خارجها كذلك. السيسي يحقق نجاحاً في المكان الذي فشلت فيه الولايات المتحدة".

أياً كان، لقد دخل السيسي على خط المباحثات. ففي خطاب له ألقاه في مايو/أيار دعا الرئيس المصري الأطراف السياسية الإسرائيلية المتنازعة لتشكيل تحالف بغية التوصل إلى اتفاقية سلام مع الفلسطينيين ستدعمها الدول العربية بدورها.

ووسط كل هذه المعمعمة هنا يفِدُ على الساحة أيضاً رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير الذي يشغل الآن منصب مستشار غير رسمي للسيسي. بلير، الذي يواجه في بلاده بريطانيا غضباً شعبياً من قراره الذي زجّ ببلاده في حرب العراق، ما زال مستمراً في أداء دوره الصغير على خشبة مسرح الشرق الأوسط ومسلسلاته الدرامية، فقد وصل بلير هو الآخر يوم الاثنين 11 يوليو/تموز 2016 إلى القدس لمقابلة نتنياهو.

ليفانون السفير الإسرائيلي السابق في مصر قال: "يرى المصريون أننا أمام شرق أوسط متهاوٍ من فرط سفك الدماء غارقٍ في الأزمات دون بصيص حلٍ يلوح في الأفق لا في سوريا ولا في اليمن ولا ليبيا ولا العراق. هم أيضاً مضطرون لمواجهة الإرهابيين داخل بلدهم، ثم فجأة يلتمع أمام ناظريهم شيء لم يكن قبل بضعة سنوات: إنها دولة إسرائيل الصغيرة التي تبني علاقات متميزة مع روسيا وقنوات مفتوحة مع السعوديين وتصالحت مع تركيا والأسبوع الماضي التقت مع قادة 7 دول إفريقية".

وختم ليفانون بالقول: "إننا الآن في موقفٍ خيرٌ لمصر فيه أن تقف إلى جانب إسرائيل لا ضدها".

هذا الموضوع مترجم بتصرف عن صحيفة The Washington Post الأميركية.